Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salem Ben-Ammar
الكاتب الليبي سالم بن عمار


سالم بن عـمّار

الخميس 24 ديسمبر 2009

هل تجوز الرشوة بعد أن عمت في بلادنا؟

سالم بن عـمار

لو أن مسؤولاً ليبياً في مصلحة من المصالح الحكومية عُرضت عليه الرشوة لإنجاز عملا ما يقع في دائرة اختصاصه الوظيفي، قبل ثلاثين سنة، لأرغى وأزبد، وانتفض انتفاضة شديدة، ولقن الراشي درساً قاسياً بليغاً في الأدب وحسن الخلق، هذا إن استطاع أن يتمالك أعصابه، ويكبح جماح نفسه فلم تمتد يداه إلى وجه الراشي صفعا .

أما الصورة الآن فهي مغايرة تماما لما كانت عليه للأسف، فالرشوة عمت وطمت، وتسللت إلى جيوب جمعٍ كبيرٍ من الناس، بعد أن تسلل حبها إلى قلوبهم واستمرأتها نفوسهم الجشعة، ولسان حال جلهم يقول: إن كنت في روما فافعل ما يفعله الرومان!.

كنا في يومٍ من الأيام نمتعض من أخبار تعاطي الرشوة عند بعض جيراننا في مصر والمغرب، فإذا بنا نلحق بهم لحاقا سريعا، بل لا أستبعد أن نكون تفوقنا عليهم تفوقا كبيرا في هذا الميدان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ولست بصدد الإسهاب في ذكر حرمة الرشوة وعظم خطرها، فهذا مما ينبغي أن يُعلم بالضرورة، لكني أذكر نفسي والقراء الكرام بحديث صحيح ورد في صحيح الجامع للألباني رحمه الله:

في حديث عبدالله بن عمرو بن العاص، رضى الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لعنة الله على المرتشي ، و الراشي .

ولعنة الله تعني الطرد والإبعاد من رحمته كما هو معروف، فالرشوة بلا شك إثمٌ مبين، وقلما ذكر رسول الرحمة صلى الله عليه وسلم اللعنة مقرونة بذنب من الذنوب، وهذا يبين خطورة الرشوة، وعظم إثمها، ونعلم كذلك كيف أنه أمر الناس بترك ناقة لعنتها امرأة من الأنصار، فما كان أحد يقربها بعد ذلك.

أما الحديث الآخر المرتبط بالرشوة وما يترتب على فعلها، فهو الذي ورد في صحيح مسلم من رواية أبي هريرة رضى الله عنه، قوله صلى الله عليه وسلم:

" أيها الناس ! إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا . وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين . فقال : { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم } . وقال : { يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } . ثم ذكر الرجل يطيل السفر . أشعث أغبر . يمد يديه إلى السماء . يا رب ! يا رب ! ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام . فأنى يستجاب لذلك ؟ ".

ولاشك أن الراشين والمرتشين والرائشين، الذين يرتبون لهذه الجريمة، يأكلون حراما، ويشربون حراما، ويلبسون حراما.

فهذا يبين الأثار الخطيرة لهذا الفعل المشين، والذنب المبين، ولا يخدعنك يا عبد الله ما يردده بعض الجهلة من قولهم: "الناس كلها اتدير هكي"!.

فسوف نقدم على ربنا سبحانه وتعالى بأعمالنا نحن فرادى، ولن يسوغ لنا وقوع الناس الذين من حولنا في إثم ما قيامنا به.

أما الذين استطاع الشيطان خداعهم، فسول لهم تعاطي هذا الإثم المبين تحت مسوغ الضرورة، فأذكرهم وأذكر نفسي بأن الضرورة تقدر بقدرها، وهذا مما ينبغي ألا يُتساهل فيه، بل يجب سؤال أهل العلم ممن يوثق في دينهم وعلمهم عما هو ضروري حقا، وليس توهما.

من صور الضرورة أن يقال لك مثلا: لن يجري لك الطبيب الفلاني العملية الجراحية التي تقرر ضرورة القيام بها إلا إذا دفعت له مبلغا ماليا علاوة على ما يتقاضاه من الدولة ، وليس هناك طبيبا سواه يتعامل مع حالتك المرضية ، ولم تفلح كل الجهود لإقناعه بالعدول عن الرشوة.

إن السواد الأعظم ممن يتعاطون هذا الإثم المبين المستوجب للعنة -والعياذ بالله أن نكون من الملعونين-، يفعلون هذا غير مضطرين، بل يفعلونه للاستزادة من الكماليات، ولنفخ جيوبهم من المال الحرام بعد أن تجذر حبه في قلوبهم الواهية الخاوية.

لابد لخطباء المساجد من القيام بحملة كبيرة ضد هذه الآفة، ولابد من الإنكار على القائمين بها، ولنتذكر أن الساكت عن الحق شيطان أخرس، ولابد للدولة التي أوجدت المناخ المناسب الذي عشعشت فيه هذه الآفة من سن قوانين صارمة تضرب بيد من حديد كل المتورطين فيها، إن أرادت أن تتخلص منها، فضلا عن توفير الوظائف وإعطاء الرواتب المناسبة للموظفين، حتى يساهم ذلك في تجفيف منابع الطمع.

إن من الأثار السلبية الخطيرة لهذه الجريمة أنها تدفع المنغمسين فيها وضع عقبات أمام المواطنين الذين يمتنعون عن إعطائها حتى يُرغموا على ذلك، فيرتكبون جريمة أخرى، وهى الظلم ، وتعطيل مصالح العباد ،والإفساد في الأرض.

بعض عقوبات الرشوة في الدول الأخرى

في سنة 2007، أعدمت حكومة الصين أحد أكبر مسؤوليها في قسم الأغذية، واسمه زينق، بعد أن تورط في قبول الرشوة. والصين لم تكن بدعا في إنزال عقوبة الأعدام بالمتورطين في تعاطي الرشوة في هذا العصر، ففيثنام أعدمت أحد أكبر مسؤوليها في محاربة التهريب سنة 2006، واسمه فونق لونق، بعد قبوله لها.

وفي أمريكا تصل العقوبات في بعض الولايات إلى عشرين سنة سجنا للمرتشين، كما هو الحال في ولاية تكساس،فضلا عن الغرامات المالية الكبيرة.

ولا تسأل عن العقوبات ضد الرشوة في العصور القديمة، فأثينا مثلا، كانت تجرد المرتشين من جنسيتهم الأغريقية إذا ثبت تورطهم في تعاطي الرشوة!.

آن لنا أن نقف وقفة جادة حازمة ضد هؤلاء الآكلين للحرام، المفسدين في الأرض، المتعاطين للرشوة، قبل أن يلطخ مستنقعها الآسن جوانب الحياة كلها في بلادنا .

سالم بن عمار
Suhyb11@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home