Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Samir Ben-Ali

Friday, 10 March, 2006

قراءة في خطاب

سمير بن عـلي

لعل الأنطباع الاول الذى يمكن الخروج به من خطاب العقيد القذافي الاخير.. هو رفضه القاطع للقبول بواقعة التحول من العقل الأمنى الى العقل السياسى عند تناوله لشأن بلده الداخلى، فقد بدأ حديثه، بعبارات واضحة، ومفردات ذات دلالات مرسخة لسلطة الشعب وكأنه جاء ليتمم مشهد الكلمات الملقاة من قبل اداته الطيعة المفضلة... اللجان الثورية فى إحتفالها بسلطة الشعب بمدينة بنغازي.

لقد أقر العقيد رسميا بتنيه لثقافة إطلاق الرصاص، وما صاحب ذلك من حديث طويل أبان فيه العقيد ان المواطن غير مراهن عليه، بل يمكن تحشيده وتصفيته بقرار من السلطة، كما يمكن تحديد بدايته ونهايته بالطريقة ذاتها، ومطلوب منه عدم معرفة ان الاختلاف هو من طبائع الاشياء، وعليه ان يقف موقف المؤيد لتلك السياسات التى كلفت الشعب الليبي، آلاف الضحايا، ومئات المليارات من الدولارات، وعشرات السنين من مستقبل ليبيا.

فمفردات الخطاب غير موجهة للخارج، نظرا لنجاح العقيد، الذى له ميراث ضخم من العداء مع الغرب، تمثل فى التراجع المنظم عن سياسات الامس، والعودة الى الساحة الدولية دون خسائر تذكر بل تمت مكافأته برفع العوقبات عنه وعدم ملاحقته قضائيا، وتمكن من تثبيت ليبيا فى المنتديات الاوربية (5+5)، وتم تدشين صورة إعلامية، مفادها ان ليبيا دولة سلام وقيم، لتحسين الصورة وصياغة دور مقبول، ولا شك بأنه كان هناك جهد ليبي واقليمى ودولى، لتجاوز تلك الحالة بكل شروطها المعقدة، وقد نال فى ذلك دعم امريكا الواضح.

لقد أكد عودة الحرس القديم.. زبانية الخوف، ليكون غطاء لحكم شمولى فردى عسكرى، يئد الحريات، ويكسر الاقلام، ويقطع الالسنة، ويكمم الافواه، ويلقى الرعب فى نفوس الناس، الحرس القديم.. تلك الفئة التى حطمت اقتصاد البلد، واخرت تقدمه، واذاقت الناس الونا من الجحيم، لا يزال اهلنا يشعرون بمرارتها الى اليوم، ولم يجد العقيد من يصفق له فى دعوته هذه سواهم. إصرار العقيد على ديمومة افكاره التى ذهبت الى ان كل ما توصلت اليه حتمى ونهائى، وبالتالى لا وجود لرأي آخر، إذ لا مجال لذلك فى ظل هذه الحتميات والنهائيات بالسماح لوجهة نظر مخالفة، فالمعارض لأفكار العقيد ليس امامه حسب الخطاب الا السجن او القبر.

تجاهل الاشارة الى مسألة الافراج عن سجناء الرأى، الذي كان معظمهم من حركة الاخوان المسلمين، والكاتب الليبى المعروف الاستاذ الدكتور عبدالرازق المنصورى، وبقية من افراد التجمع الاسلامى، مؤشر مهم على رفض العقيد القوى، على عدم مشروعية نقل صورة عن ليبيا كما يراها او يعيشها ابنائها من الداخل، ووجود خطاب نقدى أو محاولات تشريح وتقييم للتجربة الليبية من خارج القائمين عليها، تجعل صاحبها فى وضع لا يستطيع التحكم فى شروط حياته، كما أن مسألة وجود التنظيمات وحرية التنظم، قضية مجرمة عنده، فكراهيته هذه سببها كراهيته للأحزاب، والتى تخفى فى حقيقة الامر كراهيته للديمقراطية، إذ لا مكان لمن لا يخدم توجه الثورة، للحفاظ على مصالحهم الطبقية.. وللتحكم فى تفسير سيادة الشعب، الذى فسروه تفسيرا ضيقا.. وطبعا هذا دليل آخر على ان الديمقراطية الشعبية المباشرة المطبقة صوريا فى ليبيا ليست حكومة كل الشعب... بل هى حكومة اللجان الثورية، الحزب السياسى الذى يقوده العقيد القذافى قيادة مطلقة.

تناول بالنقد الديقراطية الغربية، ومعظم خطابه دار على جدليات نموذجه الخاص كونه ضد الديمقرطية الغربية، لم يتجاوز النقد المباشر، فالديمقراطية الغربية بالنسبة للفرد العادي في الغرب لها مرجعية أخلاقية عليا هي إرادة الناخب في تمتعه الكامل بحقه فى أختيار من يراه مناسبا لحكم بلده ولها مرجعية قيمية أيضا، لعدم تمتع أي نظام غير ديمقراطي فيها بالإستقرار، إذا كان يعاني من عجز في شرعيته، ويتناقض تناقضا مبدئيا مع قيم المجتمع الحاكمة، وهي إحترام الحريات العامة وحقوق الإنسان، والفصل بين السلطات.

وخلا الخطاب من الاشارة الى الحديث عن الفوارق الجسيمة فى توزيع نسب الدخل القومى بين مواطنيه، واهمية العدل الاجتماعى كضمانة واقعية لحيوية اى نظام سياسى ونمائه، يرافقها التغاضى الواضح عن لغة الارقام الناطقة بصدد الحالة المعيشية والاقتصادية، فلا قيمة لمستوى معيشة الناس، ولا من وصل إليهم خط الفقر، ولا قيمة أيضا لإنهيار البنية الأساسية لمعظم مناطق ليبيا، فجميع قطاعات الدولة في حالة عجز كامل عدا قطاع النفط بشهادة أخر تقرير لصندوق النقد الدولي في معرض حديثه عن ليبيا.

الخطاب يريد من المواطن المثقف الواعي أن يبدأ من جديد من نقطة الصفر الإفتراضية، فيما يتعلق بحرية التعبير والصحافة التي تواجه المصادرة في ليبيا، وإذا كانت الصحافة من الوسائل الهامة في إبداء الرأي وتكوينه فإن المواطن الليبي قد حرم هذه الوسيلة، والحقيقة التي لا تخفي على كل ذي لب أن الصحافة في ليبيا هي صحافة السلطة والحزب الحاكم، وهي تعبير عنهما دون غيرهما، ومن ثم فلا نجد غير رأي واحد يأخذ فى الغالب طابعا دعائيا، وتغدو الصحف وكأنها نشرات إعلامية متقاربة يملها القارئ ولا يعبأ بمضمونها.

دعا الى ظاهرة العشوائية من جديد بضرورة تكوين كومونات، كمجمع إضافى يتسع لعدد كبير من المنتفعين المصفقين، لا رأى له ولا وجود، وباسمه يحكم الحاكم الفرد، موهماالناس مرة اخرى.. وبطور آخر، انه يستمد شرعيته من هؤلاء وأولئك القدامى، الذين لا شرعية لهم فى الاصل، وهى تستهدف كذلك بطريقة مغلفة، دخول القبيلة وتوظيفها كبنية فى محاصرة "الخيانة الاجتماعية"!، بمعنى آخر تضييق نطاق معارضة النظام الثورى، ويراد تفعيلها الان كتنظيم مرادف للهيكل الايديولوجى القائم من لجان ومؤتمرات شعبية فى سبيل تعزيز حماية توجهات العقيد، واحكام سيطرتها فى ضبط حركة الايقاع السياسى داخل المجتع الليبيى.

هكذا بدا لى خطاب العقيد معمر القذافى، الذى لا يمكن ان يعيش بدون أزمة، إذا واجهته مشكلة صغيرة خلق منها مشكلة كبيرة ليتعامل معها، بفكر إنتقائى لا يؤمن بتعددية الرأى.. او التعايش السلمى بين اطراف المجتمع... ويرفض بعنف تنوع الاجتهاد السياسى والثقافى.. وما يقتضيه هذا المنطق من التنافس السلمى على السلطة.. وإعطائها للتيار السياسى الذى يرتضيه الشعب عبر إنتخابات حرة ونزيهة، بل يؤمن بفكرة الحزب القائد الواحد التى تؤدى إلى الواحدية فى الرأى السياسى فى المآل النهائى. فالعقيد أعلن بشكل لا لبس فيه عن إغتيال.. الاصلاح... وحدّد مسألة التعامل معه ضمن أمور ثلاث : الطاعة العمياء... او الثورة الهوجاء... او العمل فى الخفاء.

سمير بن عـلي
benghaziblue@yahoo.co.uk


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home