Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Said al-Araibi
الكاتب الليبي سعيد العريبي


سعـيد العـريبي

Thursday, 20 July, 2006

دعـوة لإعـادة كتابة :
معـجم معارك الجهـاد
(*)

سعـيد العـريبي

(1) المؤلف يتحدث عن هـوية معـجمه

من خلال مطالعتي لـ"معـجم معارك الجهاد في ليبيا"(1) الذي يؤرخ لفترة من تاريخنا الحافـل بالبطولات والتضحيات .. قفـز إلى ذهنـي هذا السـؤال الكبير : من مؤلف هذا الكتاب .. ؟
والمرء بالطبع لا يستطيع أن يخفى إعجابه الشديد ، بذلك الجهد الذي بذله الأستاذ : خليفة محمد التليسى ، من أجل إخراج هذا المعجم إلى حيز الوجود .. ورغم أنني أعتبره من الكتب القلائل التي تؤرخ لفترة المقاومة الوطنية التي امتدت لعشرين عاما ( 1911 ـ 1931 ) إلا إنني أرى ضرورة إعادة كتابته من جديد من وجهة نظرنا نحن أبناء هذا البلد .. وذلك للأسباب التالية :

1. الكتاب في حقيقته يؤرخ للمعارك العسكرية الإيطالية ، لا لمعارك الجهاد ، كما أسماه الأستاذ التليسي .
2 . يؤرخ لقادتهم .. لا لمجاهدينا .
3 . يؤرخ لحملاتهم العسكرية .. لا لمعاركنا الجهادية .
4 . يعتمد في مجمله على المصادر الإيطالية .
5 . شارك في تأليفه العديد من القادة والضباط وحتى الجنود المهتمين بالوقائع والأحداث التاريخية.
6 . كذلك الجهات الرسمية الإيطالية ذات العلاقة .

لهذه الأسباب مجتمعة ، وبما أن الحقيقة التاريخية سلاح ذو حدين فإنه لا يمكننا اعتماد هذا الكتاب كمصدر أساسي من مصادر الجهاد .. ولا يمكن لنا والحال كذلك ، أن نثق فيما يرويه عــن مجاهدينا وقادتنا وعن معاركنا الوطنية ولا يجوز لنا أن نطلق عليه هذا الاسم الذي اختاره المؤلف له .
فالكتاب بطبيعته ـ أو بالأحرى كما أريد له أن يكون ـ مرجعا من مراجع المستعمرين يؤرخ لفترة استعمارهم لنا . والآن وتأكيدا للنقاط السالفة الذكر .. وقبل مناقشة ما ورد في الكتاب من أفكار وآراء .. دعونا نستمع إلى الأستاذ خليفة وهو يحدثنا وبإسهاب عن هوية هذا الكتاب :

1.{ توثقت صلتي منذ مدة بالمراجع الإيطالية التي تناولت بالبحث والدراسة تاريخ الاستعمار في ليبيا وأتيح لي أن أدرس وأقرأ كل ما وصل إلى يدي من هذه المصادر والمراجع الهامة فأكون فكرة عامة عن هذا التاريخ ، كما ترويه وتقصه هذه المؤلفات التي عنيت به واهتمت بمتابعته}(2)

2. {ثم ألتفت إلى المصادر الإيطالية فأجدها قد وثقت لحروبها في ليبيا وسجلتها تسجيلا تاريخيا}(3)

3.{ وإنه لمن الأمانة وشرف العلم أن يرد الفضل إلى صاحبه فقد كانت المراجع والمصادر الإيطالية صاحبة الفضل الأول في فكرة هذا المعجم وفى توفير موارده }(4)

4. { أغلب مؤلفي هذه الكتب والدراسات ، من الضباط الذين شاركوا في العمل الحربي أو السياسي أو ممن شغلوا مناصب في وزارة الحرب أو وزارة المستعمرات الإيطالية }(5)

5.{ ويشيد المؤلف بكتاب ( متزني ) المعنون بـ " حرب في ليبيا " ويصفه بأنه مرجع هام لا غنى عنه للباحث المهتم بمراحل الجهاد في ليبيا .. غير أنه وفى نفس الوقت يقول عن مؤلفه بأنه : جندي استعماري قديم }(6)

6. والأخطر من هذا كله هو تجاهله المتعمد للمصادر الليبية واعتماده المطلق على المصادر الإيطالية : { وقد أتيح لي أن أتصل ببعض من شارك في هـذه المعارك وأن أوجه إليهم الأسئلة والاستفسارات فلم أفز منهم بطائل يذكر، ولذا فقد عولت على المصادر الإيطالية }(7)

هذا بالإضافة إلى اعترافه ـ الوقت نفسه ـ بأن معلوماته الهامة التي اعتمد عليهـا في جمع مادة هذا المعجم .. كان قد استقاها مما كتبه بعض القادة والعسكريين والجنود الإيطاليين ، الذين شاركوا في هذه المعارك :

7.{ واهتم بعض القادة والضباط العسكريين بالتأريخ للوقائع والأحداث التي شاركوا فيها }(8)

مع علمه المسبق بعدم مصداقية كتاباتهم ، التي لا تنصف حتى زملائهم من عساكر إيطاليا :

8.{ وتبرز في هذا المجال كتب الجنرال غراتسيانى ... التي أرخ فيها للوقائع الحربية التي قادها وشارك فيها مع حرص واضح على إبراز دوره ، وطمس أدوار الآخرين ، ممن لم يقلوا عنه بروزا في مجال العمل العسكري والسياسي }(9)

ورغم اعتراف المؤلف بكون غراتسيانى هذا .. لا ينصف في مؤلفاته حتى رفاقه الفاشيين .. إلا أنه هنا يثق فيما يرويه لنا عن قادتنا ومجاهدينا .. الذين يعتبرهم متمردين عصاة خارجين على القانون في زعمهم .. والأخطر من هذا .. وكما مر بنا لا يثق فيما ترويه مصادرنا الوطنية التي لا يعول عليها مطلقا .. بل يتجاهلها تماما .

وأنا هنا لا أدعو إلى تجاهل المصادر الإيطالية ، ولا أريد أن أقلل من أهميتها في هذا المجال ، ولكن وكما أشرت سلفا .. فإن الحقيقة التاريخية سلاح ذو حدين ، ولهذا فإنه لا يمكن للمؤرخ ، أن يعتمد اعتمادا مطلقا على المصادر غير المحايدة ، ويتجاهل في الوقت نفسه المصادر الأخرى .. خاصة إذا كانت هذه المصادر الأخرى هي مصادرنا نحن ، التي يتجاهلها التليسى لأنه وبزعمه لم يفز منها بطائل يذكر .

وهذه المزاعم التي يرددها تمثل ـ في رأيي ـ تشكيكا واضحا في نزاهة تلك الجهود المخلصة ، التي قام ويقوم بها مركز جهاد الليبيين .. الذي ركز جهوده منذ البداية ، على جمع تاريخنا الجهادي من مصادره الحية .. أعني المجاهدين الشرفاء الذين شاركوا بأنفسهم في تلك المعارك .. وكل الذين عاصروا وعايشوا أحداثها ووقائعها أو شاركوا في صنعها .
وانطلاقا من تلك الجهود المثمرة ، فإنني لا أتردد في مخالفة التليسى فيما يقول به .. بل إنني أقول وبالثقة كلها : إن حقيقة جهادنـا المشرف لم تمت ولم يعبث بها الزمن :

{ وهكذا تحجب الحقيقـة ، ويموت التاريخ ، ولا تبقى منـه
سوى أصداء خافتة ترددها ذاكرة عبث بها الزمن
}(10)

وإذا كان الأستاذ خليفة .. يعتقد بأن حقيقة جهادنا نحن قد حجبت وماتت ولم يبق منها سوى أصداء خافتة عبث بها الزمن .. فإنه وبالمقابل يرى بأن ذاكرة المستعمرين الذين كتبوا عنا .. ولم يقصدوا أن يكتبوا لنا أو يؤرخوا لنا .. لم تحجب ولم تصدأ ولم يعبث بها الزمن ، ومن هنا كان سر اعتماده المطلق على المراجع والمصادر الإيطالية .. دون غيرها :

1 ـ الموسوعة العسكرية الإيطالية .
2 ـ موسوعة معاركنا الاستعمارية .. للجنرال بولاتي .
3 ـ التاريخ الكرونولوجى للوقائع والأحداث .. للكولونيل غروسو .
4 ـ كتب الماجور قايبي عن الاستعمار الإيطالي .
5 ـ حملة ليبيا " أربعة أجزاء " صادر عن وزارة الحرب الإيطالية .
6 ـ تكوين الإمبراطورية الاستعمارية " تقارير الصحف ووكالات الأنباءالإيطالية " .
7 ـ إيطاليا الجديدة لما وراء البحار .. لللكونت فولبى بونو .
8 ـ نحو فزان ـ إعادة احتلال فزان ـ برقة المهدأة .. للجنرال غراتسيانى .
9 ـ برقة الخضراء .. للجنرال تروتسى .
10 ـ حرب في ليبيا .. للجنرال متزنى .. الذي يوصف بأنه ( جندي استعماري قديم ) .
11 ـ الحملة الإيطالية على فزان .. لـ ( زولي وبترانيانى ) .
12 ـ بالإضافة إلى الجهات الرسمية المهتمة بالتأريخ للوقائع والأحداث ، التي أصدرت عددا من الكتب والكراسات والدراسات .. المعتمدة من قبل التليسي كمراجع أساسية .
13 ـ وغيرها من المراجع الإيطالية الأخرى التي لا يتسع المجال لذكرها .

لهذا أدعوكم وبإخلاص إلى إعادة الأمور إلى نصابها .. أعيدوا بضاعة المستعمرين إليهم .. كي لا تصبح مواقعهم وانتصاراتهم المزعومة .. معارك وطنية .. ويصبح تاريخهم المزيف ومصادرهم المشبوهة .. معجم معارك جهادية .. وتاريخ جهاد وطني .

(2) الرواية الإيطالية لأحداث معـركة القرضابية

تعتبر معركة القرضابية إحدى أكبر معارك الجهاد .. دارت أحداثها بالقرب من ( سرت ) وتوحدت من خلالها مختلف فصائل المجاهدين من شرق البلاد وغربها وجنوبها .. وحققوا بذلك أروع انتصاراتهم على قوى الاحتلال الإيطالي .. يقول الأستاذ خليفة محمد التليسي :
{ معركة القرضابية التي نراها أعظم المعارك من حيث النتائج التاريخية التي ترتبت عليها }(11)

وتختلف كتب التاريخ حول ما تقصه علينا .. من أحداث هذه المعركة الكبرى .. وذلك من خلال روايتين متناقضتين .. إحدى هاتين الروايتين تمثل وجهة النظر الإيطالية الصرفة وهى نفسها التي اعتمدها التليسى في كتابه ( معجم معارك الجهاد ) .. والأخرى تمثل وجهة نظر الرواة الثقاة من أبناء هذا الوطن الذين شاركوا بأنفسهم في ملحمة الجهاد . وقد اخترت هذه المعركة بالذات التي يعتبرها الأستاذ / التليسي كما قال آنفا من أهم المعارك الجهادية .. وذلك ليدرك القارئ أن الاعتماد المطلق على المصادر الإيطالية دون غيرها .. من شأنه أن يقلل من قيمة جهادنا الذي نعتز به أيما اعتزاز ، ولكي يدرك أيضا خطورة تلك المعلومات المضللة ، التي يعدها التليسي مصدرا مهما لكتابه هـذا الذي أعتبره شخصيا كتابا عسكريا إيطاليا ، في ثوب جهادي ليبي ليس له من الجهاد إلا اسمه .
يقول التليسى أو بالأحرى تقول المصادر الإيطالية فيما ترويه عن هذه المعركة :

{ وأسنـدت قيادة هذه الحملة إلى الكولونيل ( ميانى ) سعيا وراء استرداد كرامته المجروحة ... وتحرك في مستهل أبريل 1915 من مصراته ، على رأس قوة كبيرة من الإيطاليين والإريتيريين والمحلات الليبية التي جندها من مصراته وترهونة وزليطن وورفلة ، بقوة تقدر بأكثر من ( 6 ) ستة آلاف مسلح و ( 250 ) فارسا عدا المدفعية وقوافل الإمداد والذخائر . وقد انطلقت هذه القوة من قواعدها في بئر القداحية ، يوم : 24 أبريل ، واشتبكت في معركة قصيرة مع طلائع المجاهدين عند ( أبى شناف ) واصلت بعدها الزحف على القرضابية ، حيث كانت ترابط قوة من المجاهدين تقدر بألف وخمسمائة مجاهد .. وما كادت تصل هذه الحملة إلى الموقع في : 28 أبريل 1915 حتى بادرها المجاهدون بالهجوم ، موجهين ضغطهم على الجناح الأيسر منها ، الذي يتكون من محلات ( مسلاته وترهونه ) التي انضمت على الفور إلى القوة المهاجمة ، وانثنت على القوة الإيطالية تتبعها فى ذلك محلة مصراته ... وقد منى الإيطاليون بهزيمة نكراء وتعرضوا لخسائر فادحة ، وغنم المجاهدون أغلب الأسلحة والعتاد الحربي ، كما سجلت هذه الهزيمـة أفول نجم الكولونيل ( ميانى ) ونهايته على المسرح الإستعمارى والعسكري }(12)

هذه هي مجمل الرواية الأولى ، التي يرويها التليسى عن مصادره الإيطالية ، مضيفا إليها بطبيعة الحال بعض البهارات الوطنية ، ليشعر القاري غير المتمرس ، بالمذاق الوطني الخالص ، كي لا يشعـر بوجود السم في الدسم كما يقولون .. وعلى سبيل المثال لا الحصر ها نحن نعرض بعضا من هذا السم الناقع الذي ينضح به هذا الكتاب .. أنظر إلى قوله مثلا :

{ حاولت ايطاليا ـ ربما في الأصل ، حاولت حكومتنا ـ أن تسلك في سياستها بطرابلس الغرب نهجا يعتمـد على العملين السياسي والعسكري . ففي مجال العمل السياسي عملت على إثارة الفتنــة والانشقاق والانقسام بين صفوف الزعمـاء ، وسعت إلى استمالة بعض الفئات وتأليبها على الفئات الأخرى ، وكــان أهــم ما توخته في هذه الفترة العمل على إحداث انقسام بين مصراته وورفلة وبين ترهونة ومصراته ثم بين زعمـاء الجبل الغربي }(13)

وقوله أيضا في موضع آخر :
{ وشهدت هــذه الفترة تأزما بين رمضان السويحلى وعبد النبى بالخير ، كما شهدت زيادة في سيطرة السويحلى على الوضع وبروزا لزعامته عل المسرح السياسي }(14)

وقولــه :
{ وقد سار في هذه الحملة بعض الزعماء البارزين من أمثال رمضان الشتيوى السويحلى وعبد النبى بالخير " الذي انفصل عنها قبل المعركة في أبى نجيم بحجة حماية ورفلة من عدوان محتمل " والشيخ الساعدى بن سلطان والمبروك المنتصر وغيرهم }(15)

وغيرهم من الزعماء الذين ساندوا الإيطاليين ، أي بمعنى آخر الزعماء الذين تذكرهم المراجع الإيطالية .. وإلا لماذا سكت ويسكت دائما ، عن ذكر الزعماء والأبطال الوطنيين ، الذين لم يهادنوا ولم يصالحوا ، ولم ينخرطوا مطلقا في خدمة المستعمرين .. لماذا إذن يسكت عن ذكر هؤلاء المجاهدين الذين جردت كل الحملات الإيطالية لقمعهم وإخماد ثوراتهم التي أقضت مضاجع المستعمرين .. ؟

وقبل أن ننتقل بكم لعرض وجهة النظر الأخرى .. وجهة نظرنا الوطنية .. التي هي في حقيقتها وجهة نظر آبائنا وأجدادنا الذين حملوا راية الجهاد وقدموا أرواحهم وما يملكون فداء لتراب هذا الوطن ، دعونا فقط نعرض الأسباب غير المقنعة التي يذكرهـا التليسى ، والتي كانت ـ فيما يزعم ـ سببا في هزيمة الإيطاليين في هذه المعركة الكبرى :

1 ـ غدر المحلات الوطنية .
2 ـ ضعف الحس السياسى لدى الكولونيل ( ميانى ) وسذاجته واغتراره بالعناصر الوطنية ، رغم ما ماضيها المشبـوه مع الإيطاليين ، واعتداده بنفسه ، ومخططاته وعدم الإلتفات إلى أي نصيحة توجيه .
3 ـ تجاهله للأحداث ، الأمر الذي كان يحمل في طياته .. الموقف المحتمل للمحلات الوطنية.
4 ـ الأساليب التعسفية التي استخدمها في تجنيد الوطنيين للحملة وتسخيرهم للعمل بهــا دون مراعاة لظروفهم ومشاعرهم ، وقرب موسم الحصاد .
5 ـ تصعيد الكولونيل ( ميانى ) للموقف ، بإقدامه على الأعمال الانتقامية ... وإعدامه لعدد من الشخصيات الوطنية
.(16)

وبالنظر إلى أسبابه غير المقنعة ، والتي ساهمت في زعمه في تحقيق النصر ، نلاحظ أنه تجاهل أشياء أخرى أكثر أهمية مما ذكر .

1 ـ لم يقل شيئا يذكر عن المعركة نفسها .
2 ـ تحدث عن نتائجها فقط ، ولم يتحدث عن أسبابها .
3 ـ لم يتطرق إلى ذكـر القبائل الليبية التي أبلت بلاءا حسنا في الجهاد ، بينما يذكر بالمقابل المحلات الوطنية التي جندها المستعمر لمحاربة هذه القبائل ..؟


هذا مع ملاحظة ، أنه لم يغفل عن ذكر المحلات والشخصيات الوطنية ، في أية فقرة من فقراته الخمس السالفة !!! : { غدر المحلات الوطنية ـ اغتراره بالعناصر الوطنية ـ الموقف المحتمل للمحلات الوطنية ـ إعدامه لبعض الشخصيات الوطنية } وغيرها من الحجج الواهية التي لا تمت إلى الحقيقة بصلة تذكر .

4 ـ يذكر العوامل المادية كـ { قرب موسم الحصاد } الذي كان في زعمه أحد أسباب النصر في هذه المعركة .. ويتجاهل عوامل معنوية مهمة كعامل الدين الذي كان يوقــد جذوة الجهاد في نفوسهم ، رغم كل الصعاب ، الأمر الذي يؤكد لنا اعتماده المطلق ـ دونما تمحيص ـ وجهة نظر المستعمرين المتعصبين الذين لا يروق لهم ذكر العامل الديني وأثره في استمرار الجهاد .

هنا وبالمناسبة اسمحوا لي أن أنقل لكم ما كتبه محمد عبد الرازق مناع .. في معرض حديثه عن نفسية مجاهدينا الذين يستعذبون الموت في سبيل الوطن .. وذلك كمثال واحد من عشرات الأمثلة التي نعتز بها ونفتخر :
{ بعد الانتهاء من معركة بئر بلال ـ التي حالف النصر فيها المجاهدين ـ بدأوا في إسعاف الجرحى ودفـن الشهداء في ساحة المعركة.. وكانوا قد أبلغوا بقدوم قوات إيطالية أخرى من جهة الشاطئ.. لاحتلال مرسى البريقة، فأخذوا يعدون العدة لمواجهة العدو في اليوم التالي.. وكان يتوجب عليهم قطع مسافة (20) كم شمالا وفى الأثناء حضر إبراهيم الفيل العريبى، وكان مـن أبرز الشجعان في االمنطقة، وقـد أجهش بالبكاء متحسرا على عدم تمكنه من المشاركة في المعركة فقال له صالح الأطيوش: لا تأسف أيها الخال، وأطمئن فالفرصة متاحة لك يوم الغد في البريقة}(17)

وبالفعل فقد حضر معهم تلك المعركة وكان من بين شهدائها ، وكانت الطريقة التي أختارها للشهادة هو ومن معه ، تنم عن شجاعة عالية وحب لهــذا الوطن نـادر الوجود ، فقد اتفق مع ( رابح القبايلى ) بأن يرمى كل منهما لجام حصانه ، ويهجما على أحد ( مدافع ) العدو طلبا للشهادة .. ليس إلا .

5 ـ أسهب في الحديث عن الزعماء المشبوهين المتعاونين مع الطليان .. ولم يتحدث عن زعماء المجاهدين .. ولم يصفهم حتى بالألقاب التي خلعها على الزعامات المشبوهة المسالمة .. معللا ذلك بحجج واهية وغير مقنعة :
{ وسيلاحظ القارئ أنني قد ركزت في هذا العمل على المعارك والوقائع الحربية ولم أشغل بالزعامات والشخصيات ، والواقع أن الجهد قد انصرف منذ اللحظة الأولى للعمل إلى إبراز دور ذلك المجاهد المجهــول الذي اعتمـدت عليه هــذه المعارك ومارس أهوالها ، وكابد ظروفها وتحمل كافة التضحيات والمصاعب ، التي صاحبتها حتى انتهى إلى ربه شهيدا في المعركة ، أو شريدا في الصحراء أو لاجئا وراء الحدود ، لـم يسجـل التأريخ أسمه ولم يذكره الناس }(18)

والسبب في ذلك بسيط جدا .. ذلك أن الإيطاليين الذين أرجع لهم الفضل في تأليف هذا الكتاب ، لم يدر بخلدهم أن يؤرخوا لنا أعنى لزعمائنا وأبطالنا الذين يعتبرونهم عصاة مجرمين ومتمردين خارجين على القانون .
ولهذا نراه يحاول جاهدا ، تلمس الأعذار والمبررات لذلك القصور الواضح ، المتمثل في عدم ذكر أبطالنا وقادتنا الذين سطروا بأرواحهم الركية ، أروع ملاحم الجهاد .
وحقيقة الأمر أن أغلب مجاهدينا ، لم يسجل الإيطاليون أسماءهم في موسوعاتهم وكتبهم التي إستقى منها المؤلف ولم يحاولوا تذكر أسمائهم أو لا يعنيهم ذلك وهو عين الصواب .. ومن هنا فإنني ومن أجل أبطالنا الذين سكت بعض الرواة عن ذكرهم ، أدعوكم وبإخلاص وإصرار ، إلى أن تعيدوا الأمور إلى نصابها ، وذلك بأن نكتب على أقل تقدير ، تاريخ جهادنا من وجهة نظرنا نحن ، لا من وجهة نظر المستعمرين .

(3) معـركة القرضابية من وجهة نظر وطنية

استعرضنا في الفقرة السابقة وجهة نظر المستعمرين عن أحداث معركة القرضابية وذلك من خلال سردنا { للرواية الإيطالية } التي اعتمدها الأستاذ / التليسي في كتابه : { معجم معارك الجهاد } .. ونخصص حديث هذه الفقرة { للرواية الوطنية } التي ترويها مصادرنا الوطنية ويعتمدها الثقاة من أبناء هذا الوطن .

تقول الرواية الوطنية(19) : إزاء فشل القوات الإيطالية المرابطة في سرت، في تحقيق نتائج حربية ضد المجاهدين قررت القيادة الإيطالية، إرسال نجدة إلى سرت، لدحر المجاهدين على رأسها العقيد ( ميامى ) الذي التقى بهم في معركة كبرى سميت بمعركة القرضابية.. كان ذلك في شتاء عام ( 1915 ) وقد كان شتاءا قارصا ، من أقسى الفترات التي مرت بالكفاح الوطني إذ تخللته عوامل عسيرة، وتميز بالكر والفر بين المستعمرين والمجاهدين.. في الجهة الغربية اجتاحت القوات الإيطالية إقليم فزان بينما وصلت طلائع الطليان من جهة الشرق إلى الوادي الفارغ.
وقد أغراهم هذا التقدم ، بأن يضاعفوا من تكثيف الحملات على مواقع المجاهدين في خليج سـرت وسهول بنغازي والجبل الأخضر .
وأكثر ما كان يشغل الاستعمار ، هو تأمين مسيرة القوافل ما بين طرابلس وبرقة ، ولهذا فقد وضع كل ثقله للقضاء على نشاط المجاهدين في منطقة الخليج ، وذلك بعد الانتصارات الحاسمة التي حققها المجاهدون في ( البريقه ) و ( بئر ابلال ) و( النوفلية ) .. وقد وصف الجنرال ( اميلـو ) انطباعاته عن ذلك بقوله :
{ بعد سنوات من المعاناة القاسية والبطولة التي سطرتها الدماء الإيطالية ، يجدر بي أن أذكر أن كثيرا من المكابرين والمشككين ، يحاولون تجاهل عدو قوى وعنيد ومتمرس على القتال ، يجب أن ننحني لشجاعته مثلما نشيد بشجاعتنا ونقدر الشجاعة عموما }

تولى الجنرال ( اميلـو ) القيادة العامة في إقليم برقة .. وادعى بتبجح أنه استطاع ( تطهير) المنطقة إلا من بعض الجيوب القليلة التي يمكن القضاء عليها بسهولة ويسر ، ويتم له بذلك الانتصار النهائي .
وبناء على ذلك رسم خطة ترمى إلى إرسال ثلاثة محاور عسكرية ، قسم يتجه شرقا لقفل الحدود مع مصر ومصادرة تجارة القوافل والسيطرة على البطنان ومحور يتجه غربا لضرب مواقع المجاهدين في اجدابيا.
كمـا أعـدت القيادة الإيطالية في طرابلس ، خطة ، بنـاءا على اقتـراح العقيد ( انطونيو ميامى ) الخبير بشؤون الصحراء .. تهدف إلى استعادة منطقة ( النوفلية ) بحملة عسكرية مكثفة يشترك فيها عنصر ( محلى ) .
وقد تم اختيار رمضان السويحلى لهذه المهمة، وكان يشغل مدير ناحية، وسبق له أن فاوض المجاهدين في النوفلية ونجح في استرداد إبل له وقعت في حوزتهم.. وكان المجاهدون قبل ذلك قد استولوا على إبله باعتباره عنصرا متعاونا مع الطليان، وقد أرسل شقيقه حمد السويحلى لاستردادها، وكان يحمل رسالة شفوية إلى صالح الأطيوش ، يتعهد فيها بأنه سوف يخذل الإيطاليين في أول فرصة تتاح له.. وبناءا على هذا التعهد قاموا بإطلاق سراح إبله.
وقد أبدى السويحلى تقبلا للفكرة بشرط أن تقوم ايطاليا بتجنيد جيش من العرب تتولى الإنفاق على تموينـه وتسليحه وتناط به قيادته ، وكان له ما أراد .
وكانت هذه الحملة بقيادة العقيد ( انطونيو ميامى ) وتضم ( 4000 ) جندي وضابط ايطالى وعددا مماثلا مـن المصوع الأحباش وحوالى ( 3500 ) مجند ليبي بقيادة رمضان السويحلى ، كمحور رئيسى ـ يقول التليسي أن عددهم ( 6000 ) ـ فى حين توجهت فرقة أخرى بقيادة راسم كعبار عن طريق مزدة، وتحركت فرقة أخرى بقيادة عبد النبى بالخير .. والتقى الفريقان عند موقع القرضابية .

وفى يوم : ( 25 / 04 / 1915 ) أوفد رمضان السويحلى ، إلى صالح الأطيوش المغربى ، إثنين من أعوانه وهمـا عمر أبو دبوس و عبد الملك .. في ثلة من الفرسان ، ، لينذراه بكثافة القوات الإيطالية ويخبراه بمدى ارتيابه في مقدرة المجاهدين على مواجهتها .
وفى خيمة القيادة بمعسكر المجاهدين ، طلب عمر أبو دبوس الاختلاء بصالح الأطيوش ، وهمس في أذنه برسالة شفويــة . فثار صالح الأطيوش واشتط شططا أثار الانتباه .. وتساءل الحاضرون عن الأسباب فأخبرهم قائلا : { السويحلى يهددنا بقوة الطليان التي لا نخشاها } .. وفى خضم هذه الأزمة أعلن أبو دبوس أنه لن يعود إلى مرسله وقرر الانضمام إلى المجاهدين .. بينما عاد عبد الملك إلى السويحلى ليخبره بعدم رضوخ المجاهدين ، وبتحديهم لقوات الطليان .

وما أن وصـل الرسول الثاني ( عبد الملك ) إلى السويحلى ، وعلم العقيد ( ميامى ) بعدم جدية المفاوضـات .. حتى أصدر أوامره للمدفعية بأن تقصف مواقع المجاهدين ، وبعد القصف الشديد الذي أسفر عن سقوط ( 150 ) شهيدا ، بدأ هجوم الطليان ، الذين اشتبكوا مع المجاهدين ، في معركة حامية الوطيس استخدم فيهـا السلاح الأبيض .. وكان يوما مشهودا أبلى فيه الطرفان .. وسقط في ميدان القتال الآلاف من القتلى والجرحى .. وصال الفرسان وجالوا ضد جبهة العدو .. وفى مواجهة هدير المدافع المزمجرة ، وصليات نيران الرشاشات ولعلعة الرصاص المنهمر من هنا وهناك حتى توسطت الشمس كبد السماء .

وعند القيلولة وصلت قوات من المجاهدين ، بقيادة حمد سيف النصر، قادمة من فزان عن طريق بنى وليـد حيث هاجمت مؤخرة القوات الإيطالية .
وعلى أثر هذا التدخل الحاسم والمناسب ، لاحت بوادر التململ في صفوف قوات الطليان حيــث ظن العقيـد ( ميامى ) أن ثمة حركة التفاف حاقت بمؤخرة قواته وعلى أثرها أصدر أوامره بالانسحاب ،
وبر رمضان السويحلي بوعده الذي قطعه للمجاهدين وانظم إليهم .. فاشتد أوار المعركة ولعلع الرصاص ، وتناثرت أشلاء عسكر الطليان والأحباش ، على أديم تلك البراري الواسعة الشاسعة .. وأحرز المجاهدون يومئذ انتصارا مبينا ، وسقط الآلاف من جنود وضباط العدو ، ولم ينج من الإصابة حتى قائد الحملة الإيطالية العقيد ( ميامى ) نفسه .
وعندما أحس العدو بهول المعركة وتساقط جنوده وضباطه صرعى يحصدهم الرصاص وتمزقهم الخناجر بلا رحمة ، انسل العقيد ( ميامى ) مع حوالى ( 500 ) من جنوده وضباطه ولاذ بالفرار .. وبذلك تحقق النصر للمجاهدين .
وغنم المجاهدون، ست بطاريات مدفعية بذخائر كاملة، وقافلة سيارات تموين و(خزينة) و( 5000 ) مدفع رشاش و( 000 20) بندقية ومليون طلقة.. كما تذكر المصادر الإيطالية نفسها.

وقد كانت هزيمة العدو في هذه المعركة ، من الأسباب التي أدت إلى استقالة حكومة ( جـوليتى ) علـى إثر مطالبة الأحزاب الإيطالية له ، بوجوب الانسحاب مـن الصحراء الليبية ، التي كلفت الشعـب الإيطالي ثمنا باهظ التكاليف .

هذه المعركة هي معركة القرضابية كما ترويها مصادرنا نحن ، وحدت الجهود ، وأمدت المجاهدين بقوة من عندها ، فتوالت انتصاراتهم في الشرق والغرب ضد الاستعمار الإيطالي ، وذلك على الرغم من استشهاد حوالي ( 540 ) مجاهدا من بينهم : أبو القاسم بو جبيهة و محمد سليم البرعصى و بو خطوة بو لعج المغربي و حمد بو حرق ، وغيرهم من أبطالنا الأفذاذ الذين سكت عن ذكرهم رواة المستعمرين لكننا سنظل نذكرهم ونتذكرهم مثلا ورمزا .. تماما كما نذكر أبطالنا الأوائل :
" رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا. "
صدق الله العظيم.

al_oribi@yahoo.com
________________________

(*) سبق لي نشر هذه الدراسة.
1. معجم معارك الجهاد في ليبيا ( 1911 - 1931 ) خليفه محمد التليسي ، 1980 .
2. المقدمة ، صفحة 9 .
3. المقدمة ، صفحة 9 .
4. المقدمة ، صفحة 10 .
5. المقدمة ، صفحة 10، 11 .
6. المقدمة ، صفحة 13 .
7. المقدمة ، صفحة 15 .
8. المقدمة ، صفحة 12 .
9. المقدمة ، صفحة 14 .
10. المقدمة ، صفحة 14 .
11. المقدمة : ص : 16 .
12 . معجم معارك الجهاد : ص : 54 ، 55 .
13 . ص : 58 ، 59 .
14 . ص : 61 .
15 . ص : 407 ، 408 .
16 . ص : 409 - 410 .
17 . أنظر صالح الأطيوش ، حياته وجهاده - محمد عبد الرازق مناع ، ص : ( 116 - 117 ) .
18 . المقدمة ، ص : 17 .
19 . انظر كتاب ( صالح الأطيوش حياته وجهاده ) لـ محمد عبد الرازق مناع .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home