Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salem Ben-Ammar
الكاتب الليبي سالم بن عمار


سالم بن عـمّار

الإربعاء 8 سبتمبر 2010

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

أكاذيب تاريخية شائعة (1)

سالم بن عـمار

في إحدى خطب الجمعة وأنا في سياق عرض التغير الهائل الذي حصل في شخصية عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ ذكرت ما شاع عنه من قبل بعض المارقة من أنه ـ رضى الله عنه ـ وأد ابنته في الجاهلية، فنبهني أحد المصلين عقب الانتهاء من الصلاة بأنه سمع أحد العلماء وهو يكذب هذه الرواية، فشكرته على هذا التنبيه، ودعوت الله تعالى أن يغفر لي هذه الزلة.

ثم أرسل لي مصلٍ آخر رابط محاضرات للدكتور محمد البرزنجي وهو يبين بعض سمات كتابه الرائع (صحيح وضعيف تاريخ الطبري رحمه الله)1 وهو كتاب في غاية الأهمية، لما فيه من سرد موسع لكل ما ذكر وروي في شأن الأمة في صدرها الأول، فاعتمد بعض من لا خلاق له على الرويات التي كان يسوقها الطبري لتسويغ طعنهم في الصحابة رضى الله عنهم، وتشويههم لحقائق التاريخ، مع أنه ـ رحمه الله ـ نبه على أمر غاية في الأهمية لم يعره أصحاب السخائم من شدة ما تحمله صدورهم من ضغائن أي التفاتة، وحري أن يتفطن لها كل من يود الاطلاع بتفحص وتمعن على كتاب تاريخ الطبري هذا...

http://www.waqfeya.com/book.php?bid=3270

فقد ذكر الطبري ـ رحمه الله ـ في مقدمة كتابه المعروف التالي:

"فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين، مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجها من الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أوتي من قبل بعض ناقليه إلينا، إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي الينا".

يبين الطبري هاهنا بكلمات واضحات ـ لا لبس فيها ـ أنه لم يُعنَ بنقل الصحيح في كل ما سطره في كتابه، وأن ما يستشنع فيه لغرابته ومصادمته لما هو معروف، إنما عذره فيه أنه نقله عن غيره بحذافيره دون زيادة أو نقصان، وأنه ترك للقارىء التحقق مما كتب، وقديما قالوا من أسند فقد برئت عهدته، فمن يحيل على سند روايته، فقد فوضك في الكشف عن مدى صحتها من ضعفها، فكأنه يقول للناظر في كتابه تأمل في حال رجال السند، فغاية منهجي في هذا التصنيف نقل ما روي لكي يعرف الناس الغث من السمين ومن ثم يتصدر أهل السند لرجاله الثقات من الوضاعين، وكان أهل العلم في ذلك الزمان يرون ألا أجل للقربى إلى الله تعالى من تعرية الكذابين وفضح الوضاعين، وقد صنفوا في ذلك تصانيف كثيرة، وأفردوا فيها مؤلفات غزيرة.

وأما ما يتعلق بقصة الوأد التي نسبت إلى عمر رضى الله عنه، وهل لها من أصل، أو سند تعتمد عليه، فأشير في تفنيد هذه القصة إلى ما كتبه الدكتور عثمان الخميس ـ حفظه الله ـ وغيره ممن أخذوا على عاتقهم منهج تدقيق الكتابات التاريخية، وتخليصها من شوائب الوضاعين، ويتلخص رده فيما يلي:

1- لم يكن قد عرف عن بني عدي قوم عمر رضى الله عنه وأد البنات، فقد ولدت فاطمة بنت الخطاب أخت عمر وعاشت وأسلمت قبل عمر ولم يعب على بني عدي ذوي المكانة الرفيعة حياتها في شيء.

2- وكانت حفصة رضي الله عنها أول مولود لعمر قبل إسلامه سنة خمس قبل البعثة حتى إنه كان يكنى باسمها - أبو حفص- كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية، فلو صح أنه وأد الأولى، فما الذي يمنعه من وأد أختها حفصة، بل كيف يستسيغ أن يكنى ـ رضى الله عنه ـ باسمها في قوم يتمعر وجه الواحد منهم بالأنثى إذا ما بشر بها، لو كان ـ عمر ـ ممن يأبه لهذا الفعل.

3- أورد الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة برقم 3298 حديثاً عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سئل عمر بن الخطاب عن قوله: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ)، فسمعته يقول: جاء قيس بن عاصم ـ رضى الله عنه ـ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (إني وأدت ثماني بنات لي في الجاهلية؟ فقال رسول الله: أعتق عن كل واحدة منهن رقبة، قال إني صاحب إبل، قال: (اهد إن شئت عن كل واحدة بدنة). ولم يذكر عمر عن نفسه شيئا في هذا السياق مما يشير إلى أنه لم يتعرض لمثلها.

4- لم ترو هذه القصة في أي من كتب أهل السنة المعتبرة، وإنما ذكرها العقاد ـ رحمه الله ـ في كتابه عبقرية عمر صفحة 221 دون سند تعتضد به، لكنه مع ذلك شكك في صحتها لبعض الأسباب التي أوردها غيره وذكرتها آنفا.

5- وأخيرا، لا يعد هذا الأمر انتقاصا من شأن عمر ـ رضى الله عنه ـ فيما لو ثبتت القصة لأن ذلك كان قبل إسلامه، والإسلام يجب ما كان قبله، وقد قال الله تعالى: "وإن كنتم من قبل لفي ضلال مبين" فلن تخدش من مكانة مَن كان إسلامه فتحاً، وهجرته نصرا، وخلافته عزاً، وشهد له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالجنة، حتى إن جبل أحد رجف بهم ذات مرة فأمره رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالثبات، فما عليه إلا نبي وصديق وشهيدان. رواه البخاري.

وغاية ما يريده المرجفون والمروجون من هذه القصة هو الطعن في الخليفة الراشد عمر فاروق الأمة، والباب الموصود في وجه الفتنة، وأنى لهم ذلك؛ فما ضر السحابَ نبحُ الكلاب، وكفى بهذه الافتراءات شرا أن من نسجها هم أكذب من وطئ الحصى، وأقلت الغبراء؛ الرافضة الذين وصفهم ابن القيم ـ رحمه الله ـ بقوله: "هم وصمة عار على جبين بني آدم". والذي تابع ما نسبوه لعمر ـ رضى الله عنه ـ من ضغائن صدورهم مما ظنوا أنه سيضره، ويقدح فيه، يروون عجبا، فافتروا عليه في جدته ـ التي اختاروا لها أبشع الاسماء صهاك ـ فزعموا أنها كانت بغيا، نعوذ بالله من الكذب والبهتان، عاملهم الله بما هم أهله.

ولعل الله يوفق فنورد مزيدا من التفنيد لبعض الأكاذيب التي انتشرت بيننا مع أنها تخالف في كثير من الأحايين صريح القرآن وصحيح السنة. نسأل الله أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويحفظ على المسلمين كلمتهم من تحريف الغالين وانتحال المبطلين، ولله الحمد من قبل ومن بعد.

سالم بن عمار
Suhyb11@yahoo.com


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home