Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Said al-Araibi
الكاتب الليبي سعيد العريبي


سعـيد العـريبي

Saturday, 18 March, 2006

النورس المتمرّد(*)

سعـيد العـريبي

في ساعة متأخرة من كل يوم .. وحينما تباشر الشمس هبوطها الساحر فيما ينتشر الشفق مخضبا بحمرته وجه السماء ولون البحر على امتداد الأفق البعيد .. وفوق الصخور الناتئة عند أقدام الشاطئ .. في نهاية الطرف الشرقي من مدخل الخليج .. كان من عادة كثير من نوارس البحر أن تتجمع هناك .. تتنسم نسائم الغروب العابقة برائحة البحر الندية الرخية .. وما أن ينتشر الظلام حتى يغالبها خدر النعاس، فتطبق أجفانها للنوم، مستسلمة كعادتها لأحلام مزعجة ومرعبة إلى حد لا يطاق .. ولم يكن ثمة ما تفعله لتدرأ عن نفسها غائلة هذا الكابوس المخيف .. فقد كانت المنطقة التي تقطنها لا تبعد كثيرا عن سلسلة من الجبال الوعرة في مسالكها ودروبها، ذات الغابات الكثيفة التي هيأت لأعداد كبيرة من الذئاب سبل العيش فيها.

وكانت الذئاب كثيرا ما تتسلل إلى منطقة الخليج لاقتناصها تحت جنح الظلام .. فماذا بوسعها أن تفعل وهى وكما نعرفها طيبة القلب ورقيقة وناعمة مثل ريش النعام .. لا تحسد أحدا ولا تريد أحدا يحسدها .. لا تؤذى أحدا ولا تريد أحدا يؤذيها .. {لا تأكل أحدا ولا تريد أحدا يأكلها}(**) .. وليس هناك ما يدور في رؤوسها الصغيرة سوى أمل ضعيف في حياة هانئة ومستقرة أسوة ببقية مخلوقات الله .. لكن هذا المطلب الضروري والوحيد يعد صعب المنال في عالم الذئاب التي تجوب الأرجاء مرفوعة الذيل وشامخة بأنفها إلى عنان السماء، بحجة أنها من سلالة الأسود التي لا تعترف بحق الآخرين في العيش إذا ما بكى شبل صغير تحت وطأة الجوع.

كانت حياتها بالغة السوء والكآبة .. وكانت تسير على نحو قاتل وممل، بل قد تسوء أكثر من ذلك إذا ما حل فصل الشتاء، واشتدت وطأة البرد، وتعالت أمواج البحر بتأثير عواصف الشتاء الباردة .. وحينئذ فهي لا تغادر منطقة الخليج الواقعة بين امتداد البحر المخيف وغابات الذئاب الموحشة المظلمة مكتفية بالتحليق على ارتفاع منخفض بمحاذاة الشاطئ بحثا عن وجبة شهية من صغار السمك ذى العيون البلورية.

هذه هي هوايتها المفضلة والوحيدة بل طريقة عيشها التي تتقنها بمهارة فائقة .. حيث تعتمد في مزاولتها على عيون شديدة السواد، وحادة مثل عيون النسور الجارحة وعلى أجنحة رقيقة وناعمة مثل ضوء القمر ولون السماء.

فهي ترصد تحركات أسراب السمك بدقة متناهية وتتابعها بنظراتها الثاقبة .. متحينة فرصة الانقضاض المفاجئ والسريع وبكل مهارة على ما قد يلوح لها أكثر إشراقا وبهاء وقربا من {وجه السماء}.

لكن شبح الموت ظل يطاردها على كل حال .. يطاردها في الصحو وفي المنام .. فماذا بوسعها أن تفعل والذئاب من حولها لا تعرف لغة العيون الحزينة، ولم تر في حياتها شيئا رقيقا وناعما مثل ريش النعام .. ماذا بوسعها أن تفعل، وهى تدرك - ربما لضعفها القاتل - أنها لا تستحق العيش بمنطق ذئب {بالغ وحكيم وعاقل} وعلى دراية كاملة بقانون الغاب .. لم يكن بوسعها ثمة ما تفعله، ولذا فهي تبدو صابرة ومستسلمة وراضية بحياتها على كل حال.

لكن هناك نورس واحد .. كان قد عاش على طريقته الخاصة .. ومات أيضا على طريقته الخاصة .. أعنى أنه تمرد على قانون الغاب، ودعا غيره إلى التمرد عليه .. كان يدعى أحيانا بالنورس المتمرد .. وأحيانا أخرى بالنورس الحزين .. وكان متشائما وحزينا أكثر حزنا من كل النوارس الأخرى.

ذات يوم، ركب هذا النورس رأسه بدافع من الغرور القاتل، وصمم على الذهاب بنفسه إلى غابة الذئاب التي تهز ذيولها بغباء .. وهى تركض خلف أنوفها بحثا عن قوتها اليومي .. أما بقية النوارس فإنها لضعفها وطيبة قلبها، رضيت بحياتها المهينة والمذلة، مدعية بأن ليس ثمة شئ خبيث سوى الشيطان الذي تكفل الله بطرده من الجنة.

فرد جناحيه الصغيرين، وانطلق يرتاد الفضاء بمهارة فائقة وغرور قاتل .. حلق عند مدخل الخليج برهة من الوقت .. ثم قفل راجعا صوب الصخور الناتئة، من جهة الشرق .. وودع مجموعة نوارس رابضة هناك .. ألقى نظرة سريعة، على موطنه الكبير .. ومن ثم يمم شطر الغابة .. تعالت صيحات النوارس أن عد .. غير أنه لم يكن يسمع ما يقال .. تبعته أمه المسكينة - مدفوعة بعطف الأمومة - لكنه كان سريعا، فاختفي مثل طيف من نور.

حدث ذلك لأول مرة في تاريخ النوارس بأسره .. بكت عليه النوارس الطيبة .. وبكت أمه لفراقه بحرقة شديدة، لم تبت ليلة هانئة من بعده .. كانت كثيرا ما تخرج في طلعات متكررة تستطلع الأرجاء، علها تراه قادما من بعيد .. ثم ترجع لتستقر على أعلى صخرة عند الطرف الجنوبي من مدخل الخليج.

كانت تنتظرعودته بشوق بالغ .. وتضرع بيديها إلى السماء كي يرجع سالما .. لكنها ماتت بعد طول انتظار .. ماتت ذات يوم كئيب - تحت وطأة الحزن والألم الشديد - ماتت بعدما شاع بين النوارس أنه قد فضل مقاتلة الذئاب - في غابة الذئاب – والموت هناك .. على العودة الى موطنه الكبير.

حدث ذلك لأول مرة في حياة النوارس .. المسالمة والمستسلمة .. إلى حد الموت.

al_oribi@yahoo.com


(*) سبق لي نشر هذه المقالة في موقع "ليبيا جيل"،13\9\2005م.
(**) هذه الجملة من قصة { الحيوانات الحيوانات }... للصادق النيهوم.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home