Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ibrahim Abdelaziz Sahad
الكاتب الليبي ابراهيم عبدالعزيز صهد


ابراهيم صهد

الأحد 30 يناير 2010

أبجديات ودروس من التجربة التونسية

ابراهيم عـبدالعـزيز صهّد

ما زالت صفحات الثورة التونسية تقلب لتكتب مزيدا من الأبجديات، وما زالت الدروس المستفادة تتكشف يوما بعد يوما. ومع هذا فقد اصبحت هذه الأبجديات والدروس الأولية موضع تطبيق ومحل استفادة في مصر.

وبالرغم من نجاح الانتفاضة التونسية في إجبار الرئيس بن علي على الهروب، إلا انه من السابق لأوانه القول بأن الثورة قد بلغت شاطئ الأمان، أو أن يُظن بأنها قد تجاوزت محاولات السرقة والتوجيه إلى وجهات لا يرتضيها الشعب التونسي وتتنافى مع تطلعاته. أما في الحالة المصرية فما زالت الأمور في بداياتها رغم ممارسة حرق المراحل من كل أطراف المعادلة المصرية، ووصول هذه الأطراف إلى نقاط اللاعودة.

لم يكن بن علي وأركان حكمه هم فقط من سعوا لكبت الشعب التونسي وخنقه، فقد شاركته أطراف كثيرة خلال سنوات حكمه، ولم يكن بن علي وأركان حكمه وحدهم من سعوا إلى وأد هذه الانتفاضة في مهدها، ثم سعوا إلى إخمادها عندما غدت يافعة متأججة، ثم سعوا إلى استيعابها والالتفاف عليها بعدما تخطت مخاطر الوأد والإخماد. كثيرون شاركوا بن علي وساعدوه في محاولات الوأد والإخماد والاستيعاب والالتفاف، ومازالوا حتي يومنا هذا يبذلون المساعي لضرب هذه الثورة إما بعدم تمكينها من تحقيق أهدافها، أو بتفريغها من مضامينها، أو ربما لا يتورعون حتى عن الحيلولة دون استتباب الأمن والاستقرار في تونس والعمل على نشر الفتن والقلاقل. هم يفعلون ذلك تفاديا لنجاح هذه الثورة حتى لا تكون مثالا يتكرر في غيرها من البلاد بدءا من المجاورة واللصيقة. ستسعى هذه الأطراف إلى أن تتدارك في مصر ما فاتها فعله في تونس.

لكن كثيرا من تلك الأطراف لم تجد –بعد نجاح الانتفاضةالتونسية- من سبيل سوى تأييد حق الشعب التونسي في التغيير، حتى ولو تم ذلك بطريقة متحفظة. وحده القذافي الذي ظل مغردا خارج السرب، كاشفا عن رعب حقيقي من نجاح هذه الانتفاضة التي تمت بهذه الطريقة المثيرة والمرشحة لأن تتكرر، وفاضحا حقيقة ما يعتمل في نفسه تجاه حق الشعوب. لم يتوقف عند حد محاولة التدخل لمساعدة بن علي عن طريق هبة مالية لا تقل عن خمسة مليارات دولار، لا يدري أحد ما هو مصيرها الآن بعد هروب بن علي، وقام بفتح الحدود بطريقة فوضاوية لا تقدم أية خدمة للقادمين من التوانسة بقدر ما تستوعب أعدادا منهم بعيدا حتى يخف ضغط الشارع على الحكم، وسوف تتكشف إجراءات أخرى اتخذها القذافي في محاولة لإجهاض الثورة، بما في ذلك خطابه الذي لم يجد غضاضة في أن يتحدث بطريقة سمجة سخيفة عن الانتفاضة ونتائجها الأولية.

ليس هناك شك من أن الدوائر الإقليمية والعالمية قد انكبت على أحداث هذه الثورة لدراسة تطوراتها، وللإلمام بمفرداتها وحركتها، والتيارات المؤثرة فيها، من أجل استخلاص الدروس التي تمكن من التأثير فيها والسيطرة على نتائجها، وكذلك بما يمكن في المستقبل من الحيلولة دون قيام مثيلات لها في دول المنطقة. لكن شرارة مصر كانت أسرع من كل هؤلاء.

وكما تنكب هذه الدوائر لاستخلاص الدروس وتسخيرها لأغراضها، فإن الشعوب أيضا معنية بهذه الدروس للاستفادة منها لإنهاء حالات الاستلاب التي تعيشها، وإحداث التغييرات المنشودة، ووضع أقدامها على بدايات طريق تقود إلى استعادة حقوقها وبلوغ تطلعاتها.

ليس الشعب التونسي أول من قام بثورة شعبية في العصر الحديث، ولكنه يحتفظ بالأولوية في المنطقة العربية وفي القرن الواحد والعشرين. ولو راجعنا الثورات الشعبية التي قامت بها شعوب أخرى في مختلف مناطق العالم لوجدنا أن أوجه التشابه كثيرة ومتعددة تعدد أوجه الاختلاف؛ بحيث يمكن القول بأن كل ثورة قد تميزت بأمور تعطيها نمطا مغايرا وفريدا، سواء في أسبابها المباشرة وغير المباشرة، أو في أدواتها وأساليبها المستخدمة، أو في ما واجهته من عراقيل ومثبطات، أو في المسببات والعوامل التي قادت إلى النجاح. هذا التشابه والاختلاف مستمدان من تشابه حاجات الشعوب ودوافعها للثورة والانقلاب على أنظمة الحكم المختلفة، ومن تغاير الظروف والأنظمة السائدة في مختلف الدول، ومستمدة أيضا مما يملكه كل شعب من خصوصيات الوعي والثقافة.

في المنطقة العربية وقفت حواجز عديدة لتعرقل الشعوب من تحقيق التقدم والارتقاء التدريجيين، وسدت كل منافذ التطور، واستمر التضييق حتى استُلبت من المواطن كل حقوقه الإنسانية، وحُرم من كل أدوات التغيير السلمي، وأصبح عليه إما أن يبقى جزءا من قطيع يسيره حاكم ديكتاتوري، أو أن يخوض مواجهة غير متكافئة يكون فيها المواطن أعزلا من كل شيء، ويكون فيها الحاكم مدججا بكل أنواع الأسلحة. لم تقف الحواجز التي تعرقل الشعوب عند حدود حاكم ديكتاتور متسلط، ولكنها شملت من يعين هذا الحاكم على الشعب إما بدوافع الخوف أو الطمع؛ بدونهم ما كان لأي ديكتاتور مهما بلغ طغيانه وعسفه أن يفعل شيئا، وشملت أيضا المرجفون وضعاف النفوس الذين يدفعهم خوفهم أو طمعهم إلى القيام برذيلة تسويغ المعاذير وتثبيط الهمم والترويج للاستكانة، ثم يأتي بعد ذلك التثبيط الشرس المنطلق من المصالح الدولية الظاهرة والمستترة والتي دائما ما تفضل حاكما ديكتاتورا لا يأبه إلا لبقائه في الحكم بأي صورة وبأي ثمن، بما في ذلك شراء الشرعية والتفريط في مصالح الوطن، فتقف هذه المصالح إلى جانب الحاكم المستبد، وتشترك معه فعليا في قمع الشعب بشتى الطرق الظاهرة والمستترة. أمر آخر شكل حجر عثرة أمام فرص التطور والارتقاء التدريجين تمثل في دوامة الانقلابات العسكرية التي أُخضعت لها المنطقة؛ بحيث غدت هذه الانقلابات هواجس تعبث بمخيلة الشعوب وتدعوها إلى الاستكانة في انتظار البيان الأول. ولهذا عجزت شعوب المنطقة أن تتجاوز مشاكلها مع الأنظمة القائمة عن طريق التطور والارتقاء نظرا لانسداد الطرق المؤدية إليه، ولم تلجأ إلى الثورة لتغيير واقعها لأنها تدرك أن الثورة تعترضها شراسة الحكم القائم وتتطلب تضحيات جسيمة، وكم هي المرات التي حاولت الشعوب أن تثور وأُجهضت ثوارتها بعد حمامات من الدماء، حدث ذلك في كثير من بلدان المنطقة العربية. تُرك ألأمر إذن إلى البيانات الأول محملة بوعود سرابية لم تلبث أن انكشفت وكشفت عن وضع أسوء من سابقه، ولم يعد الأمر يتعلق بمفاضلة بين من الأحسن بل من الأقل سوءا، وأصبح على الشعوب أن تستمر في معاناتها انتظارا لبيان أول ليس هو الأول، ولانقلاب يليه آخر. لم تفعل الانقلابات وما أفرزته من أنظمة قمعية شرسة سوى إخضاع الشعوب وتدجينها، وتشتيت القدرات الجماعية وزرع الفردية. لكن الانقلابيين استفادوا من تجارب الانقلابات الأخرى التي سبقتهم وطوروا قدراتهم ليس فقط على قمع الشعوب وقهرها، بل على البقاء على كرسي الحكم، والحيلولة دون حدوث التغيير بأي صورة من الصور. طوروا قدرات أجهزة الاستخبارات على إحصاء وعد الأنفاس، وأنشؤوا قوات الدعم المركزي، وقوات الردع، وحجموا القوات المسلحة خوفا من قيامها بالانقلاب، وفتحوا السجون، ونصبوا المشانق، وخالجهم الاطمئنان أن في إمكانهم أن يمارسوا الطغيان وينهبوا ويسلبوا دون الخشية من أي رادع. تحصنوا بكل أدوات القهر والقمع، وظنوا أنها مانعتهم إلى الأبد.

ولهذا جاءت ثورة الشعب التونسي مفاجأة لجميع المتابعين سواء نظام بن علي أو القوى السياسية التونسية أو مختلف دول المنطقة أو غيرها من الدول المهتمة بشؤون المنطقة. قبل هذه الانتفاضة لا أعتقد أن هناك كثيرين كانوا يراهنون على تحرك الشعب التونسي، لا أحد قدّر حينها أن "البوعزيزي" لم يشعل النار في نفسه وحسب بل أشعل جذوة كان هو أولها ولا يُعرف لها آخر. وحتى بعد أن بدأت الاحتجاجات والمظاهرات والاعتصامات فإن قليلين جدا هم من تجرأ على الرهان على سقوط بن علي، بل ظل الشك في إمكان سقوطه حتى اللحظات الأخيرة التي سبقت هروبه.

من أهم الدروس التي قدمتها انتفاضة تونس أن فتيل هذه الانتفاضة قد تم إشعاله من قبل شخص واحد. لكن تم التقاط هذا الفتيل وتأجيجه شعبيا وبطريقة عفوية في كثير من الاحيان. لم يكن من أشعل الانتفاضة قيادات بارزة، ولا شخصية رمزية، لكنه كان شخصا عاديا من الشعب، لكنه تحول ليصبح الشخصية الرمزية التي أفرزت نفسها وكانت هي مقدمة الحدث الذي زلزل أركان الحكم. أصبح "البوعزيزي" هو الشخصيةالرمز، وأصبح مشهد انتحاره منطلقا لحراك غابت "القيادات والأحزاب" عن بداياته، وأجج الشارع أواره، وأدامت العفوية زخمه، حتى غدا هادرا. دور القيادات جاء متأخرا .. الأحزاب السياسية لم يكن لها دور عملي بارز .. لكن النقابات وقياداتها التقطت الخيط من الشارع. كان في الإمكان أن ينتهي مشهد الحريق في سيدي بوزيد دون أن يكون له أي صدى، كان يمكن أن يمر الناس .. أن يهزوا رؤوسهم أسفا وحزنا، أو ألما ومواساة دون أن يفعلوا شيئا، وتكون النار قد شاطت في "البوعزيزي" وحده، لا يتحرك أحد لشأنه، ولا يزوره في المستشفى حتى غفير بلدية سيدي بوزيد، لكن الفعل الشعبي والتقاط الجذوة وانتشارها أجبرت بن علي على أن يزور "البوعزيزي" متظاهرا بمسوح الأسف، واضطرته إلى ان يتراجع ويركع، ثم إلى أن يهرب بطريقة مهينة. وبهذا لم يحترق "البوعزيزي" وحده، ولم تذهب تضحيته أدراج الرياح. في مصر الهبة كانت شعبية بامتياز، وجاءت محاولات استيعابها والسيطرة عليها من قبل الأحزاب بصورة مبكرة في استباق لما تم في التجربة التونسية.

في مضمار تقليب صفحات الثورة التونسية وإبراز أبجدياتها ودروسها ينبغي أن نضع في الميزان حقيقة أن الانتفاضة وحركة الشارع ليست هي وحدها من أحدث التغيير. كانت هي الشرارة من غير شك، وكانت هي التي حركت غيرها من العوامل التي ساهمت في التغيير. كانت الحناجر والأيدي والأجساد المترصة، وكان التصميم وشمول التظاهر والاعتصام كل القرى والمدن، وكانت الدماء التي سالت ... كلها كانت الأساس الذي جعل عوامل أخرى تتظافر لتسهم في نجاح التغيير. هناك عوامل كثيرة ومساعدة، لا بد أن نذكر منها التغطية الإعلامية المصاحبة لحركة الشارع التونسي، وخاصة تغطية قناة الجزيرة وقناة العربية التي فاقت كل تصور والتي ما زالت مستمرة حتى الآن. شاهدنا مواكبة الأحداث دقيقة بدقيقة، وحدثا بحدث، في كل قرية وفي كل مدينة. وشاهدنا كيف تبارى المذيعون ومقدموا البرامج وتفننوا في التغطية، وقد نقول بأن الحدث قد فرض نفسه وأجبر تلك القنوات، لكن بدايات مشابهة لم تحظ من هذه القنوات بمجرد التفاتة. في إطار الدروس المستفادة لا بد من التوقف أمام هذه التغطية المتميزه وندرس تأثيراتها، قد نتساءل كيف ولماذا؟، ولكننا بالتأكيد نصفق ونتمنى أن تكون التغطية في متناول حركات الشعوب دون أن يكون الكيل مزدوجا. تمنينا أن تكون قناة الجزيرة –على سبيل المثال- حاضرة في انتفاضة 17 فبراير في بنغازي، أو قي وقفات أهالى شهداء مجزرة بوسليم التي أسمعت حتى من به صمم، وتمنينا أن تتواجد هذه القنوات في مختلف النشاطات التي تقوم بها المعارضة الليبية، تمنينا كل ذلك .. ولكن نقول إن شاء الله تكون ملحوقة، وأن لا تتخلف هذه القنوات عن متابعة الشأن الليبي بعيدا عن التزلف لحكم القذافي الذي هو أكثر الحكام العرب دموية وديكتاتورية وهمجية، وأطولهم بقاء في السلطة مستخدما القوة والقمع والقهر. وكما كانت التغطية الإعلامية في تونس ممتازة ومؤثرة، كذلك كانت تغطية أحداث انتفاضة مصر.

أما العامل الأكبر الذي ينبغي أن نتوقف عنده في استخلاص دروس الانتفاضة التونسية، فهو موقف الجيش التونسي، الذي يمكن أن يشار إليه –عن حق- بأنه كان العامل الحاسم الذي رجح الكفة. موقف الجيش الرافض للتدخل لضرب المتظاهرين حجب عن بن علي إمكانية الحسم لصالحه، لكن الدلائل كلها تشير إلى أن الجيش –عبر قيادته- كان الجهة التي أوعزت إلى بن علي بضرورة المغادرة، كما أن الجيش بقي في المشهد السياسي ضامنا للعملية الانتقالية؛ بدونه ما كان يمكن للحكومة الانتقالية أن تبقى يوما واحدا لا بأي من التشكيلات التي مرت بها، ولا بأية تشكيلة أخرى. تبقى أسئلة كثيرة مثارة حول موقف الجيش، تساؤلات من قبيل هل كان الجيش قد تصرف بمعزل عن أية إملاءات او تدخلات خارجية؟ وأسئلة من قبيل لماذا كان موقف الجيش التونسي بهذه الكيفية ولم يتجاوزها إلى الاستيلاء الفعلي على السلطة اسوة بما كان يجري في البلاد العربية طيلة أكثر من نصف قرن؟ وكيف حافظ الجيش على وحدته وانضباطه ولم يخرج من بين صفوفه من يسعى إلى الانقلاب والاستيلاء على السلطة؟ وما هي العوامل التي صاغت موقف الجيش التونسي بهذه الصورة؟ . أسئلة قد تكون الإجابات حولها –في الوقت الحاضر من قبيل التخمين- ولن تستبين إلا بعد ان ينجلي الغبار. لكن ما يمكن قوله في هذا الخصوص ان الجيش التونسي كان دائما في الظل، ولم يسبق أن كان جزءا من المعادلة السياسية في تونس. الأمر مختلف في مصر، فموقف الجيش المصري يكتنفه بعض الغموض، ونزل إلى الشارع للقيام بدور ليس محددا وواضحا، ولا يعرف على وجه التحديد كيف سيتصرف تجاه المتغيرات.

يمكن القول أيضا بأن دور الجيش التونسي وتوقفه عند حده الراهن لم يكن ليكون لولا وجود مؤسسات وأطر دستورية وقانونية تتجاوز في حقيقة الأمر حكم بن علي، وهي المؤسسات التي شكلت مرتكزا لملئ الفراغ الرئاسي بطريقة سلمية. بدون هذه المؤسسات فلم يكن أمام تونس إلا خيار استيلاء الجيش على السلطة أو الفوضى الكاملة. توفر هذه المؤسسات ووجودها مستندة على الدستور مكن من ملئ الفراغ، حتى وإن لم يتم ذلك بطريقة أرضت بعض الأطراف. كذلك فإن توفر هذه الأطر والمؤسسات والقبول بها شعبيا ساعد ويساعد على التطور التدريجي في السلطة الانتقالية. في مصر كانت المؤسسات القائمة جزءا من المشكلة، مجلس الشعب ينظر إليه على أنه مزور، ولذلك فرئيسه هو الآخر لا يحظى بأي احترام من الشعب، ولا يمكنه أن يملأ الفراغ الرئاسي، ولذلك فقد تكون خطوة الرئيس مبارك بتعيين نائب له محاولة –متأخرة- لإيجاد "مؤسسة نائب الرئيس" يمكنها سد الفراغ بعد تخليه عن السلطة.

سوف يتبين لنا عاجلا أم آجلا تفاصيل مواقف الدول المتنفذة في المنطقة، لكن هذه المواقف يمكن وصفها بأنها إن لم تكن مؤيدة بالكامل للانتفاضة في تونس فهي لم تكن معرقلة. جاءت مواقفها متأخرة بعض الشئ وعلى غير العادة، وكانت ضعيفة مترددة إلى ان تنامى زخم الانتفاضة وانتشرت الاعتصامات والمظاهرات. لكن سقوط بن علي أدى إلى تخلي الجميع عنه، حتى حلقاؤه المقربين؛ فلم يجد ملجئا إلا بشق الأنفس. في مصر بادرت الأطراف الدولية منذ البداية أن يكون رأيها حاضرا منذ بداية الانتفاضة، حاولت في البداية أن لا تبتعد كثيرا عن الحكم في محاولة لدعمه، ثم عادت وغيرت تحت هدير الشارع؛ وشتان بين تصريح "هيلاري كلينتون" وخطاب "باراك أوباما". الدرس للأغبياء أن أية تحالفات دولية لا يمكنها أن تصمد أمام إرادة الشعوب. ومهما قدم حاكم من خدمات لهذه الأطراف الدولية، فإن ساعة السقوط تحيل هذا الحاكم أو ذاك على التقاعد، فلم تعد خدماته ممكنه، ولذلك بات يشكل عبئا على "أصدقائه" السابقين.

في تونس: حتى مع حدوث ثورة شعبية .. عبر عنها الناس من خلال مظاهرات واعتصامات .. وتدخل الجيش لحسم رحيل بن علي .. إلا أن المخاوف من سرقة هذه الثورة كانت وما زالت قائمة .. تمثلت في محاولات فرض مسؤولين في النظام السابق على السلطة الانتقالية ... وتمثلت في استثناء أطراف وتيارات كانت مستثناة من الحكم السابق .. ولولا استمرار المظاهرات والاعتصامات لما رأينا التغييرات التي تحدث بصورة يومية. الدرس: أن الإصرار على بلوغ الغايات وعدم القبول بأنصاف الحلول هوالذي يحفظ النتائج الأولية التي تتحقق ويحول دون سرقة المكتسبات.

لا يفوتنا أن ندرك أن الشرارة التونسية لم تنطلق من العاصمة ولا من مدينة كبرى، ولكن ساعد في انتشارها مساحة تونس الصغيرة، والكثافة السكانية العالية والاستخدام المكثف لتقنيات الاتصالات المتوفرة والتي سهلت انتقال المعلومات والشعارات والهتافات بصورة تلقائية سرت كسريان البرق في سماء مثقلة بالسحب. هذه التقنية ستكون معرضة للحجب من قبل الأنظمة الديكتاتورية للحيلولة دون أن تكون في متناول يد قوى التغيير، ولا بد من البحث عن بدائل.

ما زال مبكرا الحديث عن النتائج التي ستترتب عن الانتفاضة المصرية، ولا عن الأبجديات والدروس التي بدأت تفرزها بالفعل. وبديهي أن ندرك: بالرغم من أن لكل انتفاضة ظروفها الخاصة المستمدة من طبيعة الشعب وما يحيط به من عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية، وطبيعة الحكم القائم وما يسخره من أدوات في مواجهة الحراك الشعبي، وطبيعة المصالح الدولية المتغلغلة والتي لا تأبه إلا لذاتها، إلا انه يمكن القول أيضا: أن اساسيات حاجات الشعوب وتطلعاتها واحدة، وأن أي انتفاضة في أي دولة في المنطقة لا بد ان تحدث رجات في ما حولها. هذا أكثر تأكيدا بالنسبة لما يجري في مصر، فكل ما ينتج عن الانتفاضة المصرية سيكون له أبعاد وتأثيرات على كل المنطقة العربية وخاصة على ليبيا.

بالرغم من أن حكم القذافي يبدو وكأنه قوي ومستقر في بعض الأحيان ومن منظورات معينة، إلا أن الحقيقة تقول غير ذلك، فالحكم يعاني الضعف في كل مفاصله: الحالة الصحية للقذافي .. فشل القذافي في فرض التوريث .. الاحتقان الشعبي على كافة المستويات ولعديد من الأسباب، كل ذلك معروف ومشاع، ولكن هناك أيضا احتقانات حتى في الدوائر الضيقة القريبة من القذافي .. خلافات الأبناء .. توجس المتنفذين من القذاذفة ومن المسؤولين من تصرفات الأبناء، وخوفهم على مصائرهم بعد سقوط القذافي .. عتاة المجرمين باللجان الثورية ومواقفهم التي لم تعد خافية ... النقمة في أوساط الجيش الذي يتعرض الآن للحل والتصفية. هناك قضايا مرشحة للغليان (قضية مجزرة بوسليم ... المشاكل المعيشية ... المسكن ... أطفال مستشفى بنغازي ... وغيرها) هذا على الصعيد الداخلي ... وهناك قضايا معلقة وستظل معلقة دائما على الصعيد الخارجي .. وكلها قد تندرج تحت تورط القذافي في الإرهاب الدولي.

لسنا في مجال تعداد جرائم القذافي، لسنا في مجال مقارنة طغيان بطغيان آخر، ولا بأربعة عقود مع مدد أخرى يقضيها الطغاة في الحكم. لسنا في مجال المقارنة بين عنف وقمع بن علي أو مبارك، مع عنف وقمع القذافي، ولا سرقة ونهب أسرة بن علي أو مبارك والمحيطين بهم، بنهب وسرقة أموال الشعب الليبي من قبل القذافي وأسرته وذيولهم .... لا مجال للمقارنة لأنه لا وجه للمقارنة؛ فجرائم حكم القذافي وسرقاته تفوق أضعاف أضعاف جرائم الحكام العرب والأفارقة مجتمعين ... ومبررات الليبيين للثورة أضعاف مبررات التوانسه والمصريين. السؤال ليس هل سينتفض الشعب الليبي، ولكن السؤال متى؟

إبراهيم عبدالعزيز صهّد
ibrahimsahad@hotmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home