Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Said al-Araibi
الكاتب الليبي سعيد العريبي


سعـيد العـريبي

Monday, 9 October, 2006

الأحذية التي قصمت ظهـر جحا!!!(*)

سعـيد العـريبي

كان جحا ظلوما سلطويا جهولا .. لا يحب أهل قريته ولا يحبونه .. طفيليا ثقيلا لا يترك شاردة ولا واردة .. دون أن يحشر أنفه الكريه فيها .. وكان الناس يهابونه ويخشون بأسه .. لقرابته وعلاقته الوطيدة بالسلطان .
وكان السلطان يتوجس منهم خيفة .. ويحسب لهم ألف حساب .. ولذا فقد عرض على جحا بأن يسلمه مقاليد مسجد القرية .. كي يكون الناس طوع أمره وتحت سيطرته .. ويعرف الذين يحرصون على الصلاة ممن لا يصلون .. ودون تردد وافق جحا على عرضه ذاك .

ولم تمض سوى أيام معدودة .. حتى أصدر السلطان فرمانا خاصا إلى سكان تلك القرية .. يقضي بتكليف جحا بإدارة شؤون مسجدها .. من آذان وإمامة وخطابة وجمع تبرعات وغير ذلك .. ولم ينس أن يأمرهم بالسمع له والطاعة .
واستغل جحا اجتماع الناس لصلاة الجمعة التالية ليعلن لهم .. أنه من الآن فصاعدا أصبح المسئول الأول عن المسجد وشئونه وملحقاته ، كدورات المياه والخلوات والقباب وحتى المئذنة ، التي لن يسمح لأحد بتسلقها بحجة الآذان .. لأنه هو وحده المخول بذلك .
وتبرم الناس من جحا ومن سلطته النافذة التي لا حول لهم بها وقوه .. إلا أنهم واصلوا صلاتهم في المسجد مكرهين .. حبا لله وحده وامتثالا لأوامره وتطبيقا لشرعه وشريعته .

وفي اليوم التالي أعلن جحا .. أن المسجد سيفتح قبل كل آذان بربع ساعة .. وتغلق دورات المياه قبل الآذان بعشر دقائق .. والمواضئ بعد الآذان مباشرة .. وتقام الصلاة بعد الآذان بربع ساعة ويغلق المسجد بعد كل صلاة مباشرة . ونقم عليه الناس وغضبوا منه أشد الغضب ، ولكنهم صبروا .. لأن الله الذي له يصلون .. أمرهم بالصبر .. ويحب من عباده الصابرين .

وفي الخطبة الثانية .. وتضييقا على الناس وانتقاما منهم .. وبعد أن حمد الله وأثنى عليه .. توجه إلى الناس قائلا :

ــ أيها الناس .. اسمعوا وعوا .. ابتداء من هذه الجمعة وبموجب الفرمان الصادر من حضرة السلطان .. ولكي أعرف من جاء منكم إلى الصلاة ومن تغيب عنها .. لن يسمح لأي منكم باستلام حذائه إلا مني أنا شخصيا .. ومن هنا فأنني أقول لكم :

ــ لا تخرجوا بعد انقضاء صلاة الجمعة .. إلا بعد أن أخرج أنا أولا .. كي أوزع عليكم أحذيتكم وصنادلكم .. ولن أخطئ في ذلك أبدا .. فأنا كما تعلمون أعرف بلغة هذا القاضي .. من خف هذا الجزار .. وحذاء هذا الشاب الذي لا تفوته أبدا صلاة الفجر !!! من صندل الخباز .. نعم أنا أعرفكم جيدا .. وسترون ذلك مني .

وانقضت الصلاة .. وانتظر الناس مكرهين خروج جحا .. الذي أطال بعد الصلاة في نوافله وتسبيحاته ودعائه .. وبعد أن خرج قصد إلى الخلوة ..التي كان أعوانه قد جمعوا فيها كل أحذية ونعال وصنادل المصلين حيـث وقف هناك .. وشرع ينادي على كل صاحب حـذاء .. ويسلمه له شخصيا .
كان جحا يعرف الناس ويعرف ما يلبسون .. وكان يفتخر بذلك .. ويقول للناس لقد وليت عليكم بأمر من السلطان الذي يعرف أنني أعرفكم واحدا واحدا .. أعرف ما تلبسون وما تأكلون وما تشربون ومن تحبون ومن تكرهون .. حتى روائح جواربكم النتنة ، يميزها أنفي هذا الذي لا يخطئ أبدا .

اصطف الناس في طوابير طويلة .. منتظرين أن يأتي دورهم .. وينصرف كل منهم إلى بيته .. ولكن الانتظار طال بهم .. وتأخر أغلبهم عن بيوتهم وعن مصالحهم .. وأزف وقت صلاة العصـر.
فما كان منهم إلا أن تركوا أحذيتهم .. وذهبوا إلى بيوتهم حفاة ناقمين ساخطين .. وما إن وصلوا إلى بيوتهم .. حتى أذن حجا لصلاة العصر .
لكن لا أحدا منهم رغب في تلبية النداء .. مفضلين الصلاة منفردين في بيوتهم .. على الصلاة خلف إمام السلطان الذي يكرهون .. سائلين الله تعالى أن يغفر لهم .. ويتقبل صلاتهم فرادى في بيوتهم .

وهنـاك في المسجد انتظر جحا وصول الناس .. الذين لم يصلوا .. فمـا كان منه إلى أن ذهب إليهـم ، يطرق أبواب منازلهم .. طالبا منهم واحدا واحدا ، الخروج إلى الصلاة .. على أن يدع لهم تصريف شئون أحذيتهم بأنفسهم .. لكن لا أحد منهم فتح له الباب .. أو حتى رغب في مخاطبته من خلف الباب .
طرق كل الأبواب الموصدة .. وجرى في كل الشوارع الخالية .. حتى فقد عقله .. وشرع يجرى في طرقات القرية بلا هدى .. وهو يصيح كالمجنون :

ــ ما لي ولأحذيـة المصلين .. ما لي ولجواربهم النتنة .. لقـد تجاوزت الحـد .. وضيقت على الناس يا جحا .. فتمردوا عليك وسقطت سلطتك .. لقد ضاع كل شيء .. بأي وجه سأقابل السلطان .

صباح اليوم التالي خرج الناس من بيوتهم .. حفاة ساخطين ناقمين .. وتوجهوا إلى ساحة القرية وتجمعوا هناك .. لينطلقوا منها في مظاهرة عارمة طافت طرقات القرية .. وهم يرددون :

ــ يسقط جحا .. يسقط جحا .. نريد أحذيتنا .. نريد نعالنا .. نريد صنادلنا .. نريد جواربنا .. لن نرض بعد اليوم بأقل من " أحذية جديدة " .

وتوجهوا بعد ذلك إلى المسجد ليجدوا أبوابه مشرعة .. ولم يمنعهم أحد من دخوله .. فطافوا بأرجائه ولملموا أحذيتهم .. وأستغرب الناس وتساءلوا .. أين جحا .. ؟
الكل سأل عنه .. لكن لا أحد منهم علم من أمره شيئا .. ذهبوا إلى داره فوجدوها خالية لا أحد فيها .. وانتظروا لأيام وأيام .. لكن جحا لم يعد إلى قريته .

وهناك في البيت العالي ..علم السلطان بحكاية جحا وأحذية المصلين .. وخوفا من أن يطالبوا بعد ذلك بحريتهم .. سارع مكرها إلى إصدار فرمان آخر ، يعلن من خلاله لسكان القرية .. تنصله من جحا ومن تصرفاته المشينة.. وأنه قد أمر بتخصيص جزء من ريع الضرائب لشراء أحذية جديدة لهم كهبة سلطانية مباركة .. لا يسمح لغير السلطان بمصادرتها .. وأن لهم الحق بإدارة شئون مسجدهم بأنفسهم .. وأن يتفرغوا لعبادة الله بالطريقة التي يريدون .. وأن يختاروا بأنفسهم من يؤمهم للصلاة .. شريطة أن يكونوا على ولائهم له.. وأن يدفعوا زكاة أموالهم والضرائب المقررة عليهـم " عن يد وهم صاغرون " .
وفرح الناس بهبته السلطانية أشد الفرح .. وقبلوا شروطه وصبروا .. والله يحب الصابرين .

al_oribi@yahoo.com
________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "ليبيا اليوم" ، الأربعاء 27 سبتمبر 2006م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home