Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Sulaiman al-Shuja'
الكاتب الليبي سليمان الشجاع

الجمعة، 27 يونيو 2008

في بلاد العرب

سليمان الشجاع

الإنسان المبدع يعبر عن حبه للحياة وتقديره لها عبر إبداعه وإضافة قيمة للحياة شعرا ونثرا نحتا ورسما موسيقى وفنا انه يكتب عن الحياة وللحياة ويغني عن الحياة وللحياة ويرسم وينحت ويجاهد يحيا ويموت في سبيل الحياة وليس عبر خطبة عصماء يحرض بها معمم مجنون يعتلى المنبر يحض الناس على سفك الدماء والاستشهاد في سبيل الإسلام وإعلاء كلمة الله حسب زعمه فتتار عواطف الناس السذج ويلتحقون بأول تنظيم إرهابي في الجوار وما أسهل ذلك فقد استغل الإرهابيين التقنية الحديثة أحسن استغلال لنشر ضلالهم وباطلهم فافتتحوا مواقع لهم على الانترنت وقنوات فضائية ولا تسأل عن التمويل المالي من أين؟ فالله يرزق من يشاء بغير حساب فيتعلم صناعة العبوات المتفجرة والأحزمة الناسفة لينهي بها تافه ونكرة حياة عشرات من الأبرياء وتضاف نقطة سوداء أخرى في سجل تاريخ دولة العروبة والإسلام ولا إكراه في الدين فقد تبين الرشد من الغي فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

في بلاد العرب يتوقع الإنسان المبدع أن تأتيه هدية أو رسالة شكر وتقدير من القارئ العربي فتصله رسالة تهديد ووعيد وقال وقيل وسلسلة من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة وأقوال أئمة السلف الصالح لتخرجه من الظلام إلى النور وإذا لم يمتثل للتهديد والوعيد وصلته عبوة ناسفة أو رصاصة غادرة من خفاش كان يترصده في الظلام تنهي حياته.

في بلاد العرب رأيت العجب رأيت ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ينتظر الإنسان المبدع أن تأتيه دعوة لحضور أمسية ثقافية أو دعوته ليتم تكريمه في إحدى المهرجانات فتصله دعوة من نوع أخر من قبل أجهزة الأمن والمخابرات ليتم التحقيق معه عن مقالة كتبها أو كلمة تفوه بها وإذا لم يوجد سبب أو شبهة تكون سببا لتعكر عليه صفو حياته يتم التحقيق معه عن صمته فحتى الصمت في بلاد العرب ممنوع فلربما سجلت الرجال مواقفها عبر صمتها فالمطلوب هو الهز والتصفيق والمديح لطويل العمر حفظه الله ورعاه وأطال عمره وأبقاه.

في بلاد العرب لا يتم تكريم الإنسان المبدع إلا بعد أن يكرمه الغرب ولكي يحظى باحترام الجمهور يتم تقديمه وتعريفه لهم بأنه الحاصل على جائزة نوبل أو جائزة الأدب السويسري أو الروسي وسيتهافت بعدها الزعماء والقادة لدعوته لحضور مناسباتهم الوطنية ومهرجاناتهم الثقافية التهريجية وسيلتقطون معه بعض الصور لتنشرها وسائل الإعلام ويعتصرون منه بضعة كلمات تشيد بهم وتعطي شرعية لأنظمتهم الفاسدة وأذكر هنا وأشيد بموقف الشاعر الكبير طاغور عندما أرادت الهند تكريمه رفض حضور التكريم أو استلام الجائزة لأن تكريمهم له جاء بعد اعتراف الغرب به كشاعر كبير رغم أن أعماله الشعرية كانت مطبوعة وموجودة في مكتبات الهند قبل أن يكرمه الغرب بعدة سنوات وبلغتها الأصلية (البنغالية) وجودتها وقيمتها في أصالتها ليست كما في النسخ المترجمة التي تفقد الشعر جماليته وطبيعيته والتي رغم ذلك قدرها الغرب.

في بلاد العرب الإنسان المبدع ملاحق في حياته من قبل أجهزة الأمن والمخابرات التي تعد عليه خطواته وأنفاسه وبعد وفاته وصمته إلى الأبد يتم تكريمه من قبل نفس الرجال الذين ضيقوا عليه حياته فيجتمع كبار المسئولين في الدولة لحضور جنازته ويلقي بعضهم الخطب والكلمات الرنانة مديحا وثناء وحزنا وألما على الراحل الكبير الذي فقدته الأمة وربما أقيمت له جنازة رسمية وبني حول جثمانه ضريح من الرخام والمرمر يخلد ذكراه رغم انه كان في حياته فقيرا بائسا لا يجد ما يستر به نفسه أو يعيل به عائلته يكاد سقف شقته يسقط على رأسه.

الإنسان المبدع في بلاد العرب ليطبع كتابه يحتاج للمرور على العديد من الجهات الرسمية والرقابية والمكاتب الأمنية لكي يحصل على الموافقة على نشره ومقص الرقيب يقتطع الكلمات (والرقاب كذلك) وهناك مواضيع محظور الكتابة عنها نهائيا ولن تستطيع أي دار نشر خاصة أو عامة أن تنشر لك أي عمل دون إرفاقك لنسخ من هذه الموافقات مع نسخة عملك ولربما سمح بنشره في الطبعة الأولى ويحظر عليه النشر في طبعة لاحقة لأن الكاتب تغيب عن إحدى الحفلات الرسمية التي يحتفل بها الدكتاتور كذكرى اعتلائه العرش أو تولية ابنه أو أخيه وليا للعهد كذلك الفنان والرسام والنحات لن تنشر أعمالهم وتقام لهم المعارض إلا إذا رضي الزعيم عنهم ومجدوه وعظموه وسبحوه بكرة وأصيلا في أعمالهم فالرسام لتنشر أعماله يجب أن يرسم الزعيم وهو يمتطى جواده شاهرا سيفه في الهواء ( في وجه شعبه) والنحات يجب أن ينحت تمثالا للقائد التاريخي الذي لم يشهد التاريخ مثيلا له ليوضع في قلب ووسط الميادين العامة.

الإنسان المبدع في بلاد العرب بعد إغلاق المراكز الثقافية واستبدالها بمؤسسات وتجمعات حزبية غوغائية تضم لفيف من المنافقين يحسنون التصفيق والهز على واحدة ونص لا مكان له سوى التسكع والتسول في الشوارع وإذا ما فكر في زيارة بعض الأصدقاء فعليه أن يجلس معهم في وضح النهار وأمام أعين المارة وعليه أن يتكلم بصوت عالي مسموع فالهمس ممنوع حتى لا يثير الشبهات وعليه الحذر ولا يلومن إلا نفسه إذا التقى بأصدقائه في أحد البيوت فقد يقع ما لا يحمد عقباه وتشن قوى الأمن هجوم على المجتمعين ويتهمون بالتآمر ضد الدولة وتمر السنوات وهم يساقون من مكتب إلى أخر ومن شعبة إلى أخرى ويضافون ضيافة عربية أصيلة تعلمهم معنى حقوق الإنسان في بلاد العرب إلى أن تثبت براءتهم وبعد عملية إطلاق سراحهم عليهم أن يحمدوا الله سبحانه وتعالى ويشكروا طويل العمر الذي أفرج عنهم وأنهى معاناتهم بمناسبة الذكرى الثلاثين أو الأربعين لتوليه مقاليد الحكم في البلاد.

وبعد هذا وذاك يتساءلون عن سبب هجرة المبدعين والعقول العربية إلى الغرب ويتباكون عليها ويقيمون الندوات والمؤتمرات يتمنون عودتهم حلم إبليس بالجنة كما يعبرون أيرضى إنسان عاقل حصل في بلاد الغرب على إنسانيته وحقوقه وتقديرا لعمله ومجهوده وفرصة تعليم أفضل لأبنائه أن يترك النعيم ليقيم في الجحيم فاصغر مسئول في الحزب يمكن أن يصفعه على وجه إذا ما طلب منه خدمة لم يقدمها له وأبعد أقارب الرئيس وكبار المسئولين يمكن أن يفصله من عمله ويخرجه حتى من منزله الذي يسكن فيه وورثه عن والده لماذا؟ لأنه بالمختصر المفيد لا توجد دولة في بلاد العرب توجد مزرعة يملكها دكتاتور يتقاسمها مع أبناء قبيلته وأقاربه وكبار مساعديه وأذنابهم يلتقطون الفتات والمواطنين لهم الله فهم موعودين بالجنة إذا ما صبروا كما أخبرنا الشيخ الألباني رحمه الله وحشره مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين.

سليمان الشجاع
Ya-ali-12@hotmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home