Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Said al-Araibi
الكاتب الليبي سعيد العريبي


سعـيد العـريبي

Thursday, 2 February, 2006

الطريق إلى أذن جحا(*)

سعـيد العـريبي

كثيرا ما يتندر الناس بذلك المسلك الغريب الذي انتهجه جحا وهو يجيب على سؤال واضح وجلي وبسيط .. أين أذنك يا جحا..؟

ويتساءل البعض مستغربا .. لماذا لم يشر - بكل بساطة - إلى إحدى أذنيه .. قائلا ها هي .. لماذا لم يفعل ذلك .. ؟ أو بالأحرى لماذا تعمد ألا يفعل ذلك .. ؟ مخالفا بذلك بقية الناس.

لماذا فضل رفع يده اليمنى ليمررها من خلف رأسه .. في حركة التفاف طويلة وغريبة .. ممسكا في نهاية المطاف بأذنه اليسرى .. قائلا وبصوت جهوري : هـا هــي.

لفت هذا المسلك الغريب أنظار الكثير من الناس .. ودققوا النظر وأعملوا الفكر وخمنوا وتساءلوا وتخاصموا أيضا .. لكنهم وإلى يومنا هذا لم يقفوا على جواب شاف .. أو رأي قاطع يكشف لهم عن المغزى الحقيقي الذي يرمي إليه جحا .. والذي لا يزال يختبئ في بطنه سرا مغلقا .. يعجز حتى سمسم نفسه عن فتحه.

وتساءلت أنا بدوري مع من تسائل .. وأعملت الفكر والنظر كغيري في هذه المسألة .. وقلت في نفسي .. لماذا فعل جحا ذلك..؟ هل ثمة سبب مقنع دعاه إلى انتهاج ذلك المسلك الملتوي..؟
أنا هنا لست في معرض الدفاع عن جحا .. ولكنني وفي الوقت نفسه لست ممن يتندرون به .. أو يضحكون منه أو عليه .. وهم يستعرضون بغباء مسلكه الغريب الذي عرضنا له.

ولست أيضا في معرض الهجوم أو التحامل على هذا السائل .. رغم غبائه وتطفله غير المبرر على جحا وأذنه .. وقد حاولت بالفعل أن أجد له عذرا مقبولا أو حجة مقنعة أدافع بها عنه.

فقلت لنفسي : لعله كان مكفوف البصر .. وأراد أن يهمس في أذن جحا بسر ما مهم وخطير .. يخصهما معا .. ولا علاقة له بالآخرين، لا من قريب ولا من بعيد.

لكنني أدركت فيما بعد أنه لم يكن كذلك .. وإلا لما أشار جحا إلى أذنه اليسرى بالطريقة الملتوية التي أشرنا إليها .. أعني أنه كان مبصرا .. وكان يتابع بالصوت والصورة مسلكه الغريب وطريقته المعقدة في اقتناص الأذن محل السؤال.

نعم كان هذا السائل مبصرا .. وكان يتابع يد جحا اليمنى وهي تسلك طريقها من خلف رأسه باتجاه الأذن اليسرى.

والآن ألا يساوركم الشك بتلك التهمة العريضة التي تناقلتها الأجيال تعريضا بغباء جحا .. ألا ترون معي أن جحا لم يكن غبيا أو ساذجا .. بالقدر الذي قد يتبادر إلى أذهانكم .. ألا تلاحظون معي أن إجابته الذكية تلك كانت تحمل بين طياتها تعريضا مبطنا بغباء السائل نفسه.

وهل توافقونني الرأي بأن جحا .. لم يكن غبيا كما كان يشاع عنه ظلما .. بل إنه تعمد انتهاج ذلك المسلك الملتوي .. لأنه كان يعتقد في قرارة نفسه .. بعدم جدوى إجابة ذلك السائل الأحمق الذي لم يجد من بين عجائب هذا الكون وغرائبه ما يسأل عنه سوى أذنه هو.

فليكن سؤالك أخي القارئ على قدر حاجتك .. وإذا قابلت جحا ذات يوم فلا تسأله عما لا يعنيه أو يعنيك .. وإلا كان نصيبك من الإجابة على قدر سؤالك .. ولكل مقام مقال كما يقولون.

عليك بنفسك .. وإذا مررت بأحد يحمل فوق ظهره قربة مثقوبة فدعه وشأنه .. ودع قطرات الماء تبلل مؤخرته .. ولا تسأله عن قربته ولا عن إحدى أذنيه .. حتى وإن كان يعتمر عمامة كبيرة تغطي رأسه وأذنيه ونصف رقبته من الخلف.

هكذا علمني جحا .. وحدثني أيضا .. وردد على مسامعي هذه النصيحة الربانية الثمينة التي تجاهلها أو نسيها أغلب الناس:

(يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تٌبدَ لكم تسؤكم.)

al_oribi@yahoo.com


(*) سبق لي نشر هذه المقالة في موقع "ليبيا جيل"، 12\10\2005م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home