Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salem Ben-Ammar
الكاتب الليبي سالم بن عمار


سالم بن عـمّار

الثلاثاء 21 ديسمبر 2010

خواطر من الحج

سالم بن عـمار

منّ الله علىّ فكنت من بين الثلاثة ملايين أو يزيد ممن أدوا فريضة الحج هذه السنة، فأدعو الله أن يتقبل حجي وحجهم.

وكانت هذه المرة الأولى التي تطأ فيها قدماى تلك البقاع الطاهرة، فلله الحمد والفضل على كرمه ومنته.

ولعلّ كل من أدى تلك الفريضة أحس بشعور عميق غامر بالسعادة لا تستطيع الكلمات أياً كانت فصاحتها وبلاغتها التعبير عنه دون أن تغمطه حقه.

قرر مسؤولو حملتنا أن نتوجه للمدينة أولا، وقد أحسنوا صنعا بذلك، فجو المدينة يتسم بالهدوء،وهى أقل إزدحاماً من مكة، وأهلها أكثر طيبة من أهلها، وكأن هذا نفحة من نفحات بركة خير من وارى التراب أعظمه صلى الله عليه وسلم.

يا خير من دفنت في الترب أعظمه ... فطاب من طيبهـن القـاع والأكـم

حين أبصرنا أنوار المسجد النبوي وهى تتلألأ ونحن في الحافلة على وشك الوصول للفندق ،غمرنا إحساس بالسرور وكأن أرواحنا فارقت أجسادها لتحلق بعيدا في السماء، وأحسب أن هذا شعور كل من رأى المسجد وخاصة المرة الأولى.

رؤية القبر الذي يضم محمداً صلى الله عليه وسلم، الذي جعله الهادي سبحانه وتعالى وسيلة هدايتنا، وخروجنا وخروج أبائنا وأجدادنا من الظلمات إلى النور مما تعجز الكلمات عن وصفها.فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته.

ومما زادني شرفا وتيها ... وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك: يا عبادي... وأن صيرت أحمد نبياً

كان وجودي في المدينة المنورة كأنه فترة إعداد وتوطئة لما كان ينتظرني من مناسك الحج العظيم.

زرنا جبل أحد، ووطئت أقدامنا المرتفع الصغير الذي قيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الرماة بالمكث فيه قبيل المعركة، ثم شاهدنا جبل أحد ودارت في خيالي صور تلكم المعركة العظيمة بين الصحابة الكرام رضى الله عنهم والمشركين، وكان معنا مرشد ٌ من طلبة جامعة المدينة المنورة ،تكلم كلاما جميلا عن تفاصيل المعركة، ذكرنا فيه بعظمة صنيع الصحابة رضى الله عنهم في ذلك اليوم العصيب الشديد، وخاصة أبي طلحة رضى الله عنه.

هؤلاء الأفذاذ من الرجال يستهدفهم للأسف بين الحين والآخر بعض الناعقين الجهلة ممن تحصلوا على لقب دكتور أو باحث، أو المجهولين النكرات ممن يقتاتون من الطعن في الأموات، فيرمونهم بسهام الكذب والجهل،ويغمغمون بكلمات لا يفهم منها سوى إنتقاصهم، متناسين كلمات ربنا سبحانه وتعالى الخالدات في حقهم، رغم أنوفهم وأنوف كل الحاقدين :

بسم الله الرحمن الرحيم : " وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ".

حين أرتديت ملابس الإحرام في ذي الحليفة، شنفت أذناي تلكم الكلمات الخالدة التي سمعتها عبر الرائي-التلفاز- مرات عديدة، ثم إذا بي أرى بأم عيني الحناجر التي تنطلق منها كما انطلقت من عشرات الملايين عبر التاريخ،وهى تردد: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. فكانت هذه الهتافات ممّا هز الكيان، وأنعش الوجدان، وتتضاءلت إزاءه الدنيا برمتها.

اتسم يوم عرفة بحرارة شديدة، وأنا ممن ابتلى بجسم ضعيف جدا أمام الشمس، فلا أطيق حرارتها المباشرة، أو حتى التي من وراء حجاب، فكان يوماً شديداً علىً لم يخفف من شدته إلا استشعار عظمة ذلك اليوم وجلاله.

وصلنا إلى المزدلفة مبكرا نسبياً ووجدنا طريقاً معبدأ خالياً،قريباً من دورات المياه، فأسرعنا لبسط فُرشنا فوقه، بيد أن انفرادنا به لم يطل، فقد بدأ الحجاج يتدفقون على المكان زرافات ووحدانا، يحمل رائد كل فريق منهم راية وكأنها كتائب جيش يستعد لخوض معركة رهيبة ضد جيش آخر لم يأت إلى ساحة المعركة بعد.

وفجأة وجدنا أنفسنا محاطين بإخواننا وأخواتنا الحجاج إحاطة السوار بالمعصم.

ويبدو أن الحرّ الشديد الذي أحسست به في عرفات قد أثّر على، فبدأت أحس بأعراض الحصوة في الكلى، وهى تأتي لي بين الحين والآخر، لكنها ولله الحمد تأتي صغيرة، لم أحتج معها حتى الآن لعملية جراحية، أو أشعة الليزر، فتأتي وتخرج لوحدها.لكن الذين جربوا الحصى في الكلى يعرفون مقدار ما تسببه من آلام، فكانت ليلة عصيبة، وزاد الطين بلة أن الحجاج الذين قدموا أرسلوا نساءهم إلى هذا الطريق المعبد، وافترشوا هم الغبراء، فأحطن بنا من جميع الجوانب, وبدأت أتململ تململ السقيم، ثم طلبت من أخ معي بعض الأدوية المسكنة للآلام، وأخذت في شرب الماء بكثرة، والدعاء لله بإزالة هذه الكربة.

ومع اضطراري للجلوس كثيرا، كنت أدافع ذلك خوفا من سقوط ملابس الإحرام من على صدري وأنا قريبا جدا من هاتيك النساء، ودار بخلدي أن أكلم الأخ مسؤول الحملة للذهاب إلى المستشفى، لكن الله المنان شملني برحمته ولطفه، فاستغرقت فجأة في نوم عميق استيقظت معه نشيطاً ، بعد أن ذهبت الآلام، فالحمد لله.

.كان الذهاب إلى الجمرات يوماً عظيماً، فالمرء يرى أمامه وخلفه، وعن يمينه وشماله الآلاف من كل فج. ترى الشاب الذي يتوقد حماساً ونشاطاً، وترى الكهل الذي يمشي الهوينى بعد أن أناخ عليه الدهر بكلكله، وترى أصحاب العاهات وهم يسيرون مثل غيرهم لا يلوون على شىء. وقد شدني منظر شيخ عجوز كنت أحسبه سيقع مع كل خطوة يخطوها بسبب عرجه الشديد، بل لعله قد وقع، فقد كانت ملابس إحرامه ملطخة بشىء من الطين والتراب، وكان يمسك بملابس شيخ ٍ آخر، ثم علمت من خلال حديثي معهما أنه ابنه، وهو في الثالثة والستين من عمره، أما الشيخ فعمره أربعة وثمانون عاماً، وهما من الشقيقة تونس!.

وحالة هذا الشيخ وما شابهها مم يجعل المرء ينسى آلامه وضنكه، ويحفزه للسير بقوة غير أبه بمشاق الطريق. وقد تذكرت جدي وجدتي رحمهما الله، فزاد إجلالي و إكباري لهما، وقلت في نفسي ليت شعري كيف استطاع ذلك الشيخ أن يحج خمس مرات مع عرجه الشديد، وعنايته بجدتي التي كان يحنو عليها حنان الأم على رضيعها، وكانت الجمرات في أيامه طريقاً مزدوجاً مات فيه المئات بسبب الازدحام، والمناسك أكثر صعوبة بكثير عما هي عليه الآن!؟

رحمهما الله وموتى المسلمين رحمة واسعة، وجمعني بهما في مستقر رحمته.

يتذكر المرء وهو يرى تلك الآلاف القادمة من كل حدب وصوب، يوم المحشر، بعد انسلال الناس من أجداثهم، كل واحد منهم يفكر في النجاة، وهو يسأل نفسه: أتكون الجنة مأواه، أم النار أعاذنا الله وجميع المسلمين الموحدين منها؟

أما رؤية الكعبة والطواف حولها ثم وداعها ، وإلقاء النظرة الأخيرة عليها فهذا مالا سبيل للقلم لصياغته كلامات في هذا المقام.

رحلة الحج رحلة عظيمة رائعة، ندعو الله أن يمكن المتلهفين عليها، الراغبين فيها، من أدائها، وأن يتقبلها منا ومنهم خالصة لوجهه الكريم.

سالم بن عمار
Suhyb11@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home