Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salem Ben-Ammar
الكاتب الليبي سالم بن عمار


سالم بن عـمّار

السبت 16 يناير 2010

هل ستظلم أحداً بعد اليوم؟

سالم بن عـمار

الصراع بين الخير والشر بدأ مع أبناء آدم عليه السلام حين قتل قابيل هابيل، وزرع بذرة الظلم في الأرض، واليوم نعيش في عالمٍ يشرئب فيه الظلم برأسه القبيح ، ويفتك بالملايين في كل مكان، فتكاً مادياً ومعنويا مريعا، فلابد للذين يحاربونه من التآزر والتعاون من أجل استئصال شأفته، فإن لم يكن ذلك ممكنا، فمن أجل تحجيمه والتخفيف من ضرره.

ولعل إيراد هذه القصة المثيرة التي قرأتها وأنا في سن الرابعة عشر لكاتب جليل ذي صدق ومكانة مرموقة محترمة في زمانه، وهو اللواء الركن محمود شيت خطاب، رحمه الله، في كتابه (عدالة السماء) يبين شيئا من غضب رب العباد سبحانه وتعالى على الظالمين، وعجيب قدرته فى الانتقام منهم.

ذكر هذا الكاتب العدل الصدوق قصة حقيقية وقعت في بغداد منذ ثمانين سنة تقريبا، كان لها وقعا كبيرا في نفوس الناس لسنوات كثيرة، بل ربما لعقود عديدة. ولا أحسب أحدا يتوقع مني بعد أن طال العهد بيني وبين تلك القراءة أن أذكرها حرفيا كما سطرها الكاتب الأديب رحمه الله، أو حتى قريبا من ذلك، بيد أن تفاصيلها مازالت محفورة في مخيلتي، وسأحاول جاهدا نقلها كما قرأتها. قال أن امرأة وبنتها استأجرتا قارباً من القوارب لعبور نهرالفرات، وقد كان فريقٌ من الناس وقتذاك يتخذ من نقل الناس من ضفة إلى أخرى وسيلة رزق، كما أحسبهم يفعلون الشيء نفسه اليوم.

ويبدو أن الفتاة كانت على قدرٍ من الحسن جعلت عيني صاحب القارب الظالم لا تتحول عنها، وكأنها هي الأخرى قد استملحته ، فبادلته نظرات إعجاب، ودار بينهما حديث صامت كانت الأم لا تعرف عنه شيئا.

وقديما قيل: نظرة فابتسامة فموعدٌ فلقاء. وتكررت الرحلات، وزادت الابتسامات، وطالت النظرات، وكل هذا كان يجرى دون معرفة الأم. وفي يوم من الأيام أتته الفتاة لتخبره أن أيدي الخاطبين بدأت تطرق باب بيتهم، وأنها تريده زوجا دون سواه. لكن ذلك الإنسان كان يضمر ما لا يظهر، وكان يريد منها ما يريده كل ماجن من بائعات الهوى، فوعدها وعدا كاذبا بأنه سيأتي خاطبا، ومرت أسابيع ولم يأت، فأتته لتخبره أنها ستقبل غيره إن لم يأت قريبا، فوعد مرة أخرى، لكنها كانت مواعيد عرقوب التي قال كعب بن زهيرعنها:

صارت مواعيد عرقوب لها مثلا ... وما مواعيدها إلا الأباطيل
فليس تنجز ميعادا إذا وعدت ... إلا كما يمسك الماء الغرابيل

وفجأة انقطعت رحلاتها، ولم يعد يراها، وبعد سنة أو أزيد بقليل، وفي ليلة أضاء قمرها، وصفا أديم سمائها، أتته فتاة تحمل رضيعا لنقلها للضفة الأخرى، وفي منتصف الطريق وبعد أن تأمل هذه الراكبة مع طفلها مليا ، إذا به يعلن لها أنه يعرفها، وأنها تلك الفتاة التي بادلته إعجابا بإعجاب، وطلبت منه التقدم لخطبتها ، فكان ردها حازما قصيرا: أنا امرأة متزوجة فأرجو ألا تتكلم معي. لكن الشيطان استحوذ عليه، وملك عليه زمام أمره، فزين له مروادتها عن نفسها،ففعل، لكنها أبت بشدة، فخطف منها رضيعها، وهددها بإلقائه في الماء إن رفضت ما يريد، فهاجمته مهاجمة الأم التي ترى الخطر يحدق برضيعها، وفلذة كبدها، فما كان من ذلك الجبان إلا أن ألقى الطفل في الماء، وطعنها بسكين معه حتى لفظت أنفاسها، ثم دفعها هى الأخرى في النهر، ولم يشاهد ارتكابه لهذه الجريمة البشعة سوى جبار السموات والأرض. واستيقظ الناس على رؤية جثتين دفعهما النهر قريبا من الشاطئ، وهرع محققو الشرطة إلى مكان الجريمة محاولين كشف المجرم، وسألوا أهلها عما كانوا يعرفون بوجود عدو لها، فأنكروا معرفتهم بوجود أعداء لها، وما كانوا يدرون كما أسلفت بوجود تلك العلاقة.

ولم يستطع المجرم الاستمرار في عمله ذاك، وربما تراءى له شبح الفتاة المغدور بها مع طفلها على صفحة الماء وهما ينظران إلى السماء، يدعوان عليه كلما انساب قاربه قرب مسرح الجريمة، فباعه وانتقل إلى مدينة أخرى. والشعور الهائل بالألم بعد ارتكاب الجريمة هو أول ما يُعاقب به الظالم، فأحذر أيها القارىء أن تتجرع غصص الظلم بعد فوات الآوان. وقد ذكر كثيرٌ من المجرمين القابعين في سجون أمريكا أن الرغبة في الانتحار كانت تراود عقولهم بعد ارتكابهم لجرائم بشعة، ظلموا فيها ضحاياهم ظلما عظيما.

وفي المدينة الأخرى شارك جزارا عمله، فكان يذبح ويسلخ ويقطع اللحم بعد الفجر، أما شريكه فكان يبيع اللحم نهار اليوم. ومرت عشر سنوات على تلك الجريمة النكراء، وظن من ظن أن المجرم الظالم فلت من العدالة، وفي يوم من الأيام وبعد أن أكمل المجرم عمله اليومي، عاد إلى بيته وهو يحمل سكينه على ثيابه الملطخة ببعض بقع الدم، ولم يكن الأمر مستنكرا فقد كان الناس يعرفون مهنته، وفجأة تناهى إلى سمعه صوت استغاثة، فهرع إلى ناحية الصوت، فإذا برجلٍ مُلقى على الأرض والدماء تنزف من جانبه، وعلم المجرم أن شخصا ما اعتدى عليه، فاستنطقه ليعرفه، لكن يد المنون كانت أسرع من كلماته، فمات قبل أن يتفوه بكلمة.

وأدرك فجأة أنه في وضع حرج، فأسرع بالفرار، لكن انتقام الله كان له بالمرصاد، فقد رآه اثنان من رجال الشرطة وهو يجري، فأسرعا في مطاردته، وقبضا عليه.

واتهمته النيابة بقتل ذلك الإنسان، وأدرك أن فصاحة أهل الأرض جميعا لن تنقذه من ذلك الموقف العصيب في زمن لم تكن فيه الفحوصات المخبرية معروفة، فضلا عن أن تكون ذات قيمة. ويوم نطق القاضي بالحكم عليه شنقا حتى الموت، صرخ بأعلى صوته: إنني لست القاتل، لكنني أستحق عقوية الشنق، وهذا ليس حكمكم، إنما هو حكم الجبار آن أوانه، وحان وقته، ثم ذكر لهم قصة ارتكابه لتلك الجريمة البشعة!.

أيها القراء الكرام إن هناك العشرات من مثل هذه القصة، بيد أن الناس علموا بنهاياتها ولم يعلموا بداياتها، أو العكس، وما ربطوا حلقات فصولها كلها .ومن عجيب ما سمعت بعد أن ذكرت هذه القصة لمجموعة من السجناء في سجن من سجون كاليفورنيا، ما ذكره لي أحدهم. قال: "دخلت السجن مظلوما بعد أن أدعى من كنت أظنه صديقي أن المخدرات التي وجدت بسيارتي- وكان ينقلها دون علمي-، هي لي، وكنت أنتظر اليوم الذي أخرج فيه لأنتقم منه، لكن انتقام الله كان أسرع، فقد قرأت في إحدى الجرائد أنه تبادل إطلاق النار مع بعض رجال الشرطة، وأصيب، ثم أخبرني بعض أقربائي أن الرصاصة سببت له شلل نصفي، وأنه أصبح حبيس كرسي متحرك، فضلا عن دخوله السجن كما دخلته أنا"!.

وإن كنت أنسي فلن أنسى ما جرى لقريبٍ لي كان لا يتورع عن الظلم، شجعه على ذلك منصبٌ أمنيٌ كبير. ومن أسوأ حوادث ظلمه أنه استعمل بعض العمال من دولة مجاورة، لبناء بيته، أو قل إن شئت قصره،فلما فعلوا ذلك، هددهم بطردهم من البلاد إن طالبوا بحقوقهم!. وكأني أتخيلهم بعد ذلك وقد أرسلوا سهام الليل إلى الجبار ودموعهم تملأ مآقيهم، وأصواتهم تختنق في حناجرهم، وكأني بتلك الدعوات قد فتحت لها الأبواب، فكيف انتهى هذا الظالم؟.

لقد أحاطت به الأمراض إحاطة السوار بالمعصم، وبدأ وهو الذي كان مهيبا جبارا، كأنه طفلٌ صغير مصاب بعلة تثير الشفقة في النفوس، وأتته النهاية التي قدرها الرب العظيم عبر حادث مروري بشع.

أيها القاريء الكريم احذر الظلم كله، كبيره وصغيره، جليله ودقيقه، وإن سولت لك نفسك ظلم إنسان لضعفه أمامك فتذكر أن ضعفك أمام مولاك أشد، وإن ظننت أنك سريع البطش بغيرك، فاعلم أن الجبار سبحانه وتعالى أسرع منك بطشا.

إلى الذين يعذبون غيرهم بدعوى المحافظة على سلامة الأوطان، ويجدون في جلد ظهور الضحايا، وصراخهم متعة ، وتعليقهم كما تعلق الشاة لسلخها نشوة، تذكروا أن الرب العظيم يراكم، وأن ملائكته تسجل كل شيء، حتى تلك النظرات الحادة المستعلية التي يراد منها إرهاب الضحية.

تذكروا أن الرب العظيم سبحانه وتعالى لا يرضى أن يُعذب حيوان أعجم، فكيف بإنسان مكرم، يرُعب ويُذل ويعذب لأنه تفوه ببعض الكلمات، أو كتب بعض السطور؟.

إلى الذين غرتهم مناصبهم فأصبحوا ينظرون إلى غيرهم من بروج عاجية، وبدأوا من حيث يدرون أو لايدرون بممارسة الظلم والعدوان على الناس، ماديا كان أو معنويا ،تذكروا قوة الجبار سبحانه وتعالى، وتذكروا أن محقه وانتقامه شديد، فهل لديكم القدرة على منعه؟.

إلى الذين يجبرون الآخرين على دفع الرشوة، لإنهاء عمل ما، يقع في دائرة اختصاصهم، تذكروا أنكم تضعون في جيوبكم جمرات من نار، وأنكم من الظالمين، فهل تستطيعوا مجابهة سخط الجبار سبحانه وتعالى؟.

إلى الذين أكلوا أموال الناس بالباطل ، ونهبوا ثرواتهم إرهاباً، أو غشأ أو الاثنين معا، تذكروا أن الله خير الماكرين، وأنه يمهل ولا يهمل، وما حصل في هايتي ليس منكم ببعيد، ولست هاهنا أشير إلى استحقاق أهل هايتي للعذاب، كلا، لكنني أذكر بجبروت الله وسرعة بطشه.

وليت شعري كيف يهنأ الظالمون بعيش، ويخلدون إلى النوم مطمئنين، إلا إن مات مع ظلمهم الإيمان بوجود الجبار سبحانه وتعالى الذي قال في الحديث القدسي: ياعبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته محرماً بينكم فلا تظالموا.

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا ... فالظلم ترجع عقباه إلى الندم
تنام عينك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم

فهل بعد هذا ستظلم أحدا؟

أدعو الله أن ينشر العدل والسلام في بلادنا، وأن يجعل الظلم أياً كان قدره مبغوضاً، كريها لأبناء شعبنا كله.

سالم بن عمار
Suhyb11@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home