Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Saleh Abdelaziz al-Sewi
الكاتب الليبي صالح عبدالعزيز السيوي


Saleh Abdelaziz al-Sewi

Wednesday, 22 November, 2006

مصراتة وتشكلها العـمراني.. الأسباب والنتائج(*)

صالح عـبدالعزيز السيوي

انطلاقاً من المسلّمة القائلة بأن العمران مرآة تعكس الواقع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي الذي ولد به المبنى أو الكيان العمراني، وأن العمران نتيجة حتمية لجملة من الأسباب والمسببات، أقول بأن العديد من النتائج ربما تولدت عن توجهات ومبادئ غاية في النبل والمثالية والرقي. ولكن النتائج المخيبة للآمال قد تدفعنا وبشكل تلقائي للتنازل أو حتى التنكر لمبادئنا التي آمنا بها طويلاً وكافحنا من أجلها سنين. فمن المنطقي أن مبادئنا الصحيحة أو التي نؤمن أنها كذلك، يجب أن لا تجعلنا نركن إليها ونستكين لها ونتمسك بها بغض النظر عن النتائج، بل إن أكثر الناس لا يعتدون إلا بالنتائج بصرف النظر عن الشعارات مهما كان بريقها :

أولاً : حقبة الستينات (البداية والتأسيس) :
لعل من أبرز أحداث تلك الفترة والتي لها علاقة مباشرة بموضوعنا :

1- مخططات الجيل الأول (1968-1988)
تم توقيع عقود مع مكاتب استشارية أجنبية لوضع مخططات لعدد من المدن والقرى الليبية.. مصراتة كانت من نصيب مكتب مقره الرئيسي في روما يدعى:
Mc Gauhy, Marshal, Mc Millan & Locus.

2- . القوانين والتشريعات: بالتزامن مع وضع المخططات، تم صياغة عدد من التشريعات المنظمة للتطور العمراني لعل من أهمها القانون رقم (5) لسنة 1969، وما انبثق عنه من لوائح كان لها كبير الأثر في تشكيل المدن الليبية.

- لائحة استعمالات الأراضي وتصنيف المناطق.
- لائحة تقسيم الأراضي.
- لائحة المباني.
المخطط بحق كان بوابة المدينة للدخول في قائمة المدن العصرية، ودافقاً للتطور والاستثمار في مجال العمران، إلا أن ذلك المخطط تعرض للكثير من الانتقادات :

1- المخطط تجاهل الوضع الديموغرافي للمنطقة، وتركز فقط على المنطقة المحصورة داخل الدائري الثاني وجزء من مثلث القوشي، والتي كان يقطنها 20 ألف فقط من بين 73 ألف كانوا إجمالي سكان متصرفية مصراتة والنتيجة أن منطقة مصراتة العمرانية والتي كان يقطنها 40 ألف مواطن عوملت على أنها خارج المخطط مما وفر أرضية مناسبة للتجاوزات والنمو العشوائي.

2- المخطط لم يراع الحالة الخاصة التي كان يجب أن يعامل بها مركز المدينة القديم، والنتيجة كما نرى اضمحلال مركز المدينة القديم بصورة كاملة، وفي كل الأحوال فإن المخطط ليس وحده المسؤول ولكنه عمل سلبي شاركنا جميعاً في ارتكابه. إن نقدنا للمخطط لا نقصد من ورائه الإقلال من قيمة جهود أولئك الرجال الذين كانوا وراء إبراز لمخطط للوجود، كما أن ذكر السلبيات لا ينسينا الإيجابيات الغزيرة له والتي آتت أكلها في حقبة السبعينات.

ثانياً: حقبة السبعينات (التطبيق والتطوير والبناء) :

تميزت هذه الحقبة بالنشاط وسرعة الإنجاز، إدارات فتية وشباب متحمس، وإحساس وطني وقومي عارم، وعائدات نفط عالية، ومجتمع لم يتعود الاستهلاك والتبذير. كل هذه العوامل وفرت أرضية ملائمة لعملية بناء وتشييد ونهضة عمرانية بشكل ملفت للانتباه، فخلال سنين لم تتجاوز في عددها أصابع اليد الواحدة، تم تشكيل مصراتة الحديثة الواقعة تحديداً داخل الدائري الثاني.. شركات القطاع قامت بتنفيذ مشاريع الخدمات المختلفة (مستشفى مركزي، مدارس، معاهد، مشاريع إسكانية، شبكات طرق....الخ) الخواص كان لهم دور متميز مثل: تقسيم الأراضي وإعدادها للبناء.. أعمال المقاولات في مجال البناء.. الاستثمار في مجال الإسكان.

ثالثاً: حقبة الثمانينيات (اضمحلال القطاع الخاص التقليدي وسيطرة القطاع العام) :
تميزت هذه الحقبة بأحداث كان لها بالغ الأثر في التشكيل العمراني للمدينة:
1. مخطط الجيل الثاني (1988-2000)
2- اختفاء دور القطاع الخاص التقليدي.
أهم الملاحظات التي تم تدوينها في هذا المجال وهي :

أ. تزامن تطبيق مخطط الجيل الثاني مع تبدل في التوجهات والمنطلقات والمبادئ، والتي بموجبها انتهى دور المقاولات التقليدية القديمة، وكذلك الشركات التقليدية العامة. والتي كان لها دور الريادة في السبعينات وبقراءة متأنية للتقرير النهائي الخاص بالمخطط نرى أن المخطط قد أعد وفقاً للمخططات القديمة... أي وكأن من سيقوم بعملية التطوير هو القطاع الخاص التقليدي والذي شلّت حركته مما أربك الإدارات الفنية المعنية بتطبيق المخطط فيما بعد.

ب. المخططات طويلة المدى تبنى على أساس التوقعات المستقبلية، وقد أخفق المخطط في توقعاته.. فهو يتوقع مثلاً أن يكون سكان مصراتة بحلول عام 2000 حوالي 400000 ألف نسمة في حين أن عدد السكان في عام 2000 لمنطقة التخطيط لم يتجاوز 230000 ألف نسمة.

ج. التشريعات المعنية بتطبيق المخطط كانت من بقايا النظام القديم، ولم يحدث تطويرها وفقاً للتبدل في التوجهات.

هذه العوامل وغيرها أربكت الإدارات الفنية المعنية بالمخطط بل شلّ حركتها وأوقف فعاليتها. وأصبح المخطط يعني شبكة طرق رئيسية لا أكثر ولا أقل.

د. في ظل غياب تطبيق لائحة تقسيم الأراضي نتيجة للضبابية المتعلقة بموضوع ملكية العقارات وعدم وجود بديل فاعل عنها سهّل عملية تهيئة الأراضي للبناء عليها تعطلت عملية مخططات التطبيق أو المخططات التفصيلية.

هـ. البديل التشاركي في المؤسسات القديمة حديث التكوين ولم تتراكم لديه الخبرة ولا رأس المال الكافي، لذا.. لم يكن قادراً على القيام بالأعمال المطلوبة في المجال العمراني، ولهذا رأينا دوراً رئيسياً للشركات الأجنبية في العملية العمرانية.

رابعاً: حقبة التسعينات:

1- الحصار ربما كان هو سيد اللعبة في التسعينات ولهذا السبب وأسباب أخرى انكمش دور الشركات الأجنبية.. وأضحت التشاركيات الجديدة تقوم بالأعمال الصغيرة وربما متوسطة الحجم وبرزت مؤسسات حكومية جديدة تشبه إلى حد بعيد الشركات القديمة وهي أجهزة الأعمال العامة. وصار الابتعاد عن المشاريع الكبيرة واقتصرت الأعمال على أعمال الصيانة أو الإضافات البسيطة.
2. إذا أخذنا مدينة مصراتة كمثال على التشكل العمراني في هذه الحقبة وما يعكسه هذا التشكل من أوضاع إدارية وثقافية أمكننا القول أنه وفي ظل غياب مركزية التفكير والقرار، نشاهد العديد من المباني المهمة في شكلها يغلب عليها الطابع الخدمي قامت بها مؤسسات وفقاً لمزاج وطموح مسؤوليها ولا يمكن تقدير الهدف منها أو وضعها في سياق معين تم الاتفاق عليه.

والآن وقد شرب أهل العقد والحل نخب توقيع عقود بعشرات الملايين مع مكاتب استشارية محلية هذه المرة، نتساءل هل توصل المعنيون بإعداد المخططات وبعد رحلة دامت عقوداً إلى أنه لا مناص من اشتراك النخب الواعية والمثقفة وإقحامها بجدية في رسم صورة مدنها؟.
________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحف مصراته المحلية.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home