Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Saadoun al-Swaih
الكاتب الليبي د. سعدون السويـح

الخميس 12 فبراير 2009

نجوم الفقيه تغني في نيويورك

د. سعـدون السويـح

الروائي الليبي، الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه، إسم معروف لدى عامة المثقفين وخاصتهم في ليبيا والوطن العربي، فهو كاتب ثر العطاء، عالج القصة القصيرة والرواية والمسرحية، فضلاً عن مساهماته بكتابة المقالة والخاطرة الأدبية والومضة القصصية في كبريات الصحف العربية.

وللدكتور أحمد إبراهيم الفقيه مكانة خاصة لدى أبناء جيلي في ليبيا الذين بدأ وعيهم الثقافي يتكون في ستينات القرن الماضي، إذ كان هو ومجايلوه في تلك المرحلة المهمة من التاريخ الثقافي الليبي يرسمون معالم نهضة فكرية وأدبية في بيئة سياسية وثقافية واجتماعية مضطربة لم تترسخ فيها تقاليد الكتابة والتأليف والإبداع مثلما ترسخت في مصر وسوريا ولبنان، وغيرها من بلدان المشرق العربي... كان أحمد إبراهيم الفقيه ومجايلوه رواداً بكل ما تحمله الريادة من مخاطر وإرهاصات وتحديات... وكنا نحن أبناء الجيل الذي يصغرهم نقرأهم بشغف، وننبهر بعناوين مجموعاتهم القصصية والشعرية، ولا زلت حتى اليوم أذكر مجموعة الفقيه القصصية "البحر لا ماءَ فيه" وكيف استعصى على أستاذي في اللغة العربية (كنت في المرحلة الثانوية آنذاك) استساغة هذا المجاز، غير أني أفلحت ـ بعد لأي ـ في إقناعه بقراءة المجموعة.

توالت إبداعات الفقيه، ونضجت تجربته وتنوعت، وقرأنا له روايتيه "حقول الرماد" و"فئران بلا جحور"، ثم ثلاثيته الرائعة "سأهبك مدينة أخرى" و"هذه تخوم مملكتي" و"نفق تضيئه امرأة واحدة"، التي تشكل، في تصوري، معلماً مهماً من معالم الرواية العربية، بل إنها جديرة حقا بمكانة سامقة في الأدب العالمي، وقد امتلك فيها الفقيه أدواته الروائية امتلاكاً كاملاً، وامتزج فيها الواقعي بالأسطوري والمتخيل، واستخدم فيها الكاتب تقنية "تيار الوعي" استخداماً قل نظيره في الرواية العربية. وصدرت أخيرا للفقيه مجموعته الموسومة بعنوان "خرائط الروح"، والتي يحلو للكاتب أن يسميها "بالإثني عشرية"، وهي عمل ضخم يحمل نفساً ملحمياً، وقد تُرجمت بعض أجزائه إلى اللغة الإنكليزية.

ولست أهدف في هذه المقالة إلى أن أقف موقف الناقد من أعمال الفقيه، أو المحلل لأبعادها الوجودية والفلسفية والاجتماعية المتنوعة، لكنني فقط أريد أن أعبّر عن سعادتي بلقاء هذا الكاتب الصديق هنا في نيويورك، التي أقيم فيها بحكم عملي مع الأمم المتحدة، والفقيه في زيارة هذه الأيام للولايات المتحدة بدعوة من معهد "كندي" في واشنطون دي.سي، ومؤسسات ثقافية أخرى.

كانت مفاجــأة ســارة لي عندما دعانــي الفقيـه لمشاهدة عـرض لمســرحيته "غنــاء النجوم" مســاء 31\1\2009 على المســرح النيويوركــي الطليعي (The Abe Burrows Theatre)، وقد تولت تنظيم العرض كلية "تيش للفنون" التابعة لجامعة نيويورك.

كان مساءً شديد البرودة، وعندما دلفت إلى داخل الردهة الدافئة، وجدت أمامي الصديق الأستاذ خالد جبيلي، زميلي في الترجمة بالأمم المتحدة والأديب ذو الذوق الرفيع الذي نقل كثيراًمن الأعمال الإنكليزية إلى العربية، وسعدت بأنه كان مدعواً للحضور.

دخلنا معاً قاعة المسرح، وجلسنا في الصف الأول إلى جانب الدكتور أحمد الفقيه الذي كانت تعلو محياه إبتسامة دافئة ودودة.

لم يكن على أرضية المسرح أي نوع من الديكور، فهذا النوع من المسارح النيويوركية يعتمد عل تقنية التبسيط (Minimalism)، وبدأ العرض بتحية وجهتها السيدة إليزابث برادلي، رئيسة قسم الدراما في جامعة نيويورك. وكان العرضان الأولان عبارة عن مونولوغين لكاتب فرنسي وكاتبة هولندية، وأدى المونولوغ الأول ممثل، والمونولوغ الثاني ممثلة، ببراعة مدهشة من حيث طريقة الإلقاء وتقمص الظلال المختلفة للشخصية موضوع المونولوغ.

وبعد فاصل قصير، بدأ عرض مسرحية الفقيه "غناء النجوم" في ترجمتها الإنكليزية الجميلة، التي قام بها ليلي الخالدي وكريستوفر تنغلي.

على أرضية المسرح يقف شاب وامرأة في مقتبل العمر، ونفهم من تعليق الراوي أنهما توجها على دراجة نارية (لا نراها على المسرح) إلى موقع صحراوي ناءٍ طلباً لمتعة الحب في مكان لا يراهما فيه أحد، فالمرأة متزوجة ولها أولاد، وتزعم أنها تحب زوجها وأولادها، لكنها تتوق إلى المغامرة وكسر رتابة واقعها اليومي... يتحاور البطلان ويتبادلان عبارات الحب ويحلقان في عوالم خيالية ويبدو لهما هذا المكان المقفر أشبه بالفردوس الأرضي، ويخيل لهما أنهما يسمعان معاً غناء النجوم ويرددان ذلك الغناء... وفجأة يدخل المسرح شاب يصرخ مخاطباً العاشقين: فقا...قفا لا تبرحا مكانكما فأنتما في حقل ألغام!

يتسمر البطلان... تعقل لسانيهما الدهشة... حقل ألغام؟!... كيف لم ينتبها إلى ذلك؟ كيف يتحول هذا المكان الذي كان جنتهما إلى جحيم يزرع الموت تحت أقدامهما؟ كيف الخلاص؟ وهل من خلاص؟ النذير يقول لهما: ليس أمامكما إلا الانتظار حتى تأتي الشرطة والصحافة، ويضيف ـ دون مواربة ـ أن إنقاذهما يبدو ضربا من المستحيل، فالموت ينتظرهما في كل خطوة.

وهنا تتصاعد حدة الدراما المسرحية... تتغير نبرة الحوار... المرأة العاشقة تفكر في الفضيحة التي سيتحدث عنها الجميع، وتلعن المكان والظروف والعاشق الذي قادها إلى ذلك، والرجل يبدو خائفاً مرتعشاً يفكر في الموت الذي يتربص به.

تزداد عبثية الموقف عندما يصل الصحفيون ويمطرون العاشقين بأسئلتهم: ماذا تصنعان هنا؟ من أنتما؟ كيف جئتما؟ ألم تريا التحذير المكتوب؟ ما الذي حبب هذا المكان إليكما؟ وتسري عبثية الموقف إلى الجمهور الذي تصيبه هستريا الضحك أمام هذا المشهد التراجيدي ـ الكوميدي.

فجأة يجيب البطل إحدى الصحفيات الفضوليات: لقد سمعنا البارحة غناء النجوم... إنها كانت تغني هكذا: ترالالا...ترالالا...ترالالا، وبحركة لا شعورية يأخذ بيد المرأة ليتقدما معاً وهما يغنيان: ترالالا...ترالالا...ترالالا، ويختلط صوتهما بصوت المشاهدين وهم يصيحون: قفا...قفا.

وتسدل الستارة قبل أن ينقطع صوت الغناء، ولا ندري مصير البطلين إذ لا نسمع دوي انفجار، وهكذا يترك الفقيه نهاية مسرحيته مفتوحة.

كان استقبال الجمهور الأمريكي النخبوي لهذه المسرحية مدهشاً حقاً حتى أن السيدة برادلي تساءلت: هل حُورت هذه المسرحية من خلال الترجمة لتلائم المشاهد الأمريكي؟

ولكن النقاش الذي دار بعد العرض مع الروائي الدكتور الفقيه كان كفيلاً بإقناعها أن هذا النوع من المسرحيات عالمي التوجه، وقد أشار بعض المناقشين إلى أوجه الشبه بين مسرحية الفقيه وبين مسرحية صمويل بيكيت الشهيرة "في انتظار غودو"، فكلتا المسرحيتين تتناول محنة الوجود الإنساني، وحقل الألغام هو الحياة نفسها بكامل ما تنطوي عليه من مخاطر، وربما كان رمزاً أيضا لما يجابهه الإنسان العربي ـ على وجه الخصوص ـ من ألغام سياسية وثقافية واجتماعية، وقد أشار الكاتب إلى أن المسرحية لاقت نجاحاً كبيراً في الأرض المحتلة "فلسطين" إذ أحس الفلسطينيون أنها تعبر عن مأساوية وجودهم في ظل الإحتلال.

وكل هذه الدلالات محتملة وممكنة، ولكن أروع ما في مسرحية الفقيه، التي وإن كانت ذات ملامح "بيكيتية"، هو أن البطلين يتحركان من دائرة "اللافعل" إلى دائرة "الفعل"، فهما لا يقتنعان مثل "فلاديمير" و"إستراغون" في مسرحية "في انتظار غودو" بمجرد الإغراق في عبثية لغوية وهما ينتظران "غودو" دون أن يفعلا شيئاً.

بطلا الفقيه يخطوان فوق حقل الألغام ويتقدمان وهما يغنيان، إنهما يحاولان تغيير قدرهما، وإن كانت نتيجة المحاولة مجهولة، فالفعل هنا قد يفضي إلى الموت أو إلى الخلاص، ولكن الفعل هو قدر الإنسان منذ إقترب آدم وحواء من الشجرة المحرمة.

خرجنا ثلاثتنا من المسرح، الفقيه وخالد وأنا، ولفحنا برد نيويورك اللاذع... حثثنا الخطى نحو أقرب مقهى... بعث فينا دفء المقهى وعبير القهوة إحساساً غامراً بفرح طفولي ولحظة تصالح نادرة مع الوجود.

ارتشفنا قهوتنا وصمتنا قليلاً: كنا نسمع غناء النجوم!

نيويورك
31\1\2009


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home