Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Sami Abdelsalam al-Arabi
الكاتب الليبي د. سامي عبدالسلام العربي

الأحد 27 يوليو 2008

صفحة الماضي يمكن ويجب أن تطوى
ولكن ليس بهذه السهولة

د. سامي عبدالسلام العربي

حمل حديث الأخ سيف الإسلام الأخير الكثير من المعاني التي تمثل بالفعل أهم وأخطر ما يواجهنا في هذه المرحلة الحرجة والحساسة من تاريخ بلادنا. وقد استحقت قضية أو فكرة المصالحة الوطنية بالفعل أن تكون هي الأولى والأساسية، ذلك لأنه قد بات من المتفق عليه لدى جميع الأطراف المتعلقة بالقضية، سواء النظام ومن يوالونه ويتحركون من خلال عقيدته السياسية وآلياته العملية في السلطة والحكم، أو أولئك الرافضون أو المعارضون أو المختلفون مع كل أو بعض أطروحات النظام وآلياته المتبعة في ممارسة السياسة والسلطة، بأننا لن نستطيع أن نعكف على دراسة الحاضر، لنتبين مشكلاته وقضاياه، ثم لنتفرغ من بعد للبحث عن المعالجات والحلول الممكنة، إلا إذا طوينا صفحة الماضي، وتمكنا من إغلاق مختلف ملفاتها المفتوحة من عشرات السنين.

إذن فالخطوة الأولى هي العودة لتأمل صفحات الماضي، وتحديد ما حدث فيها من أخطاء وتعديات وجرائم وكوارث ومآسي، من أجل تبين حقيقة ما حدث، ولماذا حدث، ثم لتحديد من المسؤول بالضبط عما حدث، ثم البحث عن الوسائل والمناهج المناسبة والممكنة لمعالجة الآثار السلبية التي ترتبت على كل الذي حدث.

ودون العودة بالحديث المكرر إلى فكرة المصالحة الوطنية، وما ينبغي أن نفهمه منها، وما هي القضايا المتعلقة بها، والسبل الصحيحة والمناسبة لعلاجها ومواجهتها، حيث إننا وغيرنا قد كتبنا العديد من المقالات حول هذا الموضوع، بما يغني ويكفي في الإجابة عن كل هذه الأسئلة (للقارئ أن يرجع إلى الكتيب الذي نشره منتدى ليبيا للتنمية البشرية والسياسية حول موضوع المصالحة الوطنية)، فإننا نود في هذا الحديث أن نبين وجهة نظرنا في الطريقة التي تناول بها الموضوع الأخ سيف الإسلام في خطابه الأخير.

فقد لاحظنا في عموم الخطاب أنه يتناول قضية المصالحة الوطنية بكثير من السهولة المبالغ فيها؛ إذ يحاول أن يقفز على خطورة المسائل المتعلقة بهذا الملف، وأن يقلل من شأنها، لكي يوحي بأن التعامل معها سوف يكون سهلاً وميسوراً وبأقل الأثمان، وربما بدون أثمان على الإطلاق.

وأول ما لفت نظرنا ونظر الكثير من المحللين والمعلقين تناول الأخ سيف للدور الذي لعبته وقامت به اللجان الثورية طوال السنوات الماضية، وفي حقبة السبعينيات والثمانينيات على وجه التحديد، فيصور ما حدث بأنه مجرد أخطاء وقعت، أو استخدام مفرط للقوة، أو انحراف في الاجتهاد والفهم، ثم يحاول بطرق مختلفة أن يجد لعناصر اللجان الثورية وأجهزة الأمن الأعذار التي تبرر ما قاموا به وارتكبوه، من خلال القول بأن الثورة والبلاد كانت تواجه المؤامرات والمخططات المعادية، وأن الثورة وجناحها العقائدي والعسكري إلى جانب قوى الأمن والمخابرات المختلفة كانوا معذورين في مواجهة تلك المؤامرات والمخططات بالقوة والعنف، وأنهم هم أيضا وقعوا ضحايا للعنف والإرهاب المضاد من قبل الجماعات المعارضة التي كانوا يواجهونها ويشتبكون معها في معارك وصراعات دامية ومسلحة.

ثم يحاول أن يخلص من ذلك إلى نتيجة مؤداها أن محصلة ما حدث هو أن الطرفين متساويان في الجرم والمسؤولية، وأنه علينا أن نطوي هذه الصفحة، وننسى كل شيء، ونمضي إلى الأمام.

إلا أن المسألة أعمق وأكثر تشعباً وصعوبة من هذا..فباستثناء تلك الحالات المحدودة من المواجهات الفعلية التي تمت بين قوى أو عناصر معارضة وبين عناصر اللجان الثورية أو أجهزة الأمن، فإن صفحة الماضي مليئة حتى حافتها بجرائم وكوارث وانتهاكات لحقوق الإنسان وحرياته وقدسية منـزله وعرضه وشرفه، وقعت على مواطنين لم يتآمروا ضد الدولة والثورة مع أحد، ولم يرفعوا، بل لم يخطر ببالهم أصلا أن يرفعوا السلاح في وجه أحد، وكانت كل جريمتهم أنهم لم يوافقوا على عقائد النظام السياسية أو سياساته الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، ولم يقبلوا الآليات التي كانت تفرض عليهم لممارسة السياسة أو المشاركة في صنع القرار العام، من خلال نظام السلطة الشعبية، بمؤتمراتها الأساسية ولجانها الشعبية.

ومن هؤلاء مواطنون اتهموا، لا يعرف أحد بالحق أو بالباطل، بأنهم منتمون إلى تنظيمات سياسية (أحزاب) من تلك التي ينص قانون حماية الثورة على تجريمها وتحريمها، ثم أودعوا السجون، لسنوات طويلة، دون أن يقدموا لمحاكمة نظامية عادلة، ومنهم من قضى نحبه تحت التعذيب، أو من جراء المرض وسوء التغذية والمعاملة..

ومن هؤلاء مواطنون انتهكت حرمات بيوتهم، وتعرضوا وأهاليهم لأنماط من سوء المعاملة والترهيب والإهانة، لمجرد أن رب العائلة أو أحد أفرادها مطلوب القبض عليه لمواجهة تهمة معينة،

ومن هؤلاء مواطنون طردوا طرداً تعسفيا من وظائفهم وأعمالهم، لمجرد أن اللجان الثورية حكمت عليهم بأنهم رجعيون أو غير موالين للثورة..

ومن هؤلاء مواطنون اختطفوا من قبل عناصر "مجهولة"، وتعرضوا للتعذيب، ومنهم من قضى نحبه (ضيف الغزال نموذجا) ومنهم من ألقي على قارعة الطريق، مكتوف اليدين نازف الجروح، وبقي على قيد الحياة لأن أجله لم يحن بعد (الحاج علي زواوة نموذجا).

ومن هؤلاء مواطنون لم تستطع اللجان الثورية الانتقام منهم، لأنه تصادف أنهم كانوا خارج البلاد، فسلطت عناصرها وآلياتها لهدم بيوتهم وسرقة محتوياتها..

ومن هؤلاء مواطنون لحقت بهم عناصر اللجان الثورية في عدد من بلاد الأرض، فقتلتهم (ضحايا التصفية الجسدية في الخارج) ومن من قطع أربا في البلد الحرام وبالقرب من البيت الحرام وفي الشهر الحرام (الشيخ المبروك الترهوني مثلا)..

ومن هؤلاء مواطنون صادرت الثورة، تحت شعار تطبيق الاشتراكية، ممتلكاتهم وتركتهم يتسولون عيشهم من الدولة، ومنهم من لم يتحمل الصدمة فقضى نحبه..

ومن هؤلاء مواطنون حكمت عليهم اللجان الثورية بالموت، لمجرد أنها اتهمتهم بالتآمر مع جهات أجنبية أو معارضة، ثم نفذت فيهم الحكم دون أن تتيح لهم فرصة التقاضي أمام محكمة شرعية عادلة.

ومن هؤلاء مواطنون زج بهم دون إعداد ولا تأهيل في حروب خاسرة خارج حدود الوطن، ثم تخلت الدولة عنهم، فلم تقم بما ينبغي في حق من قتل منهم، أو في حق من وقع في الأسر، ثم في حق من ظل مفقودا حتى هذه اللحظة، ولا يعرف أهله عن مصيره شيئاً.

كل هذه جرائم ومآس ليس من السهل القفز عليها، وتجاوزها دون القيام بما ينبغي من التحقيق والنظر والمتابعة والمساءلة، فيتم ما يلي:

- حصر دقيق لمختلف التجاوزات التي تمت والجرائم التي ارتكبت.

- تحديد المسؤول عن تلك التجاوزات والجرائم، سواء الأفراد المعينون الذين قاموا بها أو ارتكبوها بأيديهم، أو جهاز من أجهزة الدولة الذي أصدر الأمر بها.

ثم يتم بعد ذلك النظر في الحلول والمعالجات الممكنة.. وهذه لابد أن تتدرج وتتنوع بحسب الأحوال والمقتضيات، ونرى أنه لابد من أن يتم الآتي:

- أن تعتذر الدولة عما حدث من تجاوزات، وتعترف بخطئها في ذلك. وفي هذا الصدد لابد أن يكون هناك "اعتذار" تاريخي عن تجاوزات الحقبة الماضية، وتحمل للمسؤولية الأدبية عنها من قبل الدولة.

- أن يتم التحقيق الدقيق والنـزيه في التجاوزات والجرائم التي ارتكبت، حتى تظهر الحقيقة، ويتم تحديد المسؤول عنها، فيأخذ جزاءه.

- أن ينظر، بعد ذلك، في الإمكانيات المتاحة لجبر الضرر والتعويض المادي والأدبي، ومن ذلك تحكيم أولياء الدم، في قضايا القتل والتصفية الجسدية، وتعويضهم التعويض المجزي إن قبلوا بمبدأ العفو أو أخذ الدية.

ونحسب أن كثيرين لا يمكن أن يتفقوا مع الأخ سيف الإسلام في قوله إن القول بأن اللجان الثورية تتدخل في شؤون السلطة والحكم أو أن بيدها أن تفعل وتقرر هو خرافة وكذب، فهذا للأسف الشديد غير صحيح، فمنذ قيام حركة اللجان الثورية أخذت مقاليد الأمور تتكدس في أيدي العناصر المتنفذة فيها، التي تسلقت إلى أرفع المناصب وأكثر مفاصل الحكم أثراً وتأثيراً، وليس هنا المجال الكافي والمناسب لسرد أنماط وأشكال الممارسات التي صارت عبر العقود الثلاثة الماضية على الأقل تتوالى وتزداد وتتتابع حتى أصبحت هي السائد والمعتاد، وفُرض على الناس بقوة القهر والخوف والرعب أن تتحملها وتسكت عليها، فقط لأنه لا قبل لها بمواجهتها أو مقاومتها أو الرد عليها.

ولعله ليس أدل على هذا من ترسخ فكرة أن المعيار الأول وربما الوحيد لوصول الأفراد إلى المواقع الإدارية القيادية، أو الحصول على المنح والبعثات الدراسية إلى الخارج، أو الجدارة بعضوية الجمعيات الأهلية، أن يحظى المرشح بمباركة وموافقة مكتب الاتصال باللجان الثورية..

إذن فليس من الصحيح أن نتجاهل، هكذا وبجرة قلم، ما فعلت اللجان الثورية بالبلاد وبالمواطنين، وبدل أن نتخذ القرار التاريخي الوحيد الذي يجدر بنا أن نتخذه، إذا أردنا بالفعل إجراء مصالحة وطنية حقيقية، وهو الإعلان عن نهاية حركة اللجان الثورية بمفهومها وتعريفها الذي أنشئت عليه منذ أوائل السبعينيات، نستمع إلى الأخ سيف الإسلام وهو يحاول تبرئة هذه اللجان مما فعلته وارتكبته، ويحاول فضلاً عن ذلك إعطاءها مبرراً جديداً لاستمرار وجودها في حياتنا السياسية، وهو يدرك ويعلم أن اللجان الثورية لا يمكن أن يكون لها مبرر وجود في ظل الصورة التي يريدها لليبيا الغد؛ ليبيا التي يتساوى فيها المواطنون جميعاً في جدارة الانتماء إلى الوطن، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، حسب تعبيره هو نفسه، وحيث تعود لجميع المواطنين الحقوق ذاتها في امتلاك الرأي والتعبير عنه من خلال منابر أو أطر شرعية، تتيح لها ذلك في ظل القانون والتشريعات النافذة التي تسري على الجميع.

وإذا حق للجان الثورية أن يكون لها وجود شرعي، وأن يكون لها تنظيمات ترتبط فيما بينها بمكتب اتصال، ينسق حركتها ويقودها، فإن من حق مختلف الأطراف في المجتمع الذين لهم رأي مختلف أو قناعة متميزة أن يكون لهم الإطار التنظيمي الذي يضمهم ويتيح لهم أن يعبروا عن آرائهم وقناعاتهم في ضوء الشمس وتحت ظل القانون والشرعية.

وهذا الحديث يقودنا إلى الإشارة إلى نقطة أخرى لفتت النظر في خطاب الأخ سيف الإسلام وهي أنه لم يتطرق عبر الخطاب الطويل إلى الأفكار المهمة التي كان قد بادر إلى طرحها وعرضها في مختلف خطاباته السابقة، وفي مقدمتها فكرتان بالغتا الأهمية هما: فكرة الدستور أو الميثاق الوطني، وفكرة المنابر السياسية التي تتيح للمواطنين الأطر المناسبة للتعبير عن الرأي. ولقد لقيت هاتان الفكرتان قبولاً وترحيباً، لدى الكثير من المثقفين خاصة، ولكن سرعان ما خاب رجاؤهم وأصيبوا بإحباط وحيرة حين توقفت فكرة المنابر السياسية قبل أن تبدأ، وحين اختفت نسخة مشروع الدستور بعد ساعات من نشرها في موقع صحيفة الوطن الليبية. ثم تأكدت خيبة الرجاء حين لم يسمعوا من الأخ سيف الإسلام أي تعليق حول ما حدث، يحدد بالضبط من كان وراء إجهاض فكرتي الدستور والمنابر، وما رأيه هو وموقفه من المسألة. ولقد ظل المثقفون الذين استجابوا لندائه بالمشاركة في الحوارات الدائرة في المنابر، ثم صدموا بما حدث من عرقلة ترافقت مع بروز تلك الأصوات الكريهة من خطاب التهديد والإرهاب والقمع، ينتظرون أن يخرج الأخ سيف لكي يفسر لهم ما حدث وما يحدث، ولكي يفهموا على وجه الدقة إن كان جاداً فيما يطرحه من أفكار وتصورات حول ليبيا الغد، وإن كان من بعد قادراً على الصمود في وجه التيارات والقوى التي تجند نفسها، وتحشد قواها، لعرقلة مشروعه وإفشاله من قبل أن يوجد..

ولعلنا لا نُعلم الأخ سيف بشيء يجهله إذا قلنا له فليبحث عن أصابع هذه القوى في مكتب الاتصال باللجان الثورية، وفي أوساط العناصر التي امتلكت عبر السنوات مفاصل النفوذ والسلطة في هذه الحركة، فهي القوى التي رأت منذ البدء أن بروز مشروع سيف الإسلام وليبيا الغد يمثل خطراً عليها وعلى ما تحقق لها من نفوذ وسلطة وامتيازات وثروات، ومن ثم فإنها أخذت تحاربه بكل ما تملك من قوة ووسائل: من خلال إجهاض الأفكار التي يقترحها، وعرقلة المشاريع التي يخطط لها، ثم إرهاب العناصر المخلصة التي اقتنعت بمشروعه الإصلاحي، وأيدته بصدق وإخلاص ونية صافية، وها نحن أولاء نراها وهي تُقدّم للمحاكمة، وتُتّهم بتهم في منتهى الخطورة، من قبيل تضليل الرأي العام وخيانة مبادئ الثورة، لمجرد أن أحدهم صدّق أننا نعيش عصر حرية الرأي، فقال كلاماً، أو كتب مقالة، عبر فيها عن رأيه فيما يرى ويعيش من واقع البلاد وسياساتها، وانتقد ما وجده جديراً بالنقد أو التخطئة.

ومن هذا المنطلق نقول للأخ سيف: إننا نتفق معه في أن صفحة الماضي يجب أن تطوى، ولكننا نقول له إن المسألة ليست بهذه السهولة والبساطة، وأنها تحتاج إلى تكاتف كل القوى الوطنية من أجل بحثها وإيجاد الحلول المناسبة لها، حلولاً تكون ناتجة من حوار وطني شامل بين جميع الأطراف، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وليست مفروضة من علٍ، من قبل جهة واحدة، ومن خلال نظرة واحدة. ومن ثم فلن تكون مثل تلك الحلول ناجحة وناجعة، وسوف تكون المعالجة ناقصة وقاصرة، ومن ثم تظل العلة باقية مهما تصورنا أننا عالجناها واستأصلناها.

samisallam@hotmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home