Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Said al-Araibi
الكاتب الليبي سعيد العريبي


سعـيد العـريبي

Thursday, 9 February, 2006

مجرد حلم(*)

سعـيد العـريبي

لم يطلب القرد الطموح جدا مـن أحد أن يتوسط له لدى الأسد .. قرر الذهاب إليه بنفسه ليعرض عليه حلمه الذي أرقه لسنوات طوال .. لبس أجمـل ما لديه من ثياب واعتمر قبعته واتجه مباشرة إلى قصر الملك .. وقف أمام باب القصر طالبا الإذن له بمقابلة الملك .. نهره الحرس في بداية الأمر ولم يسمحوا له بالدخول ، لكنه أصر على ذلك بقوله : إنني أريد مخاطبة الملك في أمر هام.
- أمر هام .. !!! ألا أخبرتنا به .. ؟
- لا أريد أن أخبر به أحدا سوى الملك نفسه .
- الملك نفسه .. !!!
- نعم .. وإن لم تسمحوا لي فإنني ...
- مهلا .. مهلا .. لم نكن نعرف أنه مهم إلى هذا الحد .
وقف القرد أمام الملك ، قبل الأرض بين يديه ، وانحنى له زيادة في التعظيم ، ولم يتكلم حتى أذن له بالكلام .
- سيدي .. سيدي الملك ، جئتك لأمر هام .
- أمر هام .. !!!
- نعــم .. حلمت يا سيدي .. حلمت بأنني ...
- وما علاقتي أنا بأحلام القرود .. ؟
- إنه مجرد حلم .. لكنني أرجو أن يتحقق ولو ليوم واحد .
- حسنا .. أقصص علي ما رأيت .
- حلمت يا سيدي .. حلمت بأنني ( ملك ) .
- الملك القرد .. ما سمعنا بهذا من قبل .. اسمع أيها القرد .. ها قد قصصت رؤياك علي، أغرب عن وجهي الآن، وإياك أن تحلم بذلك في يقظتك.
- مهلا سيدي .. لقد رجوتك بأن تحقق حلمي هذا ليوم واحد لا غير .
- أو تحلم بعرشي في يقظتك أيضا .. ألم تقل إنه مجرد حلم .
- سيدي .. لو كنت أقصد خيانتك أو الغدر بك .. لما أخبرتك بذلك .
- ماذا تقصد إذن .. ؟
- أنـت تعـرف - سيدي الملك - أننا معشر القرود مـن أكثر رعاياك مهانة وذلا، لم نغدر بك في يوم من الأيام ولم نخنك .. وكنا ولا نزال على الولاء لك والطاعة .
- أعرف هذا .. وأقدر لكم إخلاصكم وخدمتكم لي .
- إننـا يا سيـدي في حاجة ماسة إلى مساعدتك وعونك، إننا فقـط نريـد أن نشد من قاماتنا ونرفع رؤوسنا ، ونمشى بكرامة وشرف كبقية رعاياك .
- ماذا بوسعي أن أعمل لكم .. لقد خلقتم هكذا .. ذيولكم طويلة .. وجوهكم بشعة .. وقاماتكم غير مشدودة هذا واقعكم .. شئتم أم أبيتم .
- نعم هذا واقعنا .. ولكن ألا يحق لنا وأنت ملكنا .. أن نتطلع إلى الأفضل
- يحق لكم .. لا أحد يمنعكم من ذلك .. تطلعوا .. تطلعوا .
- نعم .. لا أحد يمنعنا من ذلك .. فقط إذا وافقت أنت .
- أوافق أنا لا ماذا أوافق .. ؟
- على أن نحكم الغابة ليوم واحد فقط .
- إذا كان ذلك سيحقق لكم الكرامة التي تتطلعون إليها .. فأنا موافق .
- شكرا لك سيدي .
( شرع يقفز عاليا من شدة الفرح وهو يقول : وأخيرا تحقق الأمل )
- ولكن بشرط، أن تتنحى عن العرش عند غروب شمس ذلك اليوم .
- أشكرك سيدي .. سنذكر لك صنيعك هذا مدى الحياة .
- اختر أي يوم يعجبك .
- أي يوم .. يا سيدي .. ؟
- أي يوم لا فرق عندي .
- يوم الانتخابات .
- ماذا تعني .. ؟
- أن تمتنع أنت عن ترشيح نفسك للرئاسة .
- أمتنع عن ذلك !!! ثم ماذا .. ؟
- سوف لن يجرؤ أحد على تقديم نفسه لهذا المنصب .
- أعرف هذا .. ثم ماذا .. ؟
- أرشح أنا نفسي .
- ترشح نفسك بدلا منى .. !!!
- ليوم واحد سيدي .. كما اتفقنا يوم واحد لا غير .
- حسنا .. اتفقنا .. ولكن لا تنسى .. سآتيك بعد غروب شمس ذلك اليوم .
- وهو كذلك .. أشكرك سيدي .
( قبل الأرض بين يديه وانصرف )

لم يرشح الأسد نفسه لفترة رئاسية جديدة .. امتنع عن تقديم اسمه إلى اللجان المختصة .. جاءت إليه كل حيوانات الغابة مجددة البيعة له، لكنه لم يوافق .. أصر على موقفه متحججا بإتاحة الفرصة لمن يريد ترشيح نفسه، وذلك تحقيقاً للديمقراطية التي طالما حلم بها الجميع.

ولم يرغب أحد - بطبيعة الحال - في ترشيح نفسه .. امتنع الجمـع عن ذلك .. سوى القرد الذي صعد إلى المنصة وهو يقول - على مرأى ومسمع من الجميع - أنا أرشح نفسي بدلا منه.

استغربت كل الحيوانات ذلك .. نظرت إليه باحتقار .. ثم نظرت إلى الأسد لتعرف رأيه بالخصوص .. لم يقل الأسد شيئا .. بل إنه رفع يده موافقا ومؤيدا، فتبعته بقية الحيوانات في ذلك ولم تمانع.

صباح اليوم التالي أعلن رسميا تولى القرد لمنصب الملك .. وتوجه إلى القصر وجلس على العرش واحتفلت المملكة كلها بالمناسبة .. وجاءت الوفود من كل حدب وصوب مباركة ومهنئة.

شعر القرد لأول مرة في حياته بالسمو والرفعة وبشيء من الغرور .. كان في غاية الفرح والسعادة.

لكن ذلك اليوم كان من أقصر أيام حياته كلها .. فما أسرع ما آذنت شمسه بالمغيب.
بعد الغروب مباشرة .. توجه الأسد إلى القصر .. وقف عند بابه طالبا الإذن له بالدخول ، لكن الحرس منعوه من الدخول قائلين له:

- لقد طلب منا الملك .. بان لا نسمح لأحد بالدخول بعد غروب الشمس .
- إنني أريد مخاطبة الملك في أمر هام.
- أمر هام !!! هلا أخبرتنا به ..؟
- لا أريد أن أخبر به أحدا سوى الملك نفسه.
- الملك نفسه !!! حسنا انتظر هنا.

لم يأذن الملك له بالدخول .. انتظر الأسد طويلا .. ونام عند باب القصر وفي الصباح وجد نفسه في زنزانـة انفرادية .. لا أحد يعرف السبب .. قال البعض : ربما سيحاكمه على جرائمه السابقة .. وقال البعض الآخر ربمـا سيشنقه .. وقال آخرون : بل سيكتفي بنفيه خارج البلاد.

بعث إلى كل أصدقائه القدامى ، طالبا منهم المساعدة في إطلاق سراحه .. الفيل اعتذر ولم يوافق .. والنمر تجاهله .. التمساح بكى من أجله بدموع التماسيح .. بعث إلى كل الذين قدم لهم العون والمساعدة في عهده ولكن لا أحد منهم رغب في مساعدته .. فقد شمت به الأعداء .. وتبرأ منه الأصدقاء .. وسبه آخرون.

وأخيرا بعث إلى الحمار، وعرض عليه تعيينه، مديرا عاما لمصانع الأعلاف، إن هو ساعده في محنته .. لم يتردد الحمار في مساعدته .. أسرع من فوره لنجدته - تحت جنح الظلام - وأطلق سراحه .

لملم الأسد أغراضه وحاجياته، وشكر الحمار على حسن صنيعه، وحمل جرابه فوق ظهره، ومشى منكس الرأس.

- إلى أين .. ؟ قال له الحمار
- إلى غابة أخرى .
- غابة أخرى !!! وماذا عن مصانع الأعلاف .. ؟
- مصانع الأعلاف !!! إنني أتمنى لك كل أعلاف الدنيا يا صديقي .. ولكنني لا أرغب العيش في غابة يسجنني فيها قرد ويطلق سراحي فيها حمـار .

al_oribi@yahoo.com


(*) سبق لي نشر هذه المقالة في موقع "ليبيا جيل"،27\6\2005م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home