Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salem Ben-Ammar

Friday, 9 November, 2007

موقعة الشيوخ

سالم بن عـمار

شجعتنى خواطر أخى الأستاذ صلاح عبد العزيز الجميلة، لأستخرج ذكريات من أيامِ ٍ قد ولت كان فيها للشباب وعنفوانه صولات وجولات،وبعض المغامرات الطريفة، ومنها ما سميته أنا واصدقائى اذاك (موقعة الشيوخ).

بدأت هذه الحادثة عندما دعانى الأخ الفاضل (رمضان الرابطى) لحضور حفل زفاف أخيه فى أواخر السبعينات مع أصدقاء آخرين.وكعادة الناس فى تلك الحقبة كنا نتلهف على حضور ولائم الأعراس بدعوة أو من غير دعوة، يكفى أن تعرف أحد المدعوين لترافقه ولا إعتبار لميزانية صاحب الدعوة المسكين.

ولا أذكرسر الضحك الهستيرى الذى أستغرقت فيه أنا ورمضان الغريانى رحمه الله،والأخ الطاهر عبد الصمد ونحن على وشك الدخول إلى فناء البيت الذى يعقد فيه حفل الزفاف بمنطقة( قرجى) بطرابلس.

بذلنا جهدا جبارا للتوقف لكن دون جدوى. كان من حسن حظى أننى أختبأت وراء الشجرة الوحيدة فى فناء ذلك البيت العربى بعد أن أدركت حساسية الموقف خاصة إن العريس يعرفنى ويعرف علاقتى بأخيه ولا يعرف صديقيى، وكان سيكون من المخجل أن يرانى ذلك الأخ الكريم وأنا فى ذلك الوضع المريب، ويظن بى الظنون.

وكان من سوء حظنا أن دخولنا وافق وصول الشيخ(بلوزة) وفرقته الإنشادية الذروة، أو قريبا منها، فى أدائهم، وكان من الطبيعى أن يفسر البعض ضحكنا الهستيرى المكبوت على أنه سخرية من أداء الشيخ (بلوزة)وفرقته،رغم أن الضحك ليس له علاقة البتة بما يجرى داخل الحفل.

قرر رمضان رحمه الله والطاهر بعد أن أدركا أنهما مكشوفان للناس، وضع رأسيهما بين أقدامهما المنصوبة وتغطية رأسيهما بأيديهما، لكن لم يفلحا فى إخفاء ذلك الضحك بالكلية،ثم فجأة قرر رمضان ، وكان أكبرنا سنا،الخروج بعد أن باءت محاولاته التوقف عن الضحك بالفشل، وبينما هو سائرٌ فى إتجاه مخرج فناء البيت إذا بالشيخ(بلوزة) يضرب (البندير) ضربة قوية تصاحبها همهمة عظيمة جعلت رمضان يلتفت إليه، وكان واضحا أن الشيخ (بلوزة) بدأ يستشيط غضبا ويريد من رمضان رحمه الله أن يعرف ذلك قبل أن يغيب عن ناظريه.

وفجأة بدأ الشيخ (بلوزة) ينشد كلامات غريبة كانت النذير على أن هجوما كاسحا كان على وشك الوقوع.

ما اذكره من كلامات ذلك الهجاء التالى:

يلى ما تستحوش ... وعلى النبى ما تصلوش

وبعدها أنتفض إنتافضة مخيفة،وسرى فيه ما يسمى ب(العون) وبدأ يتدحرج- وكأن شيطاناً شديدا مسه مساً عنيفاً-، فى إتجاه الطاهر الذى كان جالسا بجانبى، وبعد ثوانى مرت كأنها ومضة عين، أمسك بخناق الطاهر وهو يرغى ويزبد-هذا وصفٌ حقيقى وليس مجازا-، ولكن أسرع بعض أعضاء فرقة الشيخ لتهدئته وتخليص صاحبى المسكين الذى أصابه من الهلع ما الله به عليم .

ولم تقتصر زيارة الهلع لقلب صاحبى وحده، بل زار قلبى كذلك، ولولا خشية المعرة لاطلقت ساقى للريح كما فعل الطاهر بعد أن تخلص من قبضة الشيخ(بلوزة)*.

تظاهرت بأننى لست من المجموعة مدركا لفضل الله على ثم الشجرة فى إخفاء ضحكى، وبدأت فى الخروج الهادىء من البيت بعد أن شتت هجوم الشيخ(بلوزة)صفوفنا،وبدأ أفراد مجموعتنا فى الخروج وكأنهم أستشعروا أن غضب الشيخ(بلوزة) سيحل عليهم جميعا.

من الطريف أن أحد أصدقائنا كان نائما فى سيارة أحدنا،وفجأة أستيقظ على صوت صاحب السيارة وهو يحاول الهروب وكأن عدوا مرعبا يلاحقه،فأصابه فزعا شديدا هو الآخر.

بعد أن أنطلقت بسيارتى يصاحبنى أثنان من أصدقائى،مقتفيا أثار سيارة رمضان الغريانى رحمه الله ومن معه،إذا بى اسمع منبه سيارة الأخ الكريم(فتحى التاورغى)وهو يدق بشدة،فتمهلت،وأشرت إلى رمضان الذى كان أمامى بالتمهل لمعرفة ما يريده فتحى،فأذا به يخبرنى بأنه خائفٌ ويريد أحدا منا أن يرافقه فى السيارة !!

لكننى –أدعو الله أن يغفر لى مزاح الشباب الكاذب والذى مازال عددٌ لا بأس به من الناس يقع فيه بدعوى أنه مزاح،ولايدركون أن الرسول صلى الله عليه وسلم حرم الكذب بجميع أنواعه جدا كان أوهزلا-قلت لرمضان شئيا آخرا، قلت له: إن فتحى يعتقد أن الشيوخ يلاحقوقنا،فزاد فى سرعة سيارته، وطبعا لم نتوقف لتلبية طلب أخينا المسكين (فتحى التاورغى).

بعد أن وصلنا إلى منطقة (عكارة) معقلنا، وتجمعنا وقد أرخى الليل سدوله، وأضاء قمره، تذكرنا ما حدث، فأستغرقنا فى ضحكٍ شديدٍ رغم أننا رجعنا نجر أذيال الهزيمة.

وكان من جملة ما قاله رمضان الغريانى رحمه الله أنه سيتناول بعض الحبوب حتى يستطيع النوم تلك الليلة، قالها ضاحكا، لكن لا شك انها عكست الخوف الذى أصابنا جميعا، بالرغم من أن رمضان رحمه الله كان يعد من فتوات منطقة (عكارة) و(أبى سليم) الكبارفى ذلك الوقت.

بدأنا فى تفقد مجموعتنا، فوجدنا أن شخصا واحدا لم يكن معنا. كان هذا المفقود هو الأخ الفاضل (على القاضى)فأكبرنا شجاعته فى نفوسنا،وقررنا تهنئته عند رؤيته.

وفى اليوم التالى التقينا ب(على القاضى) فقلنا له: ما شاء الله على شجاعتك المذهلة فأنت الوحيد الذى لم يفر!.

قال(على القاضى): عن أى شجاعة تتحدثون؟ لقد تجمدت من الخوف،وخفت إن تحركت يمنة أو يسرة أن اعرف أننى منكم،ولهذا بقيت فى مكانى حتى هدأت الزوبعة.

فرجع الضحك الهستيرى مرة أخرى بعد أن ظننا أننا تخلصنا منه .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

سالم بن عمار
Suhyb11@yahoo.com
________________________

(*) عدا رمضان الغريانى،رحمه الله،كنا جميعا فى بداية العشرينات من أعمارنا،وبعضنا أصغر،وكان الخوف الشديد سببه الجهل المحض بما يسمى بشيوخ الطرق،وموضوع الأولياء والولاية بصفة عامة.
كان كثيرٌ من الليبين-ومازال بعضهم- يعتقدون أن أصحاب(الحضارى) الذين يتبعون طريقة معينة كالتيجانية، والشاذلية،والرفاعية وغيرهم ، من أولياء الله، وأن أفعالهم الغير عادية من طعن لأنفسهم بالسكاكين، وأكل للزجاج،و الحركات المفزعة كالتى قام بها(بلوزة) هى دليلٌ على قربهم من الله سبحانه وتعالى،وهذا هو سر الخوف،شعورنا أننا إزاء أشخاص تحفهم العناية الإلهية،مع أن الأولى بهم أن يخافوا لا أن يخيفوا،لكن الحمد لله الذى أزال الجهل بحقيقتهم، فعرفنا أن جل هؤلاء من المشعوذين الذين لا علاقة بطرقهم بالقرآن والسنة وطريق الصحابة الكرام رضى الله عنهم.
ويكفى نظرة سريعة على أشهر قصيدة ينشدها هؤلاء، وهى قصيدة(البردى) للبوصيرى، وما تحويه من شركٍ فاضحٍ مخجل.
وإننى لأهيب بإخوانى أن ينشروا الوعى بين الناس بحقيقة هذه الطرق وما فيها من إنحرافات. إن شيوخ هذه الطرق يستعملون بعض هذه الحيل لإشعار مريديهم بما لديهم من قوة خفية حتى يتمكنوا من التحكم فيهم وإستغلالهم كيفما شاؤوا، وكم أتمنى الان أن تعرك أذن كل من تسول له نفسه بالقيام بمثل ما قام به (بلوزة)ويقرع تقريعا شديدا.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home