Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Said al-Araibi
الكاتب الليبي سعيد العريبي


سعـيد العـريبي

Thursday, 26 January, 2006

أنا و"لا" والآخرون(*)

سعـيد العـريبي

"لا" كلمة صغيرة.. صغيرة جدا.. ليس ثمة كلمة أصغر منها.. لكنها حامية كحد السيف إذا ما جردت في وجوه الملوك والسلاطين.. نافذة كسهام الهنود الحمر إذا ما وجهت إلى صدور الرؤساء والمتحكمين .. غارزة كالإبر الصينية.. تقض مضاجع الأمراء والنبلاء.. والمنعمين.. الذين يحلمون بالعروش والكروش والسيادة والخيانة.

"لا" صغيرة في مبناها.. تتكون من صوتين لا غير {ل ـ أ}.. لكنها تحمل دلالات كثيرة متباينة ومتعددة.. فماذا تعني في مملكة السلطان..؟

الشعب كل الشعب يحب هذه الكلمة دون سواها.. يدرك أنها تعبر عن وجوده وكيانه.. وتحترم كل فرد فيه كإنسان.. له كامل الحرية في أن يقول "لا" متى أراد ذلك.

لكن السلطان وحده يكره سماعها .

فهل عرفت السبب..؟

لا تحك رأسك لاستدعاء السبب.. ودعني أقول لك ذلك.

أنت تعرف أن مملكة السلطان تتكون من {الراعي والرعية} ليس هناك شيء آخر على الإطلاق.. سوى أن الراعي يحمل في يده "عصا" هي ـ على كل حال ـ القانون الذي يرغم به كل فرد في القطيع.. على احترام مبدأ {الراعي والرعية}.

الراعي وحده.. هو الذي يحدد وجهة القطيع.. ويمشي القطيع ـ بالطبع ـ في الاتجاه الذي يحدده الراعي.. يأكل القطيع إذا أراد له الراعي أن يأكل.. وينام إذا أراد له أن ينام .
أما إذا ما فكر الراعي بمساحة بطنه ـ تحت وطأة الجوع ـ فإن له كامل الحرية في أن يمد يده الكريمة.. ويذبح ما يشاء.

هل عرفت كل هذا..؟.. حسنا.

ماذا يعنى أن يعترض شخص ما على سلطة الراعى.. ويكشر له عن أنيابه، ويقول له وبملء فيه "لا".. أنا لا أريد أن أنام كبفية القطيع.. أنا أريد أن أرى نجمة الصبح.

ماذا يعنى هذا..؟

يعني.. عدم الاعتراف بحق السلطان في قيادة القطيع.

يعني.. أنه يعارض مبدأ الراعي والرعية.

يعني.. أنه يخاصم السلطان في أخص خصوصياته.

يعني.. أنه لم يعد مجرد رقم في القطيع يساق بلا إرادة.

يعني.. أنه قرر إما أن يصبح السلطان بقرة في القطيع.. أو أن يتحول القطيع كله إلى سلاطين ضد سلطة السلطان.

يعني.. وباختصار شديد.. دعوة صريحة.. للتمرد على سلطة الراعي.. واسقاط مبدأ {الراعي والرعية} من ذاكرة القطيع.

فهل تعجب بعد هذا.. أن يحكم السلطان "بحد الموت" على كل من يعقد صداقة من أي نوع مع هذه "اللاء" الصغيرة جدا.

والمرء بالطبع إذا ما ركب رأسه ـ بدافع من الغرور أو الغباء ـ وتجاهل كل هذا.. واعترض طريق السلطان وأخرج له لسانه.. ليقول له : "لا".

فإن ذلك كفيل ـ وبموجب قانون المملكة ـ بأن ينقله على جناح السرعة وقبل أن يرد لسانه إلى مكانه.. ينقله إلى العالم الآخر.. خارج نطاق مملكة السلطان.. بل خارج دائرة الحياة بأسرها.

لكن.. لماذا يفعل السلطان كل هذا..؟

لماذا.. لا يتجاهل هذه "اللاء" الصغيرة جدا..؟

لماذا ليس هناك شيء في الوجود.. أبغض إلى نفوس الملوك والسلاطين والحكام من هذه الكلمة الصغيرة.. لماذا..؟

لأنهم يدركون أكثر من غيرهم مفعولها السحري.. الذي كثيرا ما أطاح بهامات ملوك مستبدين وجبابرة طغاة.. حاولوا عن جهل كم الأفواه عن قولها.. وصم الآذان عن سماعها.. لأنهم يدركون أنها كالشرر.. وهشيم الملكيات والمحميات والإقطاعيات.. أكثر من القش قابلية للاشتعال.

شرارة "لائية" واحدة وصغيرة جدا.. أطلقت ذات يوم في وجه شاه إيران.. سخر منها واستهزأ بها في بداية الأمر.. لكنها صارت فيما بعد نارا مدمرة.. أرغمته على أن يغادر عرشه فارا بجلده.. ويموت خارج حدود الوطن.

والسادات هو الآخر.. قدم للمقصلة أول "لا".. ملأ السجون بالرافضين.. حاول أن يعتقل كل "لاءات الشعب المحببة".. لكن الشرارة التي أخرجت لسانها من تحت الرماد.. اشتد أوارها وازداد لهيبها وحميت نارها.. وأصبحت رصاصة نافذة لا تخطئ الهدف.

فكان أن سقط السادات.. رغم الطائرات التي تجوب السماء.. وكامل قواته التي تحيط به.. رغم الجنود والحرس والمدعوين وضيوف الشرف.. سقط السادات ـ سقط السادات ـ رغم ذلك كله.. أمام إصرار "لاءات" الشعب المدمرة.

فتحية لكل أولئك الذين يرفعون لواء "لا".. يعشقون "لا".. يحبون "لا".

" لا".. التمرد.. والرفض.. والقوة.. والإنعتاق.

" لا".. التميز والتحرر والإنطلاق.

al_oribi@yahoo.com


(*) سبق لي نشر هذه المقالة في موقع "ليبيا جيل"، 4\10\2005م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home