Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Said al-Araibi
الكاتب الليبي سعيد العريبي


سعـيد العـريبي

Friday, 30 March, 2007

أطباء بلا ضمائر(*)

من بنغـازي إلى الدار الآخرة

سعـيد العـريبي

جلس في ركن قصي ، بعيدا عن المجلس الذي جمعني وبعض الأصدقاء .. وكنت بين الفينة والأخرى استرق النظر إليه .. وأستغرب لماذا يجلس هناك وحيدا .. وقد لاحظت أنه كان مهموما حزينا .. يطرق برأسه مفكرا تارة .. ويهزه في حسرة وألم تارة أخرى .
تركت المجلس وأقتربت منه .. لم أكن أعرفه من قبل .. لكنني وقد شاهدت علامات الأسى والحزن التي ترتسم على وجهه .. رغبت في أن أخفف عنه بعض ما يجد .. سلمت عليه وقلت له : هل من مساعدة يمكنني أن أقدمها لك .. ؟
فرد علي بجواب لم أكن أتوقعه أبدا .. بكلمات تقطر ألما وحسرة قال لي :
ــ أنا فقط في حاجة إلى من يبكي معي .. هل أنت على استعداد لتبكي معي قليلا .
ــ قلت له : هون عليك الدنيا بأسرها لا تساوي عند الله جناح بعوضة .
ــ فرد علي بقوله : " ما ايحس بالنار إلا اللي واطي فيها " .
ــ قلت له : معك حق .. ولكن هل لك أن تقص علي حكايتك .. كي أشاركك بعض ما تجد .. على أقل تقدير .
ــ فقال : حكايتي .. بسيطة .. ولكنها مؤلمة .. أنا رجل فقير كما ترى ، أعول أسرتي الكبيرة ووالدتي الطاعنة في السن .. وأتقاضى مرتبا بسيطا نعيش به على الكفاف ، ونستغني في اغلب الأحيان حتى عن الضرورات .
ــ قلت له لأخفف عنه : أتعني السيارة مثلا .. ؟ أعرف العديد من الأصدقاء ، ممن لا يستطيعون شراءها .
ــ فقال لي مستغربا : السيارة !!! السيارة والمكيف والثلاجة ، كل هذه أعتبرها من الكماليات التي يمكن للمرء أن يعيش بدونها .. أنا أعني الأكل والشرب والملابس أيضا .
ــ قلت له متأثرا بما سمعت : أسأل الله أن يعينك ويغنيك من فضله .
ــ فقال : آمين .. أنا صابر لله ومحتسب .. ولا أتبرم من قضاء الله وقدره .. وحكايتي لا تقف عند هذا .
ــ فقلت له وقد كنت متشوقا لسماعها : لنعد إلى الحكاية .. وأرجو أن تقصها علي من بدايتها .
ــ فقال : منذ أيام قلائل .. مرضت والدتي الطاعنة في السن كما أخبرتك .. فاستأجرت سيارة وحملتها إلى عيادة منطقتنا التي تبعد كثيرا عن بنغازي .. فعاين الطيب حالتها .. وقال : المريضة تعاني من تقرحات فراش حادة تكاد تصل إلى العظم .. هي في حاجة إلى مضاد حيوي يعطي عن طريق إبر التغذية .. وحرر لي تحويلا إلى قسم الأمراض السارية بمستشفى الجماهيرية ببنغازي .. واستأجرت سيارة أخرى .. وذهبت إلى بنغازي .. أعني إلى مستشفى الجماهيرية .. وهناك ...
" وتنهد من شدة الألم .. ثم سكت وأطرق برأسه مفكرا "
ــ فقلت له كي يتابع حديثه : وماذا حدث هناك .. ؟
ــ فتابع حديثه قائلا : وهناك لم نجد الطيب .. ظللنا في انتظاره أكثر من نصف ساعة .. وبعدما حضر .. سمحوا لنا بإدخالها عليه .. فحملها ابني بين يديه - نسيت أن أخبرك بأنها مقعدة لا تستطيع المشي أو الحركة – ودخلنا بها على الطبيب " عـادل العـرفي " الذي كشف عن حالتها عن بعد .. ثم قال : المريضة تعاني من تقرحات فراش حادة .. وهذه ليس من اختصاصنا .. ثم حرر في الحال تحويلا إلى مستشفى الجلاء .. فخرجنا من عنده متوجهين إلى مستشفى الجلاء .

وهناك في العيادة الخارجية بمستشفى الجلاء .. كان علينا أن ننتظر أكثر من ساعة .. حتى حضر الطبيب الجراح المدعو " سليمان المنفي " .. الذي قرأ على عجل التحويل المرفق .. ثم قال : لدينا تعليمات بعدم استقبال أو معالجة مثل هذه الحالات .. وحرر هو الآخر ودونما تأخير تحويلا إلى مستشفى المعاقين .. فذهبنا مسرعين إلى هناك .

وهناك في مستشفى المعاقين .. كانت الساعة تشير إلى حوالي الثالثة والنصف عصرا .. وكان علينا أن ندخل أولا في صراع مع خفير البوابة الذي لم يسمح لنا بالدخول .. قلنا له معنا تحويل من مستشفى الجلاء .. فقال : وأنا لدي تعليمات بعدم السماح لأحد بالدخول .. قلنا له إذا لم تسمح لنا فسندخل ولو بالقوة .. فاستدعى المشرف الذي سمح لنا ، بعد جهد جهيد وجدال طويل بالدخول .. ففرحنا بذلك .. ودخلنا بها مسرعين .
ــ قلت : الحمد لله .
ــ فقال متابعا حديثه : وفي الداخل قال لنا المشرف .. اليوم " سبت " كما تعرفون ولا يوجد طبيب كي يعاين الحالة .. أرى أن تذهبوا الآن وترجعوا بها غدا صباحا .
ــ فقلت له : الحاجة في شبه غيبوبة تامة .. وأخشى أن تموت في أية لحظة .
ــ فرد علي بقوله : " الله غـالب .. شنوا نبي إنديرلك " .
ــ فقلت له : أنا أتيت بها من خارج بنغازي .. ولا يمكنني أن أرجع إلى منطقتي وأعود غدا .. لسبيين .. أولا الحالة لا تحتمل .. و ثانيا .. لا أملك سيارة لأعود بها .
ــ فقال لي : وما علاقتي بذلك .
ــ قلت له : " الحق موش عـليكم " .. ثم قلت للسائق الذي استأجرته من منطقتي البعيدة .. سأسدد لك الأجرة كاملة .. المهم ألا تتركني هنا .
ــ فقال لي - جزاه الله خيرا - : لن أتركك حتى لو لم تدفع لي .. أتريدني أنا الآخر وقد شاهدت كل ذلك أن أتركك .

وخرجنا بعد ذلك من مستشفى المعاقين .. وتوجهنا إلى بيت أحد الأقارب .. الذي استضافنا - أنا وزوجتي وابني والسائق أيضا - استضافنا تلك الليلة .. وفي الصباح توجهنا مجددا إلى مستشفى المعاقين .. معلقين الآمال العراض بعد الله عليه .

في ذلك الصباح ، وجدنا البوابة مفتوحة .. فحمدنا الله ودخلنا .. واستقبلنا موظف الاستقبال الذي أخبرنا بأن الطبيب المسئول والمختص غير موجود .. وكان علينا أن ننتظره ، في إحدى القاعات الكبيرة والجميلة .. التي أعجب بها السائق عندما رآها .. وقال : والله في تونس ليس لهم مثل هذه المستشفيات .. فقلت له : ولكن عندهم أطباء وهذا هو الأهم .
وعند الساعة التاسعة والنصف .. جاء الطبيب .. فدخلنا عليه بأوراق التحويل فقط .. وتركنا المريضة في السيارة كي نقلل من متاعبها .. وبلا اكتراث تفحص الطيب الأوراق .. ثم قال عودوا بها إلى الجلاء هذه ليست من اختصاصنا .
ــ فقلت له وأنا في حالة يرثى لها من الغضب : الآن أدركت يا دكتور .. لماذا يموت أغلب مواطنينا بالسكتة القلبية .. ؟
ــ فعلق السائق الذي كان بجانبي : صدقت الفقير يرحمه الله بسكتة قلبية .. والغني يذهب للعلاج بتونس .. وذو الواسطة يذهب للمكان الذي يريده .
ودون أن يقول لنا شيئا .. نظر إلينا الطبيب بامتعاض شديد .. ثم حرر لنا تحويلا إلى قسم جراجة التجميل بمستشفى الجلاء .

وهناك .. وما أدراك ما هناك .. هناك في مستشفى الجلاء .. رفضوا استقبال الحالة .. فذهبت إلى إدارة المستشفى .. وشرحت الوضع للمشرف الإداري .. الذي علمت أن اسمه : اشبوب جمعه اسحيم السليماني .. وقد تأثر كثيرا بما سمع .. وتعاطف معي .. وأحالني على الفور إلى الأخ / أحمد الزوي .. وقد كان بحق فظا غليظ القلب تكرهه من أول نظره .. أدركت منذ البداية أنه لا يرغب في مساعدتي .. وقد اكتفى بقوله : ــ " عـدوا لمستشفى 7 أكتوبر " .
ــ فقلت له : اتصل بهم هاتفيا .. وإذا كانوا على استعداد لاستقبالنا فأنا مستعد للذهاب .
ــ فرد علي بتعجرف قائلا : هذا ليس من إختصاصي .

ودون اشكره خرجت من عنده وعدت إلى الشاب الخلوق " اشبوب السليماني " .. فأخبرته بما حدث .. ثم قلت له نحن الآن لا نريد منهم سوى أن يقوموا بتنظيف تقرحات الفراش التي تكاد تصل إلى العظم .. وسنتنازل عن إبرة المضاد الحيوي التي أوصى بها طبيب منطقتنا .. فاتصل مشكورا بأحد أطباء العيادة الخارجية .. وقال له : ــ سأبعث إليك بمواطن " إبن عـمك لك " .. أرجو مساعدته .. وكتب لنا ورقة بالخصوص .

وقبل أن أشكره وأودعه .. قلت له .. كان عليك أن تقول له .. معي إنسانة مريضة ، في حاجة إلى علاج .. أليس الطب مهنة إنسانية بالدرجة الأولى .. قبل أن نلوثها بالوساطة والقرابة والخوف أيضا.

وبورقة الوساطة هذه المرة .. عدنا إلى العيادة الخارجية .. حيث أجريت لها عملية تنظيف سريعة .. وهناك وبعد الكشف على جسمها الهزيل .. بكيت بحرقة شديدة .. بكيت من شدة الألم بعدما أدركت أن والدتي في حاجة إلى دخول أكثر من حاجتها إلى تنظيف وحسب .
وبعد ذلك حملناها وعدنا بها إلى الييت .. وهي الآن في غيبوبة تامة .. تنتظر رحمة الله .

ــ قلت له : لماذا لم تختصر كل هذه الجهود ، وتذهب بها إلى أي عيادة خاصة .
فنظر إلي باستغراب وقال : ــ عيادة خاصة .. هؤلاء رجال أعمال وليسوا أطباء .
ــ قلت له مستغربا : رجال أعمال !!!
ــ فقال نعم : حملتها ذات يوم .. إلى عيادة خاصة .. كانت يومها تعي وتدرك .. وإن كانت كبيرة في السن .. وكان علينا أن ننقلها ومن معي إلى الدور الثاني من عيادة الطبيب المختص .. الذي استقبلنا بقوله على مرأى ومسمع منها : " عليش أمتعبين أرواحكم .. شيلوها اتموت في البيت خيرلكم " .
ــ فقلت له : " العتب موش عليك " .. وخرجنا من عنده دون أن نعالجها .

ومنذ ذالك اليوم كرهت أن أذهب إلى العيادات الخاصة .. ثم أضاف .. لدي شئ آخر أود أن أخبرك به .
ــ قلت له : ما هو .. ؟
ــ فقال : منذ ما يقرب من عشرين عاما أو يزيد .. لا أذكر التاريخ بالضبط .. أحليت الوالدة إلى مستشفى الهواري لإجراء عملية جراحية مستعجلة على المرارة .. وأحضرنا لها الدم ودخلت حجرة العمليات لإجراء العملية وكنا في انتظارها .. وبعد حوالي ساعتين أخرجوها ، وقد ضننا أن العملية قد أجريت لها .
ولكن الممرض الذي كان يدفع النقالة قال لنا : ــ لم تجر لها العملية .. لعدم وجود " بنج " . وانتظرنا أياما ونحن نتردد عليها في المستشفى .. حتى وجدنا معها ورقة خروج كتب فيها تعود بعد شهر لإجراء العملية .. فعدت بها إلى البيت .. وانتظرا شهرنا كاملا حتى أجريت لها العملية " المستعـجلة " كما يقولون .

تأثرت بهذه الحكاية جدا .. وعدت إلى بيتي مهموما حزينا .. أردد قول شاعرنا محمد الفيتوري ارحومة .. الذي يقول :
مات الضمير وشيعـوا جثمانه      ما عـاد في الدنيا ضمير يذكر

وقلت في نفسي معلقا على هذا البيت .. مالنا وللدنيا .. لو كان الشاعر حيا لقلت له : استبدل كلمة "الدنيا" بكلمة "بلدي" .. كي يكون أقرب إلى التصديق .. ويطابق تماما واقع الحال .

al_oribi@yahoo.com
________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في "ليبيا اليوم" .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home