Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salem Ben-Ammar
الكاتب الليبي سالم بن عمار


سالم بن عـمّار

الجمعة 9 ابريل 2010

ذكريات من مدرسة (الجمهورية)

سالم بن عـمار

كان اسمها مدرسة أسامة بن زيد، ثم بدلت باسم (الجمهورية) وهي تقع ما بين شارع الصريم وباب العزيزية، في شارع الجمهورية، في مدينة طرابلس. درست فيها الأعدادي، وقد دفعني للكتابة عنها ما قرأته لإحدى الكاتبات عن تجربتها الطريفة، المؤلمة في آن واحد، مع مدرستها التي كانت تعاني أزمة أخلاقية، فكانت تطلق على الطالبات في جملة ما تطلقه عليهن: فرخات!!، وأوصاف أخرى لا يتسع المقام لذكرها، نعم عادت بي كلماتها إلى تلك الحقبة الجميلة من زمن الطفولة والمدرسة، وشذوذ بعض المدرسين، ومدرسة( الجمهورية).

كان لنا مدرس جغرافيا سمي لسبب ما بكاسبر، وكاسبر كان شخصية كرتونية أمريكية لطفل شبح، يظهر ودودا للناس، لكن ما أن يدركوا أنه شبح حتى يصابوا بهلع شديد، فكان أسلوبه الدراسي مملا بحيث أن جيش النوم لا يفتأ يداعب عيوننا في حصته هو أكثر من أي أستاذ آخر، ويبدو أنه كان يدرك ما يعتري أسلوبه من سآمة قاتلة، فكان يتغاضى عن الذين يستسلموا للنوم في حصته.

وفي المقابل كان لنا أستاذا أحسبه كان القسوة تمشي على قدمين، والسادية في أبين صورها!.

كان رحمه الله، مدرس الرياضيات، ولا أذكر أنني رأيته مبتسما قط، فكان وجهه كأنه قد من حجارة، وزاد من خوفنا منه ما أتاه الله من بسطة في الجسم. وحتى لا يظنن بي أحدٌ الظنون فيحسبني مبالغا فيما يتعلق بقسوته، أقول: ضرب مرة جاري الذي يدرس معه هو الآخر، في خضم غضبه عليه بالفرجار، فهل سمعتم بمن يضرب بالفرجار-أقصد به المعدني الذي تشبه حافته رأس المسمار- من المدرسين أو حتى من أصحاب المهن الأخرى؟ وقد بقى فترة ويده ملفوفة بجبيرة، ولا أدري ما فعل أبوه إزاء هذا الأعتداء الصارخ، والحمد لله فقد خرجت من المدرسة وأعضائي سالمة من إيذائه.

أما المدرس الذي أصابني منه أذىٌ علق بذاكرتي زمناً ليس بالقصير، فكان مدرس التاريخ. وكانت أحب المواد إلى قلبي، فهذا المدرس كان هو الآخر ذا وجه قاس، متجهما، كأنه اختزل مآسي التاريخ كلها، وكان يحرص إذا تعرض لذكر المعارك التاريخية، والحديث عن المنتصر والمهزوم، أن يذكر هذه العبارة:" ورجعوا يجرون أذيال الخيبة"! ولا أدري هل كان يريد أن يلقي في روعنا أنه قس بن ساعدة في بلاغته، أو الخليل بن أحمد في أدبه، بترديده لهذه العبارة، بيد أنه جسد معناها في إحدى المرات، فجعلني حقا أجر أذيال الخيبة!.

رآني يوما بعد إنتهاء الدوام المدرسي في الشارع أمزح مزاحاً سخيفاً مع أحد الطلبة، فطلب منا التوقف، وكان معه من بدأ أنه ضيفٌ زائرٌ له، فلم نفعل، لأننا أحسسنا أن الشارع خارج سلطانه.

وفي صباح اليوم التالي، وكنت في حصة الإنجليزي، أتاني من دعاني لحصته، فأوجست خيفة، لكن ما كنت أتوقع أنه سينزل بي الهزيمة في أبشع صورها.

ونلت من الضرب المبرح ما الله به عليم، وعدت إلى حصة الإنجليزى في حالة يرثى لها، ولا أستبعد أنه قال لهم بعد خروجي: ورجع الطالب فلان الفلاني يجر أذيال الخيبة. وقد رأيته بعد ذلك بسنة تقريبا في سوق من أسواق باب عكارة، وكنت بصحبة جدي رحمه الله، فنظر إلى نظرات ظهر لي فيها ما يشبه الندم، على أي حال رحمه الله وغفر له إن كان في الأحياء أو في الأموات.

ومن طرائف مدرسي مدرسة الجمهورية أن مفتشاً من مفتشي وزارة التعليم إذ ذاك زارنا في حصة من الحصص، فذكر في جملة ما ذكره خطورة التيار الهوائي، ثم أراد التدليل على هذه الخطورة، فأمر بفتح النافذة، وفتح باب الفصل، ثم جلس بينهما، ثم بعد أن غمغم ببعض الكلمات، تأوه تأوهاً عميقاً، وقال: أحس أنني مرضت الآن!!.

ولا أظن أن أحداً من الطلبة صدقه، ولم يجسر مدرس المادة أن يعترض على حضرة المفتش، بيد أنه ما أن خرج من الفصل، حتى سل مدرسنا سيف الغيبة الذي يجيد استخدامه، وبدأ يقطعه إربا إربا، ومن ضمن ما وصفه به أنه كذاب لا يستحي!.

من الطرائف التي أضحكتنا لحد قارب من الهستيريا، أن صديقاً لي يدعى الحاج عبد الرزاق، وقد دخل رياضة رفع الأثقال في سن مبكرة مثلي-بدأت التدريب في سن الثالثة عشر-أوصى صديقاً له بأن يقذف له بإجابات الأمتحان من النافذة حين يخرج المدرس لقضاء الحاجة، أو لأمرٍ اقتضاه الأمتحان، فكان ذلك الصديق الوفي يفعل ذلك، لكن (الحجيبات) كما كانت تُعرف، كانت تسقط قريباً من طالب آخر يبدو أنه هو الآخر كان ينتظر مدداً من السماء، فيسارع لأخذها وكتابة ما فيها، وكان الحاج يتميز غيضاً، ويهمس له، أنها مرسلة له، لكن بدون جدوى، ثم نفذ صبر الحاج عبد الرزاق، فذهب إليه، وأمسك بتلابيبه وقال: الحجابات لي يا..." وقد أدت الجلبة لافتضاح أمرهما.

ومن النوادر المرتبطة بالحاج عبد الرزاق، واسمه بالكامل: عبدالرزاق محمد الأعوج، أن طالباً درس معه في سنة من السنوات في نفس الفصل كان لقبه(لمسقم) أي المستقيم، فسبحان الله الذي جمع بين المتناقضين!.

هذه بعض الذكريات التي يمر طيفها في عقلي أحيانا، فأحس بسرور ونشوة بالرغم من كل ما كان فيها من الآم، ولعل من أسأ من مدرسينا فعل ذلك بسبب طفولة قاسية، أو تجارب مريرة، فأياً كان شأنهم غفر الله لهم، ورحم من مات منهم.

سالم بن عمار
Suhyb11@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home