Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salem Ben-Ammar
الكاتب الليبي سالم بن عمار


سالم بن عـمّار

الخميس 21 يناير 2010

وقفات مع المتصيّدين للعيوب

سالم بن عـمار

سمعت قديماً محاضرة للشيخ الفاضل عدنان العرعور، حفظه الله، ذكر فيها أن شخصاً متحاملاً على خطيبٍ من خطباء الجمعة، ما فتئ ينقب عن عيوبه ، ويتصيد هفواته، ويحصي عليه أنفاسه وكلماته!. ومن كان هذا شأنه فلابد أن يحمل كلام الخطيب على أسوأ المحامل، ويحمله مالايحتمل، وأن يسيء فهمه،وربما أساء حتى سماعه، وهذا ما حصل تماما مع متصيد العيوب هذا.

أتى صاحبنا المتحامل إلى المسجد، مملوءاً همة ونشاط، وكله آذانٌ صاغية لخطبة الخطيب يوم الجمعة، لا ليتعلم ما ينفعه في حياته وبعد مماته، ويذكره بربه سبحانه وتعالى،ولكن ليتصيد العيوب، ويبحث عن الهفوات كعادته. وفي أثناء الخطبة، ذكر الخطيب حديثا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: رواه الشيخان، وبعد الصلاة انفجر المتحامل صائحا: ألم تسمعوا ما قاله الخطيب الجاهل، لقد تهكم على السنة النبوية، وقال رواه الشيطان!. لكن المصلين صوبوا نظراتهم الغاضبة نحوه، وأفهموه أن سوء نيته وتحامله هو ما دفعاه ليسئ الظن بالخطيب، ويعتقد سماع ما سمع، وأنهم سمعوها (رواه الشيخان).

إن مثل هذا الصنف لا يكاد يخلو منه مجتمع إسلامي، وهو صنف فيه شيءٌ من صفات الخنزير، فكما أن هذا الحيوان ارتبط بالقذارة المادية والمعنوية في أذهان الناس حتى صاروا يشمئزون من مجرد ذكر اسمه، فضلا عن رؤيته، أصبح همّ هؤلاء البحث عن عيوب الناس، والوقوف بالمرصاد لأخطائهم، بل والمسارعة لنشرها بين الآخرين وكأنهم ينثرون الذهب بين أيديهم، أو يلقون الحلوى في أفواههم، معرضين عن ذكر حسنات وطيبات من اتخذوهم غرضا، لإشباع هوسهم بتجريح غيرهم، والطعن في أعراضهم.

ذكر لي أخٌ كريمٌ بمرارة أن أحدهم ما انفك يتعقبه، ويتصيد عيوبه، مع أنه يجتهد أحيانا في تناول بعض المسائل(التي ليس فيها دليل واضح من القرآن والسنة وإجماع الأمة)، وربما أخطأ، لكن المتصيد في سياق رغبته الجامحة المحمومة في إظهار العيوب،وظلم الآخرين، وكشف المساوئ، لا يولي أى اهتمام لهذه المسائل الشرعية المعتبرة، فويلٌ للشجي من الخلي!.

والدافع الأكبر وراء هذه الصفة الخبيثة-من تصيد لعيوب الآخرين-هو التحامل الشخصي، والذي ربما رافقه جهلٌ مركب تخيل فيه صاحبه أن عقله قد بلغ الذروة في الفهم والرجاحة، وحاز الكمال الإنساني الذي لا مزيد عليه، فما رآه خطأ وعيبا لابد أن يكون كذلك، وما رآه صائبا فهو الصواب الذي لاشك فيه.

وقديما قالوا عن التحامل:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا

وليت شعري كيف يجد المتحاملون الوقت لتعقب الآخرين، وتصيد عيوبهم، مع علمهم أنهم ليسوا من جنس ملائكي لا يخطيء، وأنهم وإياهم ممن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم"كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون".

ما نصيب أنفسهم ومن أنيطوا برعايتهم من أزواج وذرية من حملاتهم المسعورة في تصيد العيوب، والتنقيب عن الأخطاء؟. لابأس من ذكر العيوب علناً إذا دعت الحاجة إلى ذلك مع مراعاة أن تكون المناصحة للخطيب، او الكاتب للمقال بأسلوب حسن يتسم بالأدب والخلق، ذلك أن الأصل أن تكون النصيحة سراً، إن أمكن ذلك، فإن لم يكن ذلك ممكنا كان إسداء النصح علنا وفق المعيار الذي ذكره أهل العلم والمنصوح يُدرك من خلال عيني الناصح وتعابير وجهه، ونبرة حديثه، وكلمات مقاله أو تعليقه، إن كان حريصا على مصلحته، أو همه تصيد العيوب والتشنيع عليه،والتمتع بالنقد الهدام، كما يفعل البعض هدانا الله وإياهم.

والنفس تعرف في عيني محدثها ... إن كان من حزبها أو من أعاديها

فليعلم المتصيدون للعيوب أنهم يسيئون لأنفسهم أكثر من اساءتهم لغيرهم، فمن المخجل أن يكون المرء مرتبطا في عقول الناس بالبحث عن العيوب وتصيد الهفوات،والانتقاد المتواصل، حتى يصبح مبغوضا ينفرالناس منه، ويتجنبونه لأنهم يخشون أن يلوك بلسانه الخبيث سيرهم ويطعن أعراضهم.

وإني لأعرف شخصاً يحمل أعلى الشهادات في تخصص علمي نادر، ويعمل محاضرا في جامعة مرموقة من جامعات أمريكا، لكن لا يكاد يكون له صديق واحد بسبب تصيده لعيوب الآخرين، وقد دفعه الغرور لتنصيب نفسه مقوما لاعوجاجهم، مترصداً لأخطائهم، وفي الغالب يتبين له بعد سجال طويل معهم أنه هو المخطيء.

وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم

فليحذر الذين يتصيدون عيوب المؤمنين أن يكونوا ممن عناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لغيره: " من تتبع عورات الناس تتبع الله عورته". فهل يستطيع أحدٌ حماية نفسه إذا أراد الله سبحانه وتعالى تتبع عورته؟ ليحذر الذين ينقبون عن عيوب غيرهم من فضح الله لهم على رؤوس الأشهاد كما فعل بأمثالهم عبر العصور، ولينقبوا عن عيوبهم وما أكثرها، وليعملوا على إصلاحها قبل ملاقاة ربهم.

أدعو الله ان يهدي المتصيدين لعيوب الناس إلى الحق،والاهتمام بأنفسهم، وإزالة جهلهم المتجذر فيها بنور العلم، ومحاسبة انفسهم قبل أن يحاسبهم الديان، وأدعوه ان يزيل الحسد والغل من قلوبهم أنه ولي ذلك والقادر عليه.


سالم بن عمار
Suhyb11@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home