Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Samir Ben-Ali

Friday, 7 July, 2006

خواطر في مشهد متجدّد

سمير بن عـلي

كنت منذ الصغر.. أسمع وأقرأ عن اهوال التعذيب ومقاصل الموت ووسائل الاذلال فى سجون السلطة الليبية، فيقشعر بدنى وتسود الدنيا فى وجهى. ولما سمعت لبعض شهود تلك الاحداث زاد يقينى بما جرى، وشببت فى اجواء يتناقض فيها واقعان "واقع حقيقى" مخضب بدماء الضحايا وملىء بسحائب الكبت، وينخر فى عظامه سرطان الفساد والافساد فى ليبيا، و "واقع كاذب" مضاد فى الاتجاه يكتسى ثوبا زاهيا من الوعود والآمال العريضة، ويصنع اجواء كلها بريق مزيف من الحرية والكرامة والانتصار تلو الانتصار.. وقطع الواقعان شوطهما وانا والكثيرون ندور بينهما حيارى، ننظر الى البريق فيطول الامل، ونعيش الواقع فتقع الحسرة.

وعشت فترة الجامعة كغيرى من ابناء جيلى.. سنوات من التمزق بين الواقع "الكاذب" والواقع "الواقع" وقضينا تلك السنوات بين شقى رحى هذا الوضع، وعجنتنى وغيرى أحداثه المتناقضة وصنعت منا جيلا نموذجيا.. تم تجريب كل انواع التخويف والكذب والنفاق السياسى عليه، وعايشت مآسى ما جرى للمواطن الليبي على يد مدرسة الدكتورة آمال العبيدى، سعاداللطيف، الطيب الصافى.. آل بن عامر، موسى كوسة ومن سلك دربهم، درب اللجان الثورية. مدرسة الشنق فى الميدان وروادها المتسلحين بثقافة اطلاق الرصاص، نتاجهم زرع الخوف.الخوف الذى يغتال المواهب، ويقبر الابداع، ويمسخ الانسان.. وما زلت اتذكر نصيحة احد اعضاء هيئة التدريس فى تلك الفترة، فقد كان يشفق علينا باستمرار بقوله تخرجوا قبل ان (..) فأنهم يريدونكم الا تتخرجوا، هذا الرجل الذى رفض بعناد الشجعان فكرة وضع ليبيا فى قالب ثقافى واحد يتم بمقتضاه صبغ المجتمع كله بالصبغة الثورية، وضد ان تحكمه مفاهيم احادية التصور ومتصلبة تضع العقبات بدلا من تقديم الحلول، هذا الرجل تم تكريمه بوضعه فى سجن النسيان وزنزانة الاهمال، وقضى فيهما اجمل سنوات عمره وافضل فترات عطائه.

لقد تداعت تلك الذكريات الى عقلى.. وانا اتابع كغيرى تصريحات الرئيس الحالى للمجلس الاعلى للثقافة فى ليبيا ـ احمد ابراهيم ـ الاخيرة، بكونه مع الحوار وسعة الافق ونصير للرأى الآخر، ثم وبدون مقدمات يدير ظهره لذلك كله ويتبرأ مما قال، ثم يضع الامور فى نصابها الصحيح بغض الطرف عن مجهولين "والمجهولين لنا معهم قصص كثيرة فى ليبيا" قاموا بالاستيلاء على مقر الثقافة والفنون بمدينة الزاوية، ولم نسمع او نرى له موقف إيجابى تجاه مطالبات الصحفيين والاعلاميين المتمثل بضرورة انشاء صحافة حرة مستقلة وضرورة النظر فى قانون المطبوعات.. إن تصرف رئيس المجلس الاعلى للثقافة هو تصرف سياسى بحت، يقلب الطاولة على رؤوس الكثيرين.. فالرجل من منظري اللجان الثورية وله باع طويل فى نشر ثقافة القمع، هو خريج فلسفة الاذية وإهانة الكرامة، وزعزعة الهوية، التى تريد تعليم الناس أن ما تعتقده فئة اللجان الثورية حقائق "وهى ليست كذلك"، وهو من انصار مثقف "الإدعاء" الذى يبحث عن لقب أو مهنة فى نادى المثقفين، الذى لديه إمكانية الخوض فى مشاريع ذات علاقة بالسلطة سياسية ومالية، يرى المثقف .. مثقف سلطة فى السلطة وللسلطة، يريد المثقف الهزلى وعديم الدور، الذى يتبنى اللقب فى اطار البحث عن دور بمعنى المصلحة فقط.. مثقف منطق الكسب ـ وما اكثرهم ـ حيث العبر تتوالى هذه الايام.

كثيرا ما انتابنى الشك فى تصرف هؤلاء.. لأن الغيرة على دور تنويرى فى اى مجتمع هى نقطة اللقاء الاساسية بين.. المثقف المسيس والسياسى ونشيط حقوق الانسان والكاتب المبدئى فى طرحه.. فالجميع يعتبر كرامة ابن بلده شرطا اساسيا لإبصار الغد بشكل يليق ببشريته، لكن هى قسوة التجربة فى ليبيا.. التى ابانت لنا بوضوح بان الثقافة المطلوبة هى ثقافة التبعية، التى تتلخص بخروج السلطة السياسية فى ليبيا عن ارادة الافراد والذين يتسم دورهم بالسلبية وعدم المساهمة فى الحياة العامة خشية عسف السلطة واضطهاد زبانية الخوف. هذه المنظومة التى ترفض "ثقافة المساهمة" والتى تعتبر الفرد مواطنا.. من حقه المساهمة فى الحياة العامة وتوجيه عمل المنظومة السياسية، والشكل الاكثر عنفا للقمع، اصبح ليس القمع الذى تمارسه هذه المنظومة أو اللجان الثورية، بل هو تكيف العقل الجمعى فى ليبيا إزاء القمع والاعتياد على الخوف والانسجام معه، وفى استقراره على هذا الإنتماء الاسطورى لهذه المفاهيم، ولا أدرى أى "تجربة" تلك التى يستمر فشلها أكثر من ثلث قرن، ثم يظل اهلها متمسكين بها...

سمير بن عـلى
benghaziblue@yahoo.co.uk


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home