Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Samir Ben-Ali

Thursday, 14 October, 2006

لقاء سيف الإسلام المظهر والمخبر

سمير بن عـلي

هذا المقال ليس ردا على لقاء سيف الاسلام الاخير الذى اجرته معه قتاة الجزيرة فى برنامج لقاء اليوم ولا تفنيدا لحديثه ، فكلامه يناقضه واقع مرير قائم ، ولكنه قراءة شخصية منى لمثاليات نظرية سياسية كانت تبشر الليبيين بأوضاع افضل ، الا ان الواقع القائم ظل فى الماضى و الحاضر على السواء يمثل اقوى نقض لتلك المثاليات مما ادى الى ترسيخ حالة خاصة من الفصام " شيزوفرينيا" بين اليوتوبيا والواقع المعاش ، كما لم يحدث ـ ربما ـ فى تاريخ اى شعب من قبل.

ايدولوجيا سياسية تقفز الى الامام في الافق البعيد المتعالى ، وترفض النظر فيما هو تحت اقدامها من واقع متعين ملموس ، بالتالى كان المصير هو الاخفاق و الفشل والشعور المرير بالخيبة كما يشهد به تاريخ هذه الثورة منذ تأسيسها وكما تنطق به شهادات الكثيرين لكبار المفكرين والكتاب بخصوص تقييم التجربة الليبية.

كما ان الصحفى الذى قام بإدارة اللقاء واجه صعوبة ومهمة عسيرة تمثلت بشكل جلى فى كيفية توزيع نقاط و فواصل وبداية و نهاية المقاطع فى ذلك الحديث ، حيث كان حديث سيف الاسلام كالعادة لغة خاصة فيها سؤال الشرط وليس جوابه ، فيها المقدمات وليس فيها النتائج حديث فى معظمه قطعة من الدفاع المتهافت عن واقع تعيس تجاه اتهامات قوية ، فكان لابد من فك رموز هذه اللغة من امثالنا نحن الذين تعودنا عليها منذ سنين طويلة ، وتترجم بلغة واضحة حتى يتعرف القارىء على ما فى بطن الشاعر.

فى اللقاء بدا بشكل واضح فقدان الوعى المجتمعى و المدنى فى كون محك العمل السياسى المثمر هو الاقتدار على تسيير الادارة اليومية للحياة العامة فى البلد فى قطاعاتها المختلفة من انتاج وتعليم وشؤون الناس كافة وغيرها مما يعتبره الثوريين عندنا امورا صغيرة وتافهة . ففى هذا المجال وحده تتفاضل الشعوب و تتقدم المجتمعات ، إذ ما جدوى ان يكون عندنا شعب مسلح يثور على كل شىء ، ثم لا يكون مستعدا للعمل المنتج فى ميدان الحياة، كنس الامبرالية بالشعارات " نعم" اما كنس الدار فمسألة فيها نظر عندنا ، وهنا تكمن المشكلة فى مستوى الاداء العام فى مجتمعنا الليبى ، فلم نرى حتى الان مناضلين ثوريين فى حقل الخدمات وذلك نضال كنت اود ان اسمع الاشارة اليه خلال اللقاء.

بالاضافة لهذا القصور فى التكوين السياسى لدى اصحاب القرار لدينا ، غاب الكلام عن تحقيق مفاهمة سياسية تتسم بروح الاخذ والعطاء ، بين السلطة وغيرها هذا الامر الذى يمثل اخطر جوانب القصور فى التجربة الليبية وهذا الامر الذى يفسر امر الخروج عليها ومعارضتها بل هو مربط الفرس فى حدوث المجابهات الدموية ، اذ تمت ادارة البلد بالعنف المنهجى والقتل و التصفية ، فكلام سيف الاسلام سقط منه هذا الامر هو غياب القدرة على ادارة الامور فى ليبيا بطريقة التقاسم المشترك و التبادل للمصالح والاهتمامات ، واسلوب الحوار التفاوضى القادر على احتواء الخلافات وتعدد وجهات النظر ، فلا يوجد حل وسط الذى يأخذ فى الاعتبار مواقف جميع من يعنيهم شأن بلدهم.

وهناك ظاهرة اخرى لم ينتبه اليها سيف الاسلام هو ان الشعب الليبى لا ينقصه التسيس ولكن ينقصه المراس السياسى الملائم و الخبرة السياسة العملية لدى قياداته فلقد سئم الناس مسألة الاصرار على وضع الاقنعة وتمثيل ادوار الملائكة والتغنى باوضاع المدينة الفاضلة والجنة الموعودة والانتقال من ايدولوجيا الى اخرى ومن "وعد" الى اخر دون ان يهبطوا فوق الارض التى ستقام عليها كل هذه الوعود ناهيك على ان كوادر هذه الثورة عندما تسلموا السلطة لم يقدموا حصيلة ملموسة من البناء الوطنى والسياسى والاقتصادى ، بل جاءت الحصيلة مخيبة لآمال الليبيين ذاتها.

ومن ناحية اخرى فإن الكوادر الثورية عندما تسلمت ادارة الاجهزة الحكومية ومؤسسات ومرافق البلد والمنشآت العامة لم تثبت فى ادارتها العملية انها كانت الافضل ، بل على النقيض من ذلك وجدنا تدهورا عاما فى البلد لمستوى الاداء فى كل قطاعات الدولة بدون استثناء وشهدنا التخبط فى السياسات العامة وتم الاقدام على قرارات مصيرية قاتلة ، بل واستمر الاصرار عليها بعد ان اتضحت خسائرها للعيان. هذا مع اتباع اشد الاساليب قمعا وقهرا من جانب القيادات الثورية والشعبية فى التعامل مع ابناء الشعب الليبى ، كما انهم يتصرفون كما لو كانت سلطتهم ابدية وكما لو كانوا يغرفون من بحر ، خيانات سرقات استخفاف بالناس هتك اعراض ، شراء ذمم الخير لهم وفتات الموائد لمن قبل باللعبة وسار على نفس الخط خط "ناخذ حقى من البلد".

من المظاهر الاخرى فى حديثه تكرارالمنة بالعمل على اطلاق سراح المساجين والمعتقلين، وابان انه تدخل شخصيا فى كذا وتحمل النقد فى القضية كذا وتحمل الكثير بخصوص الامر كذا، وهذا اسلوب مكرور .. نفس اسلوب التعامل .. التجاهل والاهمال وافتراض ان لا احد يعلم عن الامر شيئا، ومحاولة تعويد الناس على الامر الواقع. أرواح الناس ببلاش، هم مجرد ممتلكات للدولة، فكأن الليبى الذى عاش وولد ضمن شروط هذه الثورة لم يكن شيئا آحر سوى مجرد فرد تبقى على قيد الحياة بعد نوع بشرى منقرض عقب كارثة جيولوجية .. وكانت الفاجعة التى يعيشها تشبه فاجعة حيوان الماموث "كما فى قصة الهنديان طارق وعنتر فى الوادى المفقود" المتبقى من العصر الجليدى الأول ، تائها عبر البرارى المتجمدة وغير الرحيمة، والتى لا يعثر فيها على قوته.. الى ان جاءت الثورة فاعطته دوافع الوجود ليعيش كانسان واخرجته من مرحلة ما قبل التاريخ.

واحسبه لم يدرك بعد ان الناس تتابع وانهم لم يغادروا الحالات المؤسفة التى يتابعونها كل يوم عن مصير بلدهم فى نشرات الانباء ، تتحدثون فى الخارج عن الحرية وفى الداخل كبت وتنكيل ، تبشرون بالديمقراطية ثم تتحاورون باقامة المذابح فى ليبيا، اى ان الامر كله للخارج وليس له صلة بمن هم فى الداخل هذه هي الوقائع العينية لتجربتكم السياسية الخاصة بكم والتى تصرون على دمج الناس فيها، فإلى متى هذه الشيزوفرينيا بين الخطاب السياسى والسلوك السياسى ، ومن قواصم الظهر فى هذا اللقاء كذلك تعاظم الانفصام بين الوعى الذى "يزيف" وبين الواقع الى لم يكتشف .. بل هو فى الواقع محاولة جديدة لتمنع محاولة التواصل مع خصوصية هذا الواقع على الطبيعة او على راى مذيع قناة العربية الذى قام بتحقيق مصور تم عرضه امس فى برنامج "من ليبيا" والذي قال كل شى فى ليبيا يسير وفق قانون يوجد ولا يوجد.

وهكذا وجدت نفسى امام مهارة جديدة تمثلت فى محاولة إقناعنا ان نقبل ونعيش الشىء ونقيضه فى وقت واحد ، وقد كان يمكن للناس فى ليبيا ان يتحملوا ظلما اضافيا جديدا لو كان الثمن مكاسب دينية او سياسية واجتماعية واقتصادية لو كان الثمن قوة الدولة واستقرارها، لو كان الثمن مستبد عادل رغم انف محمد عابد الجابرى ، لكن للاسف هى نفس القصة الحزينة .. اعادة انتاج القديم البالى ولا امل فى العبور للمستقبل بهكذا عقلية ابدا.

سمير بن عـلي
benghaziblue@yahoo.co.uk


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home