Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah Abdelazizi


Salah Abdelaziz

Tuesday, 31 January, 2006

معمر القذافي ... وليد ثقافة القدح

صلاح عـبدالعـزيز

ما إن خَالَفْتُ ثقافة القدح التي غلبت على حياة مجتمعنا الليبي.. في البيت والشارع والمدرسة والمسجد... حتى انهالت عليَّ سهام من كل حدب وصوب... ذلك أني أُؤمن أن المجتمعات التي تُحسن أدب المدحِ مع أبنائها منذ نُعومة أظافرهم..قد نجحت في بناء كيانات اجتماعية.. عنصر الخلية المركزي فيها هو ذلك المواطن الذي اكتسب ثناء الآخر عليه، وتقديره لجهوده... فالأب يُثني على صفات ابنه ويعزز ثقته في نفسه.. وقد يبالغ أحياناً لزيادة زرع الثقة بالذات.. والأم تُعطي جُرُعات من المدح لابنتها فتجعل منها "بلقيس زمانها" أو "شجرة دُر عصرها".

أمَّا حال مجتمعنا الليبي... فالغالب عليه سمة القدحِ!! و لفظ القدح له دلالات مشينة.. منها اشتعال شرارة نارية من جرَّاء القدح.. أي قد يؤدي الأمر إلى احتراق الشخصية أثناء نموها.

بينما المدح وتقدير الجهود والكفاءات دافع للبناء والتلطيف وإعطاء الثقة بالذات... ففي ثنايا مقالتي الأخيرة (وقفة مع... عيسى عبد القيوم)(1) حاولت أن أبرز الصفات الإيجابية والأدبية التي تحلى بها صاحبها وتميز بجهده و كده... كي تكون مثالاُ إيجابياً ودافعاً للعنصر الوطني الليبي الذي أخلد للراحة ونسي قضيته الوطنية!! وقد قمت أيضاً في نفس المقال بتقدير جهود الأخ الأستاذ (إبراهيم اغنيوة) مدير تحرير صفحة "ليبيا وطننا" ومدحت جهوده المُضنية لفتح نافذة يلتقي الليبيون من خلالها.

فمن قائل : إن (عيسى عبد القيوم) ليس له موقف سياسي أو ثقافي يستحق هذا الثناء عليه!! و من قائل أن الذي يقوم به (إبراهيم اغنيوة) أخطر على "ليبيا" من الكتاب الأخضر!!!

و لقد استوقفني هذا المعنى كثيراً أمام واقع مجتمعنا الليبي بين ثقافة القدح المُقدمة على ثقافة المدح!! فترانا نفتح للقدح تسعة وتسعين باباً ونُغلق باباً واحدا... بينما إذا أردنا أن نبني الشخصية ونعطيها الثقة ونقدر جهودها.. ألفيتنا نُسد تسعة وتسعين باباً للمدح ونفتح واحداً فقط هو باب "مدح الذات".

ومما استرعى انتباهي أيضاً.. واقعنا السياسي الليبي... فالقدح كان على أشُدِه في شخص الملك الراحل (إدريس السنوسي رحمه الله) إذ كانت كلمة "إبليس و لا إدريس" تعمل مفعولها الهدمي في شخصية الرجل.. حتى أضحى ملكاً زاهداً كارهاً لأمة ناكرة للجميل !!

و تراءت أمامي شخصية (معمر القذافي) غلام نشأ في صحراء سرت.. وقد ملأت أسماعه "كلمة قدح" عملت مفعولها في أعماق ضميره إلى يومنا هذا... وتشبعت أحاسيسه منها؛ ألا و هي عبارة "يا ابن اليهودية" يا وِلْد اليهودية "

و مع أنه لم يساهم في هذا الوضع الاجتماعي، ولم يكن له فيه يد.. إلا أن هذه الصفة الذميمة المُتأصلة في مُجتمعنا "صفة القدح في أصله العائلي" أحرقت صفات الرحمة والرأفة والحنان والمودة التي فُطر عليها منذ ولادته... وانقلبت حقداً وكراهية وازدراءً... متحيناً لحظة الانتقام من هذا المجتمع الذي جعل منه "إبليس و لا إدريس".

أتمنى ألاَّ يُساء فهمي ثانية فيقال: إني أجد العُذر أو أُغازل شخص (معمر القذافي)... ولكني أُحذر قومي من مغبة الاستمرار في هذا النمط الفكري الاجتماعي الهدَّام الذي نشأنا تحت ظلاله!! والذي أصبح سلوكاً متأصلاً ملازماً للشخصية الليبية إلا من استدرك على ذاته وأصلح من شأنه ورجع لصفات الفطرة النقية الطاهرة...

في هذا الوقت العصيب... أدعو كل حُرٍ أن يكسر هذا القيد الاجتماعي.. وألاَّ يكون أسير ثقافة تُعاكس فطرته الإنسانية السليمة والتي جُبٍلت على رؤية الجميل والثناء عليه وتقديره... وغض الطرف عن القبيح وإبداء المساوئ.

لقد كلفتنا هذه الثقافة المنحرفة وقوع المجتمع والدولة في قبضة "مواطن ليبي" كان من الممكن أن ينشأ سوياً.. إذا وجد من يثق فيه ويحترمه مادحاً له.. مثنياً عليه ثناءً موضوعياً بنَّاءً لا غُلُو فيه.. مُقدراً لجهوده وإمكاناته الحقيقية.(2)

أمَّا إذا ما استمرت أقلام ليبية وألسن... في اتجاه ثقافة القدح غير الشرعي والإنساني(3)... فإن سلوكياتنا الاجتماعية هذه.. سوف تؤدي بنا إلى أزماتٍ سياسية متوالية.. لن تُكسر حلقاتها المُحكمة!!! لأن النتيجة سوف تؤدي بالكثير منا يوماً ما أن يصبح ولسان حاله يقول "كلنا معمر القذافي".

صلاح عبدالعـزيز
جنيف ـ سويسرا
salahalimami@yahoo.com ________________________________________________

(1) http://www.libya-watanona.com/adab/saziz/sa28016a.htm
(2) يذكر الشهيد أحمد احواس في إحدى رواياته أنه كان يلاحظ على معمر القذافي عندما كان معهم في الكلية العسكرية ( بوعطني ـ بنغازي ) أنه كان إنطوائياً منعزلاً عن الجميع غامضاً قليل الكلام " شخصية منغلقة ".
(3) حصر العلماء القدح الشرعي في هذه العبارات:
القدح ليس بغيبة في ستة.......... متظلم ومعرف ومحذر
ولمظهر فسقا ومستفت ومن طلب الإعانة في إزالة منكر


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home