التحرر من عُـقدة النقص الجماعـية
يقع القطر الليبي بين أمتين عريقتين.. المصرية شرقاً وعدد سكانها يزيد على
السبعين مليوناً.. والأمة التونسية غرباً يعيش فيها قرابة عشرة ملاين من السكان؛ وذلك مع صغر مساحتها الجغرافية إذا ما قورنت بمساحة ليبيا ذات المسافات الشاسعة غير الآهلة بالسكان.. ومنذ كان الرومان يحتلون أرضنا.. كان عدد سكان ليبيا دائماً ضئيلاً جداً بالنسبة للأمم الأخرى.. فنحن وقت كتابة هذه السطور لم نبلغ سبعة ملايين نسمة.
هذا يفسر بروز كثير من أهل العلم والثقافة والفن في البلدان المجاورة.. فدائماً نسمع عن المفكر الكبير "طه حسين" والكاتب العظيم "نجيب محفوظ" وفي تونس الشاعر العملاق "أبوالقاسم الشابي" والعلامة الثعالبي وابن عاشور..
أمَّا إذا تحدثت عن أعلام القطر الليبي وهم كُثُر وبارزون أيضاً على مر التاريخ.. فإن الآذان لن تُشَنَّف بسماع ألقاب التفخيم.. فلم نسمع ألبتة بالمفكر الليبي الكبير.. ولا العالِم الليبي النحرير!! ولا أمير البيان الليبي.. ولا هُم يفرحون!!! ونحن الليبيين قد أقنعنا أنفسنا أنْ:
حرام على بلابله الدوحُ
حلال على الطير من كل جنس.
* * *
مُغـنية الحيّ ... لا تُطرِب
وصفت أحد الشخصيات الليبية ذات يوم بلقب "المفكر الليبي" هكذا حاف.. وبدون ذكر العظيم ولا النحرير.. وهو الأخ الأستاذ (عبدالحكيم الصادق الفيتوري) وكأن بني قومي قد تقَالوها!! واستكثروا على صاحبها.. مع أنه يفكر واجتهد في دراسة السيرة والتاريخ والشريعة.. وأفنى سنين عدة حصل فيها على إجازة عالية.. وهو مواكب لهموم أمته.. متعمق في دراسة الخلل الذي طرأ عليها.. باحث عن الحلول الكفيلة بإخراج الأمة من أزماتها.. فلماذا لا يكون مُفكراً؟! أما "طه حسين" ولأنه مصري ومتزوج بفرنسية ومتخرج من جامعة "السوربون الفرنسية" فهو المفكر الكبير وإن طعن في سيرة خير البرية.. وإن شكك في حقيقة شخصية خليل الرحمن إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام!!!
* * *
الحكم العسكري طمس الشخصية الليبية
تُري ما الذي عمق هذا الشعور بالنقص في نفوس الليبيين؟! ولم يحر عقلي جواباً فهو لا زال يُفكر أيضاً... وأرجو من السادة والسيدات القراء أن ينفعونا بمشاركاتهم في تمحيص هذه الظاهرة المريضة التي أصابت الشخصية الليبية المتواضعة في غير محلها... فهي تُشيد بغيرها.. وتخجل من ذكر مآثرها وقدراتها التي قد تكون أفضل من غيرها بكثير. شهادة نثبتها لأحفادنا: مع أن القطر الليبي قد نال الصدّارة بين أمم العالم قاطبة.. حين تفرد أحد أبنائه بلقب (شيخ الشهداء عمر المختار).. ووقت كانت الجزائر هي بلد "المليون شهيد" فإن التاريخ يشهد بأن أرواح شهدائنا فاقت ذلك بكثير.. ففي خلال فترة خمسة وثلاثين عاماً من السيطرة الإيطالية على تراب الوطن وبعد حرب عالمية ثانية ضروس... أثبت رجالات الأمة الليبية أنهم أُسود حرب حين اللقاء:
أسد دم الأسد الهِزبر خضابه
موت فريص الموت منه تَرَعدُ
وأهل سياسة ودهاء ساعة الاستقلال وبناء الدولة الليبية الحديثة "1949 ـ 1969" ميلادي.. وأهل فكر وأدب وعلم.. ففينا أديب الأمة وشاعرها (عمرو النامي)(1) وعالمها النحرير(على يحي معمر)(2) ومفتي أمتنا (الطاهر الزاوي)(3) وشيخنا الإجدابي عيسي بلقاسم الفاخري.. وشاعر الوطن المبرز (أحمد رفيق المهدوي)(4) وشيخ الشعراء (أحمد الشارف)(5).
وجاء الحكم العسكري الجبري عام 1969 ميلادي ليقضي على كل ماهو عظيم في ربوع ليبيا.. فضريح (شيخ الشهداء عمر المختار) تُطمس معالمه!! وجرافات العسكر تدك زاوية الجغبوب التاريخية وضريح المُصلح (محمد بن علي السنوسي) فتجعله قاعاً صفصفا.. بأمر من الحاكم العسكري الجبري "القذافي"... وجهاد الليبيين يختزل في شخص المجاهد الأكبر "محمد بومنيار القذافي"!! وشاعرنا (عمرو النامي) يدخل السجن فلا يعود!!! إنه سجل النسيان الذي حوا كل ما هو مميز و عظيم في وطني الليبي.
* * *
الأديب الرافعي الليبي
خرج علينا العام الماضي شخص تسمى باسم (حكيم) صال وجال بخياله "النرجسي" في ثوابت أمتنا وعقائدها.. وأصر على أنه ليس من ذرية أبي الأنبياء (سيدنا آدم) عليه صلوات الله وسلامه.. وغره أن صفحة (ليبيا وطننا ـ أخبار وآراء) قد فتحت له الباب على مصراعيه ليلج من خلالها مثبتاً عقيدة الفناء التي تمناها الكافر في نهاية سورة "النبأ" في قوله تعالى } ويَقُولُ الكافر يا ليتني كنت تراباً {والذي عندما ينتهي فصل القضاء بين بني آدم... ينادي المنادي "يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ولا موت." وعندها تسير العجماوات والحيوانات والطيور ترابا... لأنها لم تملك أدوات التكليف من عقل وحواس مدركة... وبإصرار ه على عقيدة الفناء تلك.. يكون قد فتح الباب لأديب ليبي فاق "الرافعي" في وصفه للشخص الدهري الذي لا يؤمن بالله ربا.. وبالإسلام دينا.. وبمحمد نبياً ورسولا.. هذا الأديب الليبي هو الأستاذ (محمد السعيطي) والذي نشكر الأستاذ (إبراهيم اغنيوة) صاحب "الحلبة الحرة الفكرية" التي مهدت لمصرع الهالكين.. فتحت عنوان "العقل الملحد الحاقد وأزمة البحث عـن الحقيقة(*).. دخل الأديب "السعيطي" الحلبة.. وفي الجولة الأولى كانت القاضية... ففي وحي القلم كانت تحلق هناك " ذبابة الرافعي... أما عند أديبنا الليبي العملاق "السعيطي" فإن عقيدة الفناء التي يصر عليها صاحب نظرية "الاختيار الذكي" قد اضطرت أديبنا إلى أن يخالف الرافعي.. ويترنح "حكيم" بالقاضية ".. فلا شُلت يمينك أيها الرافعي الليبي.. فقد كانت ضربة لازِب.. وهو أحق بها وأهلها.. وبما أن عقله يفكر... فهو موجود... ولكن أي وجود؟! إنه و جود "الذبابة الزنيمة النكرة".
صلاح عبدالعـزيز
جنيف ـ سويسرا
salahalimami@yahoo.com
________________________________________________