Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Al-sadeq al-Faqih
الكاتب الليبي الصادق الفقيه

Monday, 27 August, 2007

نظرات في خطاب سيف الإسلام

الصادق الفقيه

لا شك ان بلادنا الحبيبة ليبيا تمر بطور سياسي جديد، يدل عليه هذا التدافع البين الواضح بين أقطاب النظام السياسي الليبي،والمتمثل في حالة من عدم الاستقرار الهيكلي والبنيوي، في محاولة للتحول إلى صورة جديدة من صور العقد الاجتماعي، والذي انعكس في خطاب سيف الإسلام ـ رئيس ليبيا المقبل ـ الذي ألقاه في مدينة بنغازي الخالدة في العشرين من شهر أغسطس الجاري.

ولكي يمكن للمرء من أن يفهم حقيقة هذا الخطاب، ومن هي الأطراف المقصودة بهذا الخطاب أصالة، وما هي الدلالات السياسية والفكرية التي حملتها كلمة سيف الإسلام، لابد من وضع النقاط على الحروف، ولابد من أن نفهم طبيعة النظام السياسي القائم في ليبيا، ولابد كذلك من إدراك صحيح لخارطة العالم السياسية ولأثر القوى العظمى التي لا يهمها أكثر من تحقيق مصالحها في الحصول على ما تريده من ثروات وخيرات الشرق العربي المسلم.

أولاً: التصور الصحيح للمنظومة السياسية الحاكمة في ليبيا:
إن المتأمل الناظر في المنظومة السياسية القائمة في ليبيا يخلص إلى أن هناك قاعدة أساسية راسخة صلبة هي التي تحيط بالنظام وتحفظ عليه شخصيته الثورية وتمنعه من الاستجابة الكاملة التامة لمطالب الإصلاح التي تنادي بها كثير من فصائل المعارضة الواعية الناضجة، وهذه القاعدة تضم الأطراف التالية:
1- الضباط الوحدويون الأحرار.
2- رفاق القائد.
3- حركة اللجان الثورية.
4- الحرس الثوري الأخضر.
5- الحرس الشعبي.
6- مواليد الفاتح.
7- جملة النفعيين المتنفذين في أجهزة النظام المختلفة.

وتحدد مهام هذه القاعدة البطاقة الخضراء، التي ينظر إليها باعتبارها المنهاج الذي ينبغي أن يضبط حركتها،بالإضافة إلى الأطروحات الفكرية والكتابات التي صدرت عن العقيد القذافي، وتأتي على رأسها النظرية العالمية الثالثة التي صارت تمثل أكبر تحد لعجلة الإصلاح السياسي في ليبيا.

وهناك قاعدة أخرى للمنظومة السياسية الليبية وهي كما يسميها بعض الباحثين الليبيين " القاعدة الرخوة" باعتبارها قادرة على التكيف السريع مع أي تغييرات يمكن أن تحدث في هيكل النظام السياسي القائم، وهذه القاعدة الرخوة تتمثل في محورين اثنين:
1- المؤتمرات الشعبية.
2- اللجان الشعبية.
ويطلق النظام الليبي على هذه المنظومة السياسية تعبير " الديمقراطية المباشرة".

ثانياً: موقف سيف الإسلام من النظام السياسي الحاكم:
الملاحظ من خلال ما ينادي به سيف الإسلام في خطاباته وتصريحاته أن الرجل متمسك بخيار "الديمقراطية المباشرة" أو ما يعرف بسلطة الشعب، وقد ذكر في خطابه الأخير هذا المعنى بكل وضوح، بل إنه عزى الفشل السياسي الذي حدث عبر السنوات الماضية إلى وقوع أخطاء سببها عدم التطبيق الصحيح للأطروحات العالمية الخالدة، مع أن الرجل لم يبين لنا ذلك على وجه التفصيل وإنما اكتفى بالإشارة إلى هذا المعنى.

والخلاصة أن سيف الإسلام وهو يظهر بمظهر الداعية إلى الإصلاح والحامل للواء التجديد السياسي داخل ليبيا، ومن خلال ما جاء في خطابه الأخير، يحاول جاهداً أن يمسك بالعصا من وسطها، فهناك الكثير من الأطراف الذين يودون أن يعرفوا موقفه منهم،ويتمنوا أن يفصح عن منهجيته السياسية التجديدية، أو على الأقل الخطوط العامة التي سيسير عليها في مشروعه الإصلاحي، باعتباره المرشح الأول لتولي قيادة البلاد، في ظل ما علم من تدهور حالة العقيد الصحية، وكبر سنه، وإفلاسه من الناحية القيادية والسياسية، وفي ظل حالة الاحتقان التي يعيشها الشارع الليبي منذ أمد ليس بالقريب، وفي ظل مناداة العالم الغربي بضرورة تصدير الديمقراطية إلى العالم العربي، وفي ظل الخوف العالمي من أن تقفز التيارات الأصولية إلى كرسي الحكم في أي من البلاد العربية الإسلامية، وأظن أن خطابه جاء كرد فعل طبيعي لتساؤلات كثيرة من أطراف متعددة متنوعة، داخل وخارج التراب الليبي.

ثالثاً: رسائل إلى من يهمهم الأمر.
الذي يتأمل كلام سيف الإسلام، ويتدبره حق التدبر يصل إلى نتيجة مفادها أن الرجل حاول من خلال كلمته تلك أن يرسل جملة من الرسائل إلى الأطراف المعنية بالشأن الليبي في الداخل والخارج.

1- رسالة إلى الساسة الأمريكيين: حيث حاول سيف الإسلام أن يبين لهم أنه معجب بنظامهم السياسي، وذلك من خلال اقتباسه لكثير من الأمثلة التي ضربها من الواقع السياسي والاقتصادي الأمريكي، ولعل في ذلك مغازلة للتيارات السياسية الأمريكية وإشارة إلى أنه يعترف لهم بالتتلمذ على كتبهم وتقاريرهم وأفكارهم.
2- رسالة إلى التيارات الإسلامية: حيث اعترف سيف الإسلام بأن ليبيا لا يمكن أن يطلق عليها دولة علمانية بمعنى أنها دولة تحترم الدين ، وقال : إن القرآن كتاب جاء من عند الله فلا ينبغي رفضه، بل هو من الخطوط الحمراء التي لا ينبعي تجاوزها. إذا الرجل يعترف بالله تعالى رباً، ويشهد بأن القرآن جاء من عند الله وأنه من المسلمين، وبذلك – حسب تصوري- يمكنه أن يمنع تسلل فكرة: هل سيف الإسلام كافر أم لا؟ إلى أذهان الكثيرين من شباب الصحوة خاصة المنتمين إلى التيارات الجهادية الذين يبنون مواقفهم من الحاكم في كثير من الأحيان على هذا الأساس.
3- رسالة إلى دعاة الانفصال بين شرق ليبيا وغربها: حيث جاء في كلمته أن وحدة التراب الليبي هي من المسلمات التي لا تقبل النقاش و لا التحاور، وبذلك يسد الطريق أمام أي دعوة يمكن أن تجعل من تصورها التجديدي تقسيم التراب الليبي، على أساس قبلي أو عرقي أو إثني أو ما إلى ذلك مما جاء في كتابات بعض المعارضين خارج تراب الوطن.
4- رسالة إلى الكيان الصهيوني: وفي نظري فخطاب سيف الإسلام جاء فيه شئ من التلميح بإمكانية الاعتراف بالكيان الصهيوني، إلا أنه وللانصاف لم يكن ذلك في غاية الوضوح، لكنه يبقى أمرا محتملا.
5- رسالة إلى القيادة التاريخية: حيث أكد أن أباه العقيد القذافي من الخطوط الحمراء التي لا يمكن المساس بها، وبذلك ينهي سيف حالة من الجدل القائم من حيث إمكانية محاسبة القذافي الأب على الحقبة الماضية التي حكم فيها ليبيا، بما فيها من جراحات وانكسارات للشعب الليبي، وإذا كان القذافي الأب من الخطوط الحمراء فإنه لن يمكننا الحديث عن محاسبة المسؤولين في النظام السياسي الذين تسببوا في الكثير من مصائب الشعب الليبي وتشريد أبنائه وتبديد ثروته؛ لأن محاسبتهم تعني محاسبة القذافي وهو أمر في غاية المستحيل!!!
6- رسالة إلى تيارات المعارضة وأحزابها: وذلك حين ذكر في كلمته ضرورة العمل على توفير منابر سياسية يمكنها أن تتكلم في الشأن السياسي الليبي، وتعمل على إعادة إحياء الثقافة السياسية التي تشجع الليبيين على الانخراط في عملية الحراك السياسي المتوقع في ظل التيار التجديدي الذي يتزعمه سيف الإسلام.
7- رسالة إلى الشعب الليبي: وذلك بما حوته كلمته من أرقام مالية فلكية تقرر صرفها على الكثير من المشاريع التي تهدف إلى ترميم ما تبقى من البنية التحتية خاصة في منطقة شرق ليبيا، والحديث عن الدستور المزمع أصداره ، والمحافظة على أمن ليبيا ووحدتها.

رابعا: الحلقة المفقودة
بغض النظر عن الصفة التي خاطب بها سيف الإسلام الليبيين، وبغض النظر عن النوايا الحقيقية التي لا يعلم إلا الله كنهها، وهل يعني سيف ما يقوله أو هو مجرد ذر للرماد في العيون ومحاولة من النظام الليبي لكسب بعض الوقت ريثما يرتب أوراقه الداخلية، بغض النظر عن كل ذلك أقول:إن هذه المبادرة من سيف الإسلام تستحق منا -نحن المعارضين السياسيين- أن نعطيها فرصة كي تنتعش وتخرج إلى حيز الوجود، شفقة بشعبنا الذي أتعبته التجارب وأنهكته القيود.

وليس هذا من باب الجبرية الفكرية، أوالوصول إلى طريق مسدود، وإنما هو في غاية العقلانية والتعايش مع الواقع المحلي والعالمي.
فالذين ينادون بأنه لابد من الإطاحة بالنظام الحاكم جملة وتفصيلاً قبل البدء في أي حديث عن الإصلاح ـ مع احترامي الشديد لرأيهم ـ هولاء يناطحون الصخر ويعاندون الرياح، ويسبحون ضد التيار، ويحكمون على أنفسهم بالعيش خارج دائرة التأثير الفعلي السياسي؛ ذلك أن النظام استطاع أن يرتب أكثر أوراقه الخارجية مع المخالفين له في كثير من القضايا المعروفة وآخرها قضية الأيدز، والذي بيدو من خلال كلمة سيف وتصريحاته المتنوعة أن هناك تسوية تمت بين النظام وبين القوى السياسية الكبرى التي تعد لاعباً رئيسياً في صناعة الأحداث، مع الأخذ بعين الاعتبار أن سيف الإسلام ليس شخصية عسكرية كأبيه، بل هو شخصية مدنية واضح فيها إلى حد بعيد التأثر بالقيم الفكرية الراقية، إلا أنه لا يزال في حاجة إلى الكثير من المران والتمرس.

أنا حقا مشفق على سيف الإسلام من هذه التجربة الخطرة، وأرجو أن يكون في مستوى المسؤولية التي وضع نفسه فيها، وألا يخل بوعوده التي قطعها على نفسه أمام إخوانه من الليبيين الذين يتطلعون بكل صدق إلى حياة هانئة كريمة " لا مغبون فيها ولا مظلوم"، إلا أنني أكثر شفقة على ليبيا الحبيبة وما تخبئه لها الأيام القادمة من أحداث جسام.

الصادق الفقيه


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home