Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Said al-Araibi
الكاتب الليبي سعيد العريبي


سعـيد العـريبي

Friday, 16 February, 2007

رباية الذايح(*)

حكاية العـجوز الطيبة وناكر الجميل

سعـيد العـريبي

(1)

يحكي أن عجوزا طيبة .. كانت تمتلك قطيعا من الغنم .. وكانت تخرج كل يوم .. تجوب البراري ، بحثا عن الماء والكلأ لقطيعها الصغير .
عثرت هذه العجوز الطيبة - ذات يوم - على جرو ذئب صغير .. يكاد يموت من شدة الجوع والعطش .. كان صغيرا جدا ، عيناه لم تكتحلا بعد بنور الشمس .. وضعيفا لا يقدر على الوقوف من شدة الإعياء .. أشفقت عليه فأخذته إلى دارها ، ووضعته في سريرها ودثرته بلحافها الوحيد .. وأرضعته حليب نعجة من نعاجها .. وظلت تطعمه من طعامها المفضل ، حتى قوي عظمه واشتد ساعده .
غضبت جاراتها منها أشد الغضب ، وقلن لهــا : ألــم تجـد ما تحضريه لنا .. سـوى جـرو ذئب ( ذائح ) في البراري .. ؟
ــ وهل تردنني أن أترك المسكين يموت وحيدا من شدة الجوع والعطش .. ؟
ــ نعم .. كان عليك أن تتركيه ( يذوح ) في البراري ، كي يلاقي حتفه هناك بعيدا عنا .
ــ إنه مجرد جرو صغير .. لم يتطبع بعد بطباع الذئاب .. سأربيه مع كلابي وسأسقيه حليب نعاجي .. وسيكون حارسا أمينا لقطيعنا الصغير .
ــ حارسا أمينا .. !!! نحن أدرى منك بطباع الذئاب .. الأيام بيننا ( يا رباية الذايح ) .. نعم الأيام وحدها ، ستريك من طباعه ما يذكرك بأصله اللعين .

(2)

كبر ذاك الذئب الصغير وشب عن الطوق في دار العجوز الطيبة .. أحبها وأحبته وصار يتبعها كظلها .. يذهب معها إلى المراعي ، ويعود إلى دارها متى عادت إليهـا .
ذات يوم وبينما كان ( الذايح ) يقطع تلك البراري الواسعة عدوا ، وهو في طريقه إلى دار العجوز الطيبة ، اعترض طريقه ذئب عجوز .. استوقفه ثم قال له :
ــ مهلا أيها الذئب الحضري .. أود مخاطبتك في أمر هام .. ؟ يخصك أنت بالذات .
ــ أمر هام .. !!! ويخصني أنا .. !!!
ــ نعم .. هل تعرف أين أخوتك وأقاربك .. ؟
ــ أنا لا أعرف أحدا سوى هذه العجوز الطيبة التي أعيش في دارها .
ــ أنت لست كلبا .. كي تعيش في دارها .. أنت مجرد ذئب مثلنا .. والذئاب بطبيعتها لا تحب البشر ولا يحبونها .
ــ هذا مجرد هراء .
ــ إنه الحق بعينه .. عليك أن تهرب من دارها .. قبل أن تذبحك ، كما تذبح أي خروف من خرافهــا .
ــ كيف أصدقك وأنا لست خروفا .. ثم إن البشر بطبيعتهم لا يأكلون لحوم الذئاب .
ــ ولكنها قد تقتلك على أية حال .. نعم قد تقتلك ذات يوم .. كما قتلت أبويك من قبل .
ــ قتلت أبوي من قبل .. !!! من أخبرك بهذا الكلام .. ؟
ــ لقد كنت أحد شهود تلك الواقعة .. التي نجا منها عدد من أخوتك .
ــ عدد من أخوتي .. !!!
ــ نعم .. ولا يزالون يعيشون معنا إلى اليوم .
ــ ويعيشون معكم .. !!!
ــ بإمكانك اللحاق بأخوتك .. في أي وقت تشاء .. فقط إذا انتقمت لمقتل والديك .
ــ أنتقم لهما .. !!! ممن .. ؟
ــ من تلك العجوز الماكرة .
ــ تعني سيدتي الطيبة التي ربتني في دارها ، وأحسنت إلى مذ كنت ضعيفا وصغيرا .. أنا لا أحب سماع مثل هذا الكلام .. وداعا أيها الذئب العجوز .

" لم يشأ أن يكمل (الذايح) الحديث معه .. انصرف إلى حال سبيله .. لكنه وطوال الطريق كان يصغي إلى حديث نفسه ، التي بدأت تحدثه وبدأت هواجسها تشغله كثيرا "

(3)

ذات يوم آخر ، اعترض الذئب العجوز طريقه .. كان بصحبة مجموعة من الذئاب الأخرى .. أشار الذئب العجوز إلى بقية الذئاب التي كانت ترافقه وهو يقول :
ــ هؤلاء هم إخوتك أيها ( الذايح ) .. جاءوا بأنفسهم ليسلموا عليك .. ألا تلاحظ أنهم يشبهونك كثيرا .

" سلم عليهم ( الذايح ) واحدا واحدا .. وأمعن النظر في وجوههم طويلا ثم أطرق برأسه واجما ومفكرا .. أدرك ( الذايح ) أنهم أشد شبها به من تلك الكلاب والنعاج والماعز التي يعيش معها" .

ــ سنهاجم دارها عند منتصف الليل .. كي نثأر لأبويك .         قال أحدهم
ــ نحن لا نريد سوى القطيع .                                        قال آخر
ــ ولا نطلب منك سوي أن تفتح لنا باب حظيرة الماشية .         قال الذئب العجوز
ــ وستعود معنا لنعيش معا .. في مسقط رأسك .                    قال أحد إخوته .
ــ شريطة ألا تلحقوا أذى بالعجوز .                                  قال ( الذايح )
ــ وهو كذلك .                                                           قال الذئب العجوز

(4)

عند منتصف الليل تقريبا ، وبعدما أخلدت العجوز إلى النوم .. تسللت الذئاب إلى دارها .. وهناك كان ( الذايح ) في انتظارها .
وما إن فتح لها باب الحظيرة .. حتى هاجمت القطيع .. وعلت عند ذاك أصوات الماعز والدجاج والنعاج .. وكثر الهرج والمرج .. فاستيقظت العجوز مذعورة .. وقد أيقنت أن شرا يحيق بقطيعها الصغير .. فكان أن تسلحت بعصى غليظة .. وخرجت مسرعة لنجدته .
دخلت الحظيرة مسرعة .. لم تكن المسكينة تعلم أنها مليئة بالذئاب الشرسة .. التي هاجمتها من كل جانب فسقطت على الأرض مضرجة بالدماء .
أمعنت النظر في الذئاب التي طوقتها من كل جانب .. وهالها أن ( الذايح ) كان من بينها .. قالت وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة .. وتنظر إليه :
" ربيتك أيها ( الذايح ) صغيرا في داري .. وأطعمتك من طعامي ..
وغذيتك من حليب نعاجي .. فخنتني وغدرت بي .. فمن علمك طباع الذئاب. "
ثم فارقت الحياة.

al_oribi@yahoo.com
________________________

(*) "رباية الذايح" اسم تشتهر به بنغازي.
ـ   سبق لي نشر هذه الحكاية .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home