Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salem Ben-Ammar
الكاتب الليبي سالم بن عمار


سالم بن عـمّار

الخميس 12 نوفمبر 2009

هل غادرت الرحمة مستشفياتنا إلى غير رجعة؟

سالم بن عـمار

بسم الله الرحمن الرحيم " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"

"أبتي الحبيب،
تسألني إن كنت بحاجة إلى نقود! فأخبرك بأني عندما أخرج من المستشفى سأحصل على لباس جديد وخمس قطعٍ ذهبية حتى لا أضطر إلى العمل حال خروجي مباشرة! فلست بحاجة إذن إلى أن تبيع بعض ماشيتك! ولكن عليك بالإسراع في المجيء إذا أردت أن تلقاني هنا… واليوم صباحاً جاء كالعادة رئيس الأطباء مع رهط كبير مع معاونيه، ولما فحصني أملى على طبيب القسم شيئاً لم أفهمه. وبعد ذهابه أوضح لي الطبيب أنه بإمكاني النهوض صباحاً وبوسعي الخروج قريبا من المستشفى صحيح الجسم، معافي، وإني والله لكارهٌ هذا الأمر! فكل شيء هنا جميل للغاية ونظيف جداً. الأسرة كالحرير! وفي كل غرفة من غرف المستشفى تجد الماء جارياً فيها على أشهى ما يكون. وفي الليالي القارسة تُدفأ كل الغرف. وأما الطعام فحدث عنه ولا حرج!! فهناك الدجاج أو لحم الماشية يُقدم يوميا لكل من بوسعه أن يهضمه، إن لي جاراً أدعى المرض الشديد أسبوعاً كاملاً أكثر مما كان عليه حقيقة رغبة منه في التمتع بشرائح لحم الدجاج اللذيذ بضعة أيام أخرى…".

هذه صورة مشرقة مما كانت عليه مستشفيات المسلمين في قرطبة وبغداد في أواسط القرن العاشر، وهذه رسالة حقيقية ليست من نسيج الخيال، ذكرتها الدكتورة الألمانية زيغريد هونكة، في كتابها الرائع( شمس العرب تسطع على الغرب)-ربما الترجمة لم تكن دقيقة لعنوان كتابها باللغة الألمانية، لكنه طبع واشتهر بهذا الاسم-وقد ذكرت فيه كثيراً من أفضال المسلمين العلمية على الدنيا بأسرها في كل جوانب الحياة.
فأين مستشفياتنا من هذه المستشفيات التي أقيمت منذ ألف سنة تقريبا، فكانت حديث الأوربيين، ومحل إعجابهم؟ هل يتمنى مريضٌ من مرضى مستشفيات بلادنا ألا يخرج منها بسبب ما يلقاه من عناية، أم أن هناك حالات مؤكدة لهروب بعض المرضى بسبب سوء المعاملة؟
ما الذي جعل الأطباء المسلمين في تلك القرون ينالون القدح المُعلى، و يتبأون مكانة سامقة لا مثيل لها في الدنيا، في ميدان الخدمات والعناية الطبية؟

لا شك أن تقوى الله سبحانه وتعالى، وخُلق الرحمة الذي رسخه الإسلام في نفوسهم، هو ما جعلهم ينالون قصب السبق في هذا الميدان.
إن المرء ليتألم كثيراً وهو يقرأ عما يحدث في مستشفياتنا من تسيب، وقسوة في معاملة المرضى، والذي دفعني لكتابة هذا المقال، هو مقال الأخت الفاضلة فاطمة التائب
http://www.almanaralink.com/new/index.php?scid=4&nid=18140
.

إنّ هناك العشرات من الحالات التي لم يستطع أصحابها الكتابة عنها بمداد أقلامهم- وربما لو استطاعوا لكتبوها بدمائهم-، لكن ملائكة الرحمن سبحانه وتعالى، سجلتها في صحف لن يُغفل فيها عن صغيرة ولا كبيرة، وسوف يُسئل الأطباء والممرضون والمدراء في بلادنا عن أي تقصير وإهمال قاموا به تجاه المرضى الذين ساقهم قدر الله سبحانه وتعالى إلى مستشفياتهم.
إنّ إبداء الرحمة وإظهار الإنسانية في كل ميدان وفي كل جانب، مع من تعرف ومن لا تعرف سمة من سمات المسلمين قلبا وقالبا، وليس الذين يتمسحون على أستار الإسلام فحسب.
لعلني أذكر بتلك الكلمات العظيمة التي نطق بها عظيمٌ من عظماء أمتنا،وهو عمر بن الخطاب رضى الله عنه، حين قال:" لو أن بغلة عثرت في العراق لخشيت أن يسألني الله: لمِِ لم تعبد لها الطريق يا عمر؟ فكيف بمن يسمع آهات المرضى من بني آدم المكرمين فلا يستجيب لهم لأنه مشغول بمكالمة العشيق أو العشيقة في هاتفه النقال لساعات طويلة تتخللها القهقهات السمجة، والضحكات الصاخبة أحياناً!.
كيف بمن لا يسارع لتلبية الاستغاثات في مستشفياتنا لأنه مشغول بسفاسف الكلام، أو مغازلة الجنس الآخر من زملائه أفراد الطاقم الطبي في المستشفى، وربما مشغول بارتكاب الفاحشة معهم والعياذ بالله؟

ولست أرسم صورة خيالية ظالمة عما يجري في مستشفيات بلادنا، بل نقلت هذا من أفواه بعض العاملين السابقين في هذه المستشفيات.
يأتي المريض إلى المستشفى فتقابله النظرات النارية والوجوه العابسة بدل الابتسامات، وقد يصرفه طبيب إلى آخر ويصبح كالكرة تتقاذفها الأرجل.
كثيرٌ من الممرضين والممرضات يريدون أن يستمتعوا بالثرثرة في أحاديث تافهة مع بقية زملائهم، وأحيانا يتعرض المريض لما يشبه التحقيق في سبب قدومه، ولسان حال الممرض والممرضة يقول: لمِ أتيت، ولم مرضت، وكيف تجرؤ على أن تفسد علينا راحتنا!!؟

ذكر لي طبيب أنه شاهد مريضاً يتلوى من الألم بعد تعرضه لحادث مروري، فلم يُعنى به العناية المناسبة، لكن حين قدم مسؤولٌ كبيرُ من مسؤولي الدولة برفقة مريضٍ، هب الطاقم الطبي كله هبة رجل واحد لتقديم العون للمريض، أو قل إن شئت لإدخال السرور على قلب المسؤول،ولا تسأل عما كان يدور من خواطر في عقل المريض الآخر وهو يرى هذا التمايز الفاضح في المعاملة، فقد يعجز القلم عن تسطيرها إذا أدركنا حقيقتها.
وإنني كمواطن ليبي أطالب مسؤولي القطاع الصحي في بلادنا إلى الإسراع في تقييم هذا الوضع المتردي في مستشفياتنا التي تحول بعضها إلى أوكار للرذيلة، وتكوين لجان تفتيش تباغت نوبات العمل كلها، وخاصة الليلية، على أن تُرسل هذه اللجان بصورة دورية، وليس بعد استلام شكاوى كبيرة فحسب.

ينبغي محاربة أولئك الأطباء الذين جعلوا المستشفيات وكأنها مناطق نفوذ بين روساء عصابات إجرامية ولن تستطيع كطبيب شريف العمل باستقلالية ونزاهة إلا إذا انضممت إلى عصابة طبيب من هؤلاء الأطباء، أو إخصائي من الإخصائيين، أو إداري ذي سلطان.
يجب محاربة الأطباء الذين خصصوا بعض الأسرة لهم وحدهم، وجعلوا بعض الأجنحة مناطق محظورة، فلا ينبغي لمريضٍ من مرضى غيرهم أن يذهب إليها حتى إن دعت إلى ذلك الحاجة الماسة.
لخص لي طبيب فاضل القضية برمتها فقال:" كل قسم من أقسام المستشفيات مملكة لوحده"!!.
فعلى سبيل المثال الرنيم المغناطيسي ، وهو أدق جهاز للكشف، لا يستفيد منه في الغالب، إلا المقربون من بعض رؤساء هذه الأقسام، وليس من تدعو حاجته الطبية لذلك بالضرورة.

أطالب كمواطن ليبي مسؤولي بلادنا النظر في منهج الإقصاء و التحجيم الذي يمارسه بعض مخضرمي الإخصائيين والأطباء ضد الأطباء الجدد من ذوي الكفاءات العالية، وكأنهم يحسون أن مملكاتهم التي بنوها في هذه المستشفيات مهددة بالزوال، ولا تنس عامل الغيرة، والحسد الذي ينهش قلوب بعضهم!.

ولا أملك أخيرا إلا أن أحي العشرات من الممرضين والممرضات،والأطباء العاملين الذين التزموا بالقسم الذي أدوه، فهم في سعي دؤوب لتقديم العون لكل المرضى بغض النظر عن مكانتهم الإجتماعية،وأتمنى تمكينهم من تبوأ المكانة اللائقة بمجهوداتهم وإنسانيتهم، كالطبيب الإنسان خالد أوريث، والذي ذكر لي سيرته العطرة أطباء كثيرون، وذكروا ما يثلج الصدر من أخبار تواضعه ومساعدته للناس جميعا، وعلى تخصيصه جزءًا ثميناً من وقته للإطباء الجدد، يعلمهم بعض أصول المهنة وقواعدها، وقبل ذلك أدب الطبيب المسلم وخلقه ورحمته، فله ألف تحية، وجزاه الله خيرا، ورفع الله قدره وقدر كل من شابهه من الأطباء والممرضين، والمرضات، في العالمين.

وآخر دعوانا إن الحمد لله رب العالمين

سالم بن عمار
Suhyb11@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home