Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Sami Abdelsalam al-Arabi
الكاتب الليبي د. سامي عبدالسلام العربي

الأربعاء 27 أغسطس 2008

سيف الإسلام وتحدي المصداقية..

د. سامي عبدالسلام العربي

اللغة التي تحدث بها سيف الإسلام في خطابه في سبها في العشرين من هذا الشهر كانت واضحة ومحددة ومفهومة، وقد أوضح بما ينبغي ألا يدع أي مجال للبس أو غموض أو شك قراره بالتوقف عن التدخل في شؤون الدولة، ونيته التوجه للتفرغ للعمل الأهلي في مختلف آليات ومنظمات وجمعيات ما يسمى "المجتمع المدني".

وقد حرص المهندس سيف الإسلام على أن يضع قراره هذا في إطار تاريخي وسياسي محدد، وهو رفضه المبدئي لفكرة التوريث، التي يقول إنها صارت تتردد بأشكال وفي سياقات مختلفة، منتقداً بحدة وبوضوح الوضع السيئ الذي تعيشه الكثير من المجتمعات العربية القريبة وغير القريبة منا، بعد أن أعاد التأكيد على إيمانه بأن الحل الوحيد للأزمة السياسية والاجتماعية التي تعيشها بلادنا هو إعادة بناء الدولة، على أساس من عقد اجتماعي يختاره ويقره الناس، وتقام على أساسه دولة مؤسسات تتحدد فيها السلطات التي تمارس مهامها تحت سيادة قضاء مستقل ونزيه.

ولقد كان الأولى بكل من يحترم المهندس سيف الإسلام، ويثق في ذكائه ومدى استيعابه لمعاني ومضامين الأفكار التي عبر ويعبر عنها، أن يحترم هذا القرار وهذا الاختيار، وأن يعمل على مساعدته على المضي فيه، كي يحقق ما يصبو هو إليه من ورائه من أهداف وأغراض.

ولكننا فوجئنا بانفجار العديد من تلك التظاهرات المتخلفة الممجوجة، في شكل تجمعات وملتقيات واعتصامات تزعم أنها تصر على بقاء سيف الإسلام في الساحة، وتطالبه بالتراجع عن قراره واختياره، بل إن بعض هذه التجمعات قد ذهب إلى مدى بعيد حين أخذ يلح على فكرة، حرص سيف الإسلام نفسه على إزالة الغموض حولها، وهي أن خلاص ليبيا من أزماتها وخروجها من عنق الزجاجة الذي انحصرت فيه، مرهون ببقاء سيف في ساحة الفعل المباشر، وأن تراجع سيف أو تخليه عن الإمساك بتلك الملفات التي اعترف هو نفسه بأنه كان من الخطأ أن يورط نفسه فيها، سوف يعرض مسيرة البلاد نحو "الغد" المنشود لخطر التعثر والتوقف والفشل.

وإننا لا نملك إلا أن نعبر عن اشمئزاز حقيقي وبالغ من هذه الممارسات التي كنا نحسب أن مشروع سيف الإسلام الذي أخذ يبشر بليبيا جديدة، مختلفة عن ليبيا الماضي، قد أزالها من قاموس الممارسة السياسية ولغتها، من خلال التأكيد على أهمية بناء الأمور على الدراسة والفهم والتخطيط، وليس على الهتافات والتلويح بالأيدي خلال التجمعات المسماة جماهيرية، التي يسيطر عليها التوجه السطحي لأخذ الأمور مأخذا عاطفيا، بعيداً عن العقلانية والواقعية والنظر الهادئ.

ومهما اتفقنا أو اختلفنا مع سيف الإسلام في جدوى وسلامة تأكيده على فكرة أن والده العقيد معمر القذافي هو خط أحمر، وأنه هو أبو الليبيين كلهم، إلا أننا لا نظن سيف الإسلام نفسه يقبل أو يجد أريحية ما لسماع ما يريد بعض المتسلقين والمرتزقة أن يصفوه به، قائلين إنه بمثابة هارون لموسى، فلقد سمعنا سيف الإسلام يتحدث في أكثر من مناسبة وفي أكثر من سياق، وفهمنا ما يقوله وحتى ما يريد أن يقوله من خلال السطور، ولا يصرح به، ونقول إنه لم يتولد لدينا من خلال ذلك أي انطباع بأن سيف يمكن أن ينظر إلى نفسه هذه النظرة، التي تريد أن تمارس الأساليب المعروفة ذاتها كي تجعله يتوقف عن النظر إلى نفسه باعتباره واحداً من أبناء هذا الشعب، وفرداً من أفراد هذه الأمة، يتساوى معهم في الأساسي من الحقوق والواجبات، ثم يتورط في النظر إلى نفسه من منظور النبي الموحى إليه، والمرسل لخلاص الأمة مما هي فيه.

وإني لشديد اليقين من أن هذا التوجه يمثل أخطر ما يمكن أن يتعرض له سيف الإسلام ومشروعه الرامي إلى خلاص ليبيا، والسعي لإعادة بنائها دولة مؤسسات وقانون وديمقراطية، ومن ثم دولة تنمية ورفاه وازدهار وتقدم. ذلك أننا إذا أصررنا على دفع سيف الإسلام إلى أن يحصر نفسه في هذه الزاوية، زاوية الحاكم الفرد الذي لا تقوم الأمة ولا تكون لها حياة إلا به وبوجوده، فإننا سوف نكون قد ألحقنا به وبمشروعه أكبر الضرر، وسوف نكون قد أجهضنا طموحه في أن يسجله التاريخ في خانة ابن الأمة الذي أنقذها من المصير الفاجع الذي انتهت إليه، لا لكي يكرس نفسه عليها حاكماً بأمره، ولكن لكي يعيد فيها الأمور إلى نصابها، من خلال إيجاد الصيغ الصحيحة المناسبة لتطبيق المقولة التي سعى إليها والده قائد الثورة، وهي أن تكون السلطة للشعب، وليس لفرد أو طائفة أو فئة.

فلتكف هذه الأصوات الزاعقة، ولتدع المهندس سيف الإسلام يمضي في طريقه الذي اختاره لنفسه، وهو في تقديري الطريق الصحيح الذي كان ينبغي أن يختطه منذ البداية، وهو طريق تمهيد السبل لوضع الأسس اللازمة والضرورية لإعادة بناء "ليبيا الغد"، من خلال السعي لتطوير فكرة العقد الاجتماعي "الدستور"، وتهيئة الظروف الملائمة لإنجاز هذه الفكرة عملياً، وهي الظروف التي يلخصها سيف الإسلام بتأكيده على آليات العمل المدني، من خلال الجمعيات والمنظمات الأهلية، ومن خلال مزيد من الخطوات في اتجاه إزالة العراقيل التي ما زالت تعوق الممارسة الفعلية لحرية الرأي والتعبير، والتي ثبت أن الخطوات التي اتخذت من خلال ما سمي مؤسسة ليبيا الغد وصحافتها لم تكن هي الخطوات الصحيحة في الاتجاه.

وإننا نؤيد المهندس سيف الإسلام في قراره، ونرى أنه قرار صائب وحكيم، ونعلق عليه آمالاً كبيرة، إذا ما حرص على المضي في مسيرته نحو "ليبيا الغد" بعد أن يستخلص الدروس والعبر من الأخطاء والتشوهات التي شابت المسيرة في المرحلة الماضية، فيسعى إلى وضع خطط لمسيرة قادمة تنبني على أسس مختلفة، وتقوم، أساساً، على نوعية مختلفة من الرجال والعناصر، فلعل المهندس سيف الإسلام قد علم من تجربته الخاصة أن إحاطة نفسه بالآلاف المؤلفة من الشباب الذين لا مؤهلات لهم سوى الموافقة والاتباع والتصفيق والتلويح بالأيدي عند اللزوم، لا يرجى من ورائه أن نفع حقيقي، بل إن العكس تماماً هو الصحيح، إذ ينجم عنه أكبر الضرر والأذى، لأنه كفيل بتعمية حقائق الأمور عنه، وإيهامه بأن كل ما يقوم به صحيح ورائع وفي محله.

وإننا ننتهز هذه الفرصة لنعيد التأكيد على جملة من الأفكار عبرنا عنها وعبر عنها كتاب آخرون غيرنا، وهي أن المهندس سيف الإسلام، إذا أراد لمشروعه السياسي أن يتأسس على أسس متينة وراسخة وصحيحة، أن يحيط نفسه بنفر من ذوي الرأي والخبرة والتخصص، لكي يستنير بآرائهم وأفكارهم، ويعتمد على نصحهم وصدقهم وجرأتهم على قول الحق، ولو كان من شأنه أن يكون صعباً عليه، أو ليس موافقا لهواه. فمثل هؤلاء فقط هم من يمكن أن ينصحوه وأن يعينوه على رؤية الحق واتباعه. أما هؤلاء المصفقون الهتافون المنافقون فلن يعود عليه من هتافاتهم وزعيقهم إلا الضلال والتمادي في الخطأ والبعد عن الصواب.

فهل يسمح سيف الإٍسلام لنفسه بأن ينخدع بهذه الممارسات السخيفة الممجوجة، أم يصر على أن يظل صادقاً مع نفسه ومتمسكاً بالقرار الذي اتخذه، والاختيار الذي انتهى إليه.

samisallam@hotmail.com

26 أغسطس 2008


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home