Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ibrahim Abdelaziz Sahad
الكاتب الليبي ابراهيم عبدالعزيز صهد


ابراهيم صهد

Sunday, 30 March, 2008

       
       

ذكريات مع جاب الله مطر (2)

ابراهيم عـبدالعـزيز صهد

كان الارتباك يسود مطار طرابلس، وكنا نرى بوضوح تناقضا في إدارة أوضاع المطار، وإجراءات استقبال ركاب الطائرة الوحيدة التي حطت بالمطار، وهذا فسر لنا السبب الذي أدى بطائرتنا أن تعيد الإقلاع بعدما حطت على المدرج، وكيف استمر تحليقها لمدة تزيد على نصف ساعة حتى سمح لها بالهبوط من جديد.

استقبالنا كان خاصا، لا يقارن بالإجراءات التي كانت تتبع مع المسافرين الآخرين التي كانت تأخذ وقتا أطول،فقد استقبلنا أحد ضباط الجيش وكان يعرفنا، وقد كان بالفعل ودودا وحفيا بنا، وأتم كل الإجراءات بسرعة، لكن هذه الحفاوة لم تدم، فبعد أن اصطحبنا الضابط الذي استقبلنا إلى سيارة "لاندروفر" كانت ستنقلنا إلى معسكر باب العزيزية، وطلب من السائق أن يغادر المطار، صاح شخص آخر لإيقاف السيارة. وتكررت عملية الأوامر المتناقضة لسائق السيارة بالتحرك مرة وبالانتظار مرة أخرى. وعرفنا أن التناقض مرده أن الضابط الذي اصطحبنا إلى السيارة كان لا يرى ضرورة وجود حراسة معنا، بينما كان غيره يرى عكس ذلك، وهذا معناه أننا في حكم المعتقلين.

بعد فترة من الانتظار أُركب معنا جنديان مسلحان. كان سائق السيارة قد بدأ يتبرم من تناقض الأوامر ومن الحرج الذي وجد نفسه فيه، فما كان من جاب الله إلا أن قال له "عليك بالصبر الدنيا ما هيش طايرة، وانكان علينا واخذين على سوق الرحيل امغرب". نظرت إلى جاب الله وقلت له مازحا: "الربيع من فم الدار يبان" فرد على: "كان هذا أول خط المحراث .... والا خليها ساكتة". كان تبرم السائق قد بلغ مداه عندما أمر بأن يتوقف مرة أخرى بعد أن تحركت السيارة، وقالوا له لديك راكب آخر ستأخذه معك. عرفنا أن الراكب أحد ضباط الشرطة في طرابلس (لا أتذكر رتبته الآن ولكنني أظن بأنه كان عقيدا أو زعيما)، وكان قادما معنا على نفس الرحلة... كان الرجل كبيرا في السن، ويبدو الارتباك واضحا عليه، وطلبوا منه أن يركب في الخلف مع الجنديين، عندها تخليت له عن مقعدي –احتراما لسنه ولرتبته- وركبت في الخلف مع الحرس. لا أنسى نظرة الامتنان التي بدت في عينيه.

تحركت بنا السيارة ... ثم توقفت بعد دقائق عند مدخل المطار، حيث أقيمت بوابة وبجانبها مبنى صغير. كان يقف على البوابة ضابط برتبة ملازم مع عدد من الجنود، وبعد أن فحص السيارة ومن فيها، وفحص جوازات السفر، طلب منا النزول من السيارة والدخول إلى المبنى، الذي كان عبارة عن غرفة صغيرة، بها بعض الكراسي المتآكلة. كان الملازم دائم الصياح، ويبدي تبرما ممن يصدر الأوامر في هذا المطار. وجلسنا في تلك الغرفة فترة تزيد عن ثلاث ساعات. كنت منشغلا بمراقبة ما يجري حولنا من خلال إحدى نوافذ الغرفة، وكنت أود أن أعرف لم تم احتجازنا في هذه الغرفة بعد ما سمح لنا بمغادرة المطار، سيارتنا كانت هي الوحيدة التي أوقفت. وكنت أستمع إلى الحديث الدائر بين جاب الله وضابط الشرطة. كان ضابط الشرطة قد بدأ يأنس لنا، فأشار في حديث خافت إلى أنهم أخضعوه إلى ما يشبه التحقيق، وفتشوا متاعه وفتشوه شخصيا.

كنا نتصبب عرقا لأن الجو كان حارا في ذلك اليوم، خاصة وأن باب الغرفة ونافذتين فيها كانت تطلان باتجاه الشمس. ومن خلال الحديث عرفنا أن رفيقنا مصاب بداء "السكري" وأنه متضايق من شدة الحر وفي أمس الحاجة إلى أن يشرب ماء، ولكنه لا يريد أن يطلب ماء مخافة أن يعرض نفسه لأي حرج أو مهانة. ولما كنت أصغرهم سنا ورتبة، فقد شعرت أن علي أن أطلب ماء، وعندما خرجت من باب الغرفة، كان الملازم ما زال في صياحه وانشغاله بفحص السيارات المغادرة، وكان أحد الجنود قريبا مني فطلبت منه أن يزودنا بماء، وبعد قليل دخل علينا بقربة صغيرة فيها ماء بارد، وقال هذه لي ولكن "ما تعز عليكم". وبعد قليل دخل نفس الجندي يحمل سفرة بها أكواب شاي وقطع خبز، معتذرا أنه ليس لديه اكثر من ذلك وهو يقول "الجود بالموجود". وعندما خرج الجندي استوقفته عند باب الغرفة وعرفت أنه يعمل في معسكر "عين زاره"، وبعد الانقلاب تم إرساله ضمن مجموعة من جنود المعسكر إلى المطار للحراسة، أما الملازم فهو من وحدة أخرى، وأن الجنود العاملين معه في الموقع يعانون من تصرفاته. كما عرفت من الجندي أنه في الأصل من منطقة "القيقب".

بعد طول انتظار قررنا أن نخرج لنتحدث مع الملازم، خرجت أنا وجاب الله وطلبنا من ضابط الشرطة أن يبقى في الغرفة. لم يعجب الملازم خروجنا، لكن جاب الله بادره بأن سأله لماذا نحن هنا؟ ومن أمر بهذا؟. كانت نبرات صوت جاب الله حادة. قال الملازم بأنه ينفذ الأوامر. فقلت له لقد سألك المقدم جاب الله عمن أمر بإيقافنا في هذه الغرفة، ولا نظن أنك تلقيت أمرا من أحد حتى تنفذه، وإنما هو تصرف من عندك. ازداد ارتباك الملازم وقال إن مشكلتي هو ضابط الشرطة الذي معكم، وأنا في انتظار أوامر إلى أين أرسله. قال له جاب الله لو كنت مكانك لما أوقفت السيارة لأنك ترتكب خطأ كبيرا، فلماذا لا تترك القرار للموجودين في ‘طرابلس؟. قال هذا ما فعلته بالفعل فقد اتصلت باللاسلكي بمعسكر باب العزيزية وأنا في انتظار ردهم.

بعد قليل دخل الملازم وقال ستغادرون إلى معسكر باب العزيزية. وهكذا غادرنا جميعا تلك الغرفة، وركب معنا الجنديان.

في معسكر باب العزيزية ... توالت المفاجآت .

يتبع إن شاء الله .


       
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home