Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salem Ben-Ammar

Saturday, 16 February, 2008

مشغـول جـداً!

سالم بن عـمار

ربما أصبحت هذه الكلمة فى الآونة الأخيرة من أكثر الكلمات تداولا بين الناس، وأيسرها إستعمالا. هى كلمة أحسب ان الشيطان يعشقها أيما عشق، فما عليك إذا لم تعمل واجبا ما، إلا أن تقول مشغول ...، ثم تبدأ فى سرد قائمة المهام التى أُبتليت بالقيام بها.

وأصبحنا من حيث ندرى أولا ندرى نقبل بهذا العذر ونلجأ إلي إستعماله كذلك وكأنه حصنٌ فولاذى لا سبيل لأختراقه.

لم تأت إلى المحاضرة لأنك مشغول....لم تذهب لزيارة الصديق الفلانى بعد أن علمت بمرضه الذى أقعده الفراش، لأنك مشغول....أنقطعت إتصالاتك عن بعض إخوانك لأنك مشغول، والبعض عندما يقول (مشغول)تخرج مصحوبة بتأوه عميق، وكأنه يريد أن يوحى للسامع أنه مديرٌ لمختبرٍ نووى إذا أعطى أى نصيبٍ من وقته لشىء آخر حصلت كارثة بيئية خطيرة أهلكت الأخضر واليابس!.

والذى يجعلنا نجزم أن هذه الكلمة يعشقها الشيطان أيما عشق، أنك ترى هؤلاء الذين يعتذرون عن بعض الواجبات كصلة الرحم مثلا، يجدون الوقت-بطريقة سحرية- للذهاب لوليمة عُرف صاحبها بكرمه الحاتمى وبمهارة زوجته فى شئون المطبخ !.

وربما قضوا سهرة طويلة مع الشاى، يتجاذبون أطراف الحديث فى الغيبة وسفاسف الأمور!.

هل يجرؤ هؤلاء على التلفظ بكلمة (مشغول) إذا وصلتهم الدعوة لحضور المأدبة الشهية؟

هل يجرؤ هؤلاء على التلفظ بكلمة (مشغول)إذا كان الأمر متعلق بمشاهدة برنامجهم المفضل فى التلفاز، أو مباراة من المباريات الرياضية؟

أخبرنى صديقٌ عاد من أرض الوطن مؤخرا بوفاة صديقٍٍ لنا بعد مرضٍ عضال، ندعو الله أن يتقبله فى رحمته، وأنه فؤجىء بغياب الكثيرين من أصحابه عن حضور الجنازة لتزامنها مع مباراة كروية حاسمة بين فريقين عريقين من الفرق الوطنية، وقد عاش هؤلاء الأصحاب مذ نعومة أضفارهم فى جو الكرة وحضور المباريات، لكن أليس من العار أن يُشغل الواحد منا عن حضور جنازة أخيه بسبب مباراة كرة أو غيرها من الرياضات؟

تضافرت الأخبار التى تأتى من بلادنا أن الناس قلما يزور بعضهم بعضا، بل أخبرنى أكثر من واحد ٍأنهم يذهبون إلى بلادهم لزيارة أهلهم ولا يأتى لزيارتهم إلا واحدٌ أو اثنان من أصدقائهم الذين كانوا يُعدون بالعشرات ،مع معرفتهم بقدومهم من أرض الغربة!.

واظنك تعرف الكلمة التى يبرر بها هؤلاء عدم زيارتهم لمن لم يرونهم منذ سنوات،أنها هى هى، مشغول جدا!.

وهذه ظاهرةٌ خطيرةٌ أتمنى من كتابنا الأفذاذ أن يتصدوا لها، تحليلا وعلاجا.

ولمن يحب إستعمال هذه الكلمة فى موضعها الصحيح أو توهما بعد أن أوقعهم الشيطان فى فخها أورد التالى مما أتى فى مسند الامام أحمد رحمه الله:

حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وَسَلَّمَ إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ‏.

فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى كان يقابل العشرات ويقضى حوائجهم، ولم يعرف عنه إستعماله لكلمة(مشغول) بل كان يعيش الآمهم حتى قالت عنه أمنا الصديقة عائشة رضى الله عنها، فى الحديث الصحيح"حطمه الناس،فكانت معظم صلاته جالسا" أى صلاة النوافل، يبعث الأمل فى حياة الناس فيأمرنا بغرس الفسيلة والقيامة تقوم !.

فسبحان الله! يحدث هذا الحدث المرعب المخيف الذى لم تر البشريه مثله من قبل والذى قمينٌ به أن يُشغل أصحاب الهمم العالية والقلوب القوية الجريئة ومع ذلك يأمرنا بغرس تلك الفسيلة التى لا تثمر إلا بعد سنوات كثيرة، ولن يجنى غارسها شيئا منها!.

فماذا نقول لأشخاصٍ يلغون كثيرا من أعمالهم لصداع أصابهم، أو أمر صغير شُغلوا به؟

وقد ربى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أصحابه الكرام رضى الله عنهم على هذا المنهج، فهذا صديق الأمة أبو بكر الصديق رضى الله عنه يروى عنه أبو هريرة رضى الله عنه فى الحديث الصحيح التالى:

قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ‏"‏ مَنْ اَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا ‏"‏ ‏.‏ قَالَ اَبُو بَكْرٍ اَنَا ‏.‏ قَالَ ‏"‏ فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً ‏"‏ ‏.‏ قَالَ اَبُو بَكْرٍ اَنَا ‏.‏ قَالَ ‏"‏ فَمَنْ اَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا ‏"‏ ‏.‏ قَالَ اَبُو بَكْرٍ اَنَا ‏.‏ قَالَ ‏"‏ فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا ‏"‏ ‏.‏ قَالَ اَبُو بَكْرٍ اَنَا ‏.‏ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ‏"‏ مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ اِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ ‏"‏ ‏.‏

فأنظروا إلى الصديق رضى الله عنه يرينا كيف أنه وجد الوقت ليطعم مسكينا، ويتبع جنازة، ويعود مريضا فى يوم واحد،وهو مع هذا كله صائمٌ، ولم يقل أنه مشغول، وكثيرٌ منا إذا صام أعلن ما يشبه حالة الطوارئ وأمتنع عن فعل خير كثير.

وربما قال قائلٌ : هذا أعظم الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم، فلا ينبغى أن يقاس عليه.

ولهؤلاء أقول: أنظروا إلى هذا المثال الرائع لمن برز فى ميادين عديدة، ولم يشغله نجاح فى ميدان عن إحراز قصب السبق فى ميادين أخرى، ولم يتشرف بصحبة الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن شرفه الله سبحانه وتعالى فجعله من نسله، وهو من المعاصرين الأحياء. إنه الدكتور محمد بن موسى الشريف، فأنظروا إلى بعض إنجازته:

1- طيار(قبطان) مع الخطوط السعودية حاليا
2- مشرف موقع التاريخ
3- دكتوراه فى الكتاب والسنة من كلية أصول الدين فى جامعة أم القرى
4- لديه إجازة في رواية حفص من طريق الشاطبية والطيبة ، ويدرس القراءات العشر

له مؤلفات عديدة منها:
1- نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء (1/4)
2- التنازع والتوازن في حياة المسلم
3- مختار المصون من أعلام القرون (1/3)

وهو عضو فى منظمات علمية إسلامية عديدة، وله برنامج فى التلفاز، ومحاضر فى مساجد عديدة، وهو مع هذا أب لأحدى عشر ابنا، والذى يشك فى كلامى يستطيع أن يزور موقعه فى الانترنت(التاريخ)، أو ضع اسمه بالكامل فى( Google) لترى بنفسك ما أذكره لك.

إذا ما على المرء رام العلى       ويقنع بالدون من كان دونا

ولست ممن يحرقون البخور لأحدٍ أيا كان، لكن من باب العدل والحق أقول: أنظروا لصاحب هذا الموقع، الدكتور ابراهيم إغنيوة، فهو فيما أعلم يشغل وظيفة رسمية، يعيش من خلالها، تتطلب على الأقل اربعين ساعة فى الأسبوع، ويدير هذا الموقع الهام الكبير الذى يحتاج ربما لفريق من الأكفاء، ومع ذلك لا تنشر رسالة أو مقال من ضمن المئات التى تصله إلا بعد أن يقرأه ، ويصحح أحيانا الإملاء، يفعل هذا كله فيما أعلم بمفرده، وبعضنا يتجاهل رسالة واحدة تصله يطلب فيها صاحبها عونا مشروعا، أو دعما معنويا، ربما بسبب الإنشغال المزعوم.

فجزى الله خيرا الدكتور إغنيوة على كل خير ينشره، وهدانا الله وإياه لما فيه رضاه.

فإلى الذين يكثرون من إستعمال هذه الكلمة (مشغول) أقول : تأملوا حالكم قبل النطق بها، وهل أنتم فعلا مشغولون إلى الدرجة التى تمنعكم من فعل ما أعتذرتم عن فعله، واذكروا كم من خير عظيم فاتكم وأنتم تتوهمون إنشغالكم.

اذكروا كذلك كم من حبة صغيرة أعترضت طريقكم فجعلها الشيطان فى أعينكم وكأنها قبة سدت الأفق، وخيل لكم أنكم لن تستطيعوا فعل شىٍء آخرا، فضيعتم مصالح كثيرة بسبب هذا الوهم.

ندعو الله ألا يشغلنا بالصغائر عن فعل ما يحبه ويرضاه فوق كل أرض وتحت كل سماء.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

سالم بن عـمار
suhyb11@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home