Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ibrahim Abdelaziz Sahad
الكاتب الليبي ابراهيم عبدالعزيز صهد


ابراهيم صهد

السبت 29 مايو 2010

وقفات مع أحاديث هيكل ..

 الوقفة الأولى

ابراهيم عـبدالعـزيز صهّد

قد يكون من الضروري أن أعتذر للقراء عن تأخري في متابعة حلقات "هيكل والافتراء على التاريخ"، وخاصة أولئك القراء الذين يتواصلون معي حثا على استكمال الحلقات. ولهذا التأخر أسباب كثيرة قد لا تخفى على الكثيرين، لكن أهم هذه الأسباب هو الانشغال بالحال الراهن للقضية الليبية، وكذلك فإن كتابات وأحاديث السيد هيكل قد باتت تثير في النفس مشاعر التقزز والاشمئزاز عندما يتبين أن الرجل قد برمج نفسه على متابعة نفس الأسلوب الذي تعودناه منه في اجترار ما كان يكتبه في الأهرام في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وفي تنصيب نفسه حكما يحدد من هو المخلص والتقدمي ومن هو الرجعي والخائن، ويمارس الانتقائية والإقصاء في سرد الأحداث وتفاصيلها، كما يمارس النفخ في شخصيات وطمس أخرى تأسيسا على أوهام وأهواء تم فرضها على الأمة في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، ويريد لها هيكل أن تستمر في تكبيل الأمة؛ يستخدم في ذلك أسلوبه المعروف في تطويع العبارات ولي أعناقها، وهو يجلس دونما حسيب أمام عدسات الجزيرة. ولهذا فإن التعامل مع مثل هذه الأحاديث وما حملته من افتراءات متكررة مرهق جدا؛ خاصة إذا أردنا أن نتوخى الموضوعية والعقلانية وأن نتوخى الدقة في محاكمة هيكل إلى ما يكتبه ويقوله، ما يتطلب تكرار مراجعة هذه الأحاديث "الماراتونية"، وما يحتاجه ذلك من وقت. 

كتابات وأحاديث هيكل دائما ملغمة ومليئة بالخلط المتعمد بين ما هو حدثٌ فعلا وما هو رأيه الشخصي وتحليله لذلك الحدث، علاوة على أنه كثيرا ما يتفنن في إضافة "لمسات درامية" يحسده عليها كتاب الدراما الهابطة. وعلى المستوى الشخصي لست من المهتمين بشيطان الدراما الذي يتلبسه السيد محمد حسنين هيكل في معظم رواياته للأحداث، إلا من ناحية ما قد يوحيه من تضخيم لحادثة بما يخرجها عن حقيقتها وموقعها، أو تبجيل لشخصية لا تستحق ذلك، أو حط لأقدار رجال دونما وجه حق. اهتمامي يكمن في أن هيكل يزعم بأنه يؤرخ، أو على الأقل يضع مادة لتأريخ مرحلة من أهم مراحل منطقتنا العربية؛ وهي مرحلة صاغت بعض أحداثها مصائر الشعوب في المنطقة لعقود –إن لم نقل لقرون- لاحقة، وللأسف بطريقة كارثية. كان ينبغي أن تكون دراسة تلك المرحلة مؤسسة على تفحص جاد بعيدا عن العاطفة وبمعزل عن شطحات الصحافة وبالتأكيد بدون اللجوء إلى محاولة إعادة كتابة التاريخ عن طريق اختلاق أحداث وتطعيمها بتفاصيل وتحليلات بغية الخروج بنتائج تغيب عنها الحقيقة. 

وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فقد شاهدت الحلقات الجديدة التي أسهب فيها هيكل في الحديث عن الانقلاب العسكري في ليبيا، وأعطاه من الوقت ومن التقييم ما يتناقض بصورة تصطدم وتتناقض مع ما يشاهده ويقوله الناس -في الواقع- حول هذا الانقلاب المشبوه، وما آلت إليه أحوال ليبيا وعلاقاتها العربية والدولية بسببه، وما أصاب شعبها جراءه. لكن هيكل يطوع جميع المساقات ويُخضعها لأمر واحد هو ما عاد على حكم الرئيس جمال عبدالناصر من فائدة –حتى ولو كانت آنية، وحتى لو كانت تافهة- من هذا الانقلاب مهما كانت الخسائر والمغارم، ومهما كانت النكبات والهزائم، ومهما بلغت الكوارث والمآسي، ومهما آلت إليه أحوال ليبيا من خراب ودمار. 

 وكغيري من الليبيين فقد استفزني ما ورد في تلك الحلقات واعتبرته استخفافا بمعاناة الشعب الليبي وآلامه تحت هذا الانقلاب قبل أن يكون افتراء على حقائق التاريخ، وكذبا لا يمكن إلا أن يصدر عن شخصية مريضة بداء النرجسية المفرطة، ولا يمكن أن ينطلي إلا على المنهزمين نفسيا الذين لا يقدرون إلا على ممارسة جلد من يحاول أن يتصدى لمثل هذه الأكاذيب. وفي الواقع فقد كفاني بعض الإخوة –جزاهم الله خيرا- مؤونة التعليق على ما ورد في هذه الحلقات، غير أنني أود أن أشير–وباختصار شديد- إلى بعض الأمور التي أرى ضرورة طرقها وطرحها بالتوازي مع حلقات "هيكل والافتراء على التاريخ"؛ فتلك الحلقات توخت إبراز تعمد كذب هيكل في ادعائه باستخدام القاعدة الأمريكية في ليبيا منطلقا لغارات جوية على مصر في يوم الخامس من يونيو 1967، وما زالت الحلقات لم تستكمل بعد، وإن كنا قد فندنا كثيرا من الجوانب والادعاءات والأكاذيب التي رددها هيكل. ولما كانت الأحاديث الأخيرة للسيد هيكل قد حوت كثيرا مما في جعبته من أكاذيب وافتراءات فمن المفيد التطرق لهذه الأكاذيب وكشفها لخدمة غرضين: أولهما المزيد من تعرية أكاذيب هيكل وفضح تعمده الكذب لأغراض في نفسه ؛ وهو ما نعمل على كشفه من خلال حلقات "هيكل والافتراء على التاريخ"؛ فالذي يكذب ويتعمد الكذب لا يمكن أن يستأمن على التاريخ، ولا أن يصدق فيما يقول. أما الغرض الثاني فربما يكون فيما نبينه إجلاء للغشاوة عن عيون بعض المنهزمين نفسيا أو أولئك الذين ما زالت ترهات أحمد سعيد وخزعبلات أهرام هيكل تعشعش في مخيلاتهم.  

http://lh4.ggpht.com/_HTUN2X1A6Bc/TAAFsSm6uNI/AAAAAAAABLA/0PuGMLvhUXw/s512/nasser%26gaddafi_haykal_plane_Dec1970.jpg

هيكل وهو يجلس خلف عبدالناصر والقذافي على متن الطائرة المتوجهة إلى بنغازي (ديسمبر 1970)

النقطة الأولى تتعلق بمهمة هيكل ورحلته إلى بنغازي: فقد حكى هيكل عن رحلته –بعد الانقلاب مباشرة- إلى بنغازي، وغلف الرحلة بشيء من الحبكة الدرامية التي جعلها تقترب من رحلة أسطورية أو مغامرة من المغامرات، والأهم في رواية هيكل أنها تظهره بأنه "بطل الفيلم" بلا منازع، بل إن الرحلة أصلا قد خصصت ورتبت من أجله هو!!. لكن مصادر رسمية مصرية تختلف معه في روايتها لهذه الرحلة بدرجة تنسفها من أساسها، بل تنسف كل جزئية فيها.  

السيد هيكل يقول بأن السيد فتحي الديب كان أحد الثلاثة الذين حملتهم تلك الطائرة إلى بنغازي، فالرجل كان هو الآخر معه في نفس الطائرة وشاهدا على أحداث تلك الرحلة.

فماذا يقول هيكل؟ ..

وماذا يقول فتحي الديب؟ ..  

وللعلم فإن فتحي الديب كان في ذلك الوقت مسؤولا عن الشؤون العربية برئاسة الجمهورية المصرية، كما أنه صاحب تاريخ في العمل الاستخباراتي ومتخصص في المهمات القذرة[i].   

هيكل يقول بأن الرئيس عبدالناصر قد اختاره للسفر إلى ليبيا، وأن هذا الاختيار تم بعد مشاورات حول الوضع في ليبيا جرت بين هيكل وعبدالناصر، وقد  حرص هيكل على تأكيد أنه كان هو المكلف بالمهمة ومن سافروا معه هم رفاق له ليسوا إلا:  

"لكن واضح هم عايزين حد لكن هم قرروا، الرئيس سأل أو طلب منهم الرئيس طلب منهم من الأجهزة المعنية في الدولة أن يسألوا الليبيين، وزارة الخارجية أن تسأل القنصلية هناك هم عاوزين مين بالضبط؟ أو عاوزين حد بالذات يعني[ii]؟ كلمني قال لي.. لقيته بيضحك في التلفون بيقول لي ظهر أنهم عاوزينك أنت، قلت له أنا؟ قال لي البرقية اللي جاي قدامي وعلى أي حال ما فيش وقت وعليك أن تسافر هذه الليلة إلى بنغازي وأنا قلت يحضروا لك طائرة، مع الأسف طائرة عسكرية حتأخذك لكن ما عنديش حل آخر غير كده، هم طلبوا هذا وما عندناش حل إلا نستجيب. طيب أنا ليه؟ ....."

"كان قال لي كمان الرئيس عبد الناصر قال لي في واحد حيجي معك من جهة.. يعني أنا أظن المخابرات ولا حاجة لأنه فعلا لما طلعت لقيت السيد فتحي الديب موجودا في الطائرة وأول مرة كنت بأشوفه، كنت سامع عن نشاطه السابق في المغرب العربي وعلى أي حال قعدنا في الطائرة والطائرة ما كانش فيها إلا هو ومحمد يوسف"

وباختصار شديد فإن هيكل يزعم الآتي:

1) أنه هو الذي كان مكلفا بهذه المهمة، "وعليك أن تسافر هذه الليلة إلى بنغازي وأنا قلت يحضروا لك طائرة،"

2) أن الاختيار كان بسبب أن الانقلابيين طلبوا هيكل بالاسم، "لقيته بيضحك في التلفون بيقول لي ظهر أنهم عاوزينك أنت، قلت له أنا؟" ...... " هم طلبوا هذا وما عندناش حل إلا نستجيب. طيب أنا ليه؟" ولم يتركنا السيد هيكل في حيرة من تكرار السؤال قلت له أنا؟" ... أنا ليه؟" وإنما قدم لنا إجابة قال بأن القذافي هو الذي قالها له عندما قابله في بنغازي!!

 3) وأن عبد الناصر قد خصص طائرة عسكرية لتنقله إلى بنغازي، " مع الأسف طائرة عسكرية حتأخذك لكن ما عنديش حل آخر غير كده،"

4) وفيه واحد حييجي معك، (وخلي بالك من معك) "قال لي كمان الرئيس عبد الناصر قال لي في واحد حيجي معك من جهة " ْ وأن هذا الواحد طلع فتحي الديب " يعني أنا أظن المخابرات ولا حاجة لأنه فعلا لما طلعت لقيت السيد فتحي الديب موجودا في الطائرة وأول مرة كنت بأشوفه" يعني هيكل المكلف بهذه المهمة لا يعلم من يرافقه فيها إلا بعد أن يركب الطيارة ويفاجأ بأن "الواحد اللي حييجي معك" طلع فتحي الديب !!

5) وأن الطائرة التي تقل هيكل لم يكن فيها (مع هيكل) سوى إثنان آ خران: هما (فتحي الديب)، ومحمد يوسف (المصور) "وعلى أي حال قعدنا في الطائرة والطائرة ما كانش فيها إلا هو ومحمد يوسف"

هذا ما يقوله هيكل، ... فماذا قال فتحي الديب؟ (أرجو من القراء مراجعة كتاب "عبدالناصر وثورة ليبيا" لفتحي الديب) في كل ما ننسبه للرجل. 

فتحي الديب كان مسؤولا عن الشؤون العربية برئاسة الجمهورية آنذاك، ولهذا فمن الطبيعي أن يكون ضمن دائرة التشاور مع عبدالناصر حول ما جرى في ليبيا. ويورد الديب في الصفحات الأولى من كتابه أنه شارك في عدد من الاتصالات والمشاورات منذ الساعات الأولى من صباح الأول من سبتمبر، وأن بعض الاتصالات كانت مع عناصر ليبية كانت موجوده في القاهرة[iii]، ثم يوضح قصة البرقية التي وردت من بنغازي تطلب إيفاد مندوب .. يوضح قصة البرقية بالكيفية التالية:

"وفي صباح اليوم التالي وردت برقية بنغازي التي تضمنت ما طمأن الرئيس عبدالناصر على سلامة اتجاهات مفجري الثورة والتزامهم بالخط الثوري القومي، خاصة ما طلبوه على لسان قائد ثورتهم من حاجتهم العاجلة لمن يختاره الرئيس عبدالناصر لمعاونتهم بخبرته في مواجهة الموقف بعد نجاح الثورة لتأمينها وضمان استقرارها واستمرارها[iv]".

أي أنهم طلبوا من عبدالناصر أن يرسل لهم من يختاره، ولم يطلبوا هيكل بالاسم، كما يدعي هيكل[v]. ثم يقول فتحي الديب أنه هو من تم اختياره للسفر إلى ليبيا على رأس وفد، وهذا الاختيار والتكليف تم من قبل الرئيس عبد الناصر شخصيا:

"فوجئت صباح يوم الثالث من سبتمبر باتصال السيد سامي شرف سكرتير الرئيس تلفونيا ليخبرني برغبة الرئيس جمال في لقائه فورا لأمر هام، وتوجهت على الفور لمقابلة الرئيس"

ثم يورد ما قاله له عبدالناصر في هذا اللقاء:

"قررت أن نقف إلى جانب مجلس الثورة الليبية لنوصلها لبر الأمان. وأحب أقولك يا فتحي أنا طلبت ترشيح من يصلح لهذه المهمة الخطيرة، وعرضت علي كثير من الأسماء ولكنني قلت للكل أنه لا يصلح لهذه المهمة غير المقاتل بتاعنا (fiyhter) [vi] فقالوا لي مين قلت فتحي الديب ........ وقد أمرت بتجهيز طائرة مصرية جاري إعدادها حاليا بمطار القاهرة لتستقلها ومعك من ترى الاستعانة بهم ........ وأنا أمرت بتجهيز خطاب مني لقائد الثورة الليبية لأقدمك إليه، ومنتظر رد ليبيا علي وإبلاغنا باستعدادهم لاستقبال طائرتك لتقوم فورا ......... ولعلمك أنا كلفت هيكل ليسافر معك لتغطية لقائك بقائد الثورة على أن يعود على نفس الطائرة ومعه تقرير عاجل منك "[vii]

تحت عنوان السفر إلى بني غازي، كتب فتحي الديب[viii]:

" اجتمعت بمكتب السيد سامي شرف بمن رشحوا من قبل الوزراء المختصين ليعاونوني في مهمتي وهم:

المقدم صلاح السعدني الذي قام باختياره الفريق محمد فوزي وزير الحربية

المقدم أحمد رشدي الذي قام باختياره السيد شعراوي جمعة وزير الداخلية

السيد أمين بسيوني واختاره السيد محمد فائق وزير الإعلام

السيد عماد البط أخصائي الشفرة الذي اختاره السيد محمود رياض وزير الخارجية"

"وقد فرضت السرية التامة على المهمة وطبيعتها سواء بالنسبة لوسائل الإعلام أو شركة الطيران وانضم إلى الوفد المرافق لي السيدان أحمد كامل وأحمد سوار من إدارة المخابرات العامة".

ويضيف فتحي الديب في الصفحة (17)، إلى قائمة من رافقوه على الطائرة العميد محمد عبدالحليم ممثل الرئيس السوداني جعفر نميري.

وباختصار شديد فإن فتحي الديب يناقض هيكل في كل ما أورده حول الاستعداد لهذه الرحلة، خاصة في الآتي:

1) أن المكلف بالمهمة كان فتحي الديب وليس هيكل، وأن هيكل كان مرافقا وضمن الوفد ومهمته التغطية الصحفية للقاء الديب مع قائد الثورة فقط، وقد كرر الديب في أكثر من مناسبة تحديد مهمة هيكل بأنها للتغطية الصحفية. 

2) أن اختيار الديب وتكليفه بهذه المهمة قد تم مباشرة من الرئيس جمال عبدالناصر، وأنه كان يحمل خطابا خطيا ورسالة شفهية من الرئيس عبدالناصر إلى "قائد الثورة".  

3) وأن الطائرة التي خصصت للوفد لم تكن طائرة عسكرية، حيث أن الديب ذكر الطائرة أكثر من مرة ولم يشر إلى أنها عسكرية بل قال عنها: ” ..... وقد أمرت بتجهيز طائرة مصرية جاري إعدادها حاليا بمطار القاهرة لتستقلها" وعندما تحدث عن السرية التي فرضت على الرحلة قال: "وقد فرضت السرية التامة على المهمة وطبيعتها سواء بالنسبة لوسائل الإعلام أو شركة الطيران" فهل للطيران العسكري شركة؟؟

4) الاختلاف أيضا في موعد الرحلة: هيكل يقول بأنها تمت مساء الثاني من سبتمبر .. والديب يقول بأنها تمت مساء الثالث من سبتمبر.

4) الطائرة لم يكن بها هيكل والديب ومحمد يوسف فقط كما زعم هيكل؛ لكن كان بها حسب رواية الديب فريقا كاملا كمقدمة لحكومة تحكم ليبيا من وراء الستار[ix] ويتكون من:

 أ - فتحي الديب، ودوره السيطرة والتغلغل في أوساط الانقلابيين والقيام بنفس أدواره السابقة القذرة لإخضاع ليبيا في النهاية لما يريده الرئيس عبدالناصر، وكان الديب في هذه المهمة مندوبا للرئيس عبدالناصر يتجاوز في تسلسل القيادة كل مؤسسات الدولة المصرية بما فيها وزارة الخارجية والمخابرات العامة والسفارة المصرية، وله قناة اتصال مباشرة مع رئاسة الجمهورية، ولديه شقرة خاصة.

ب - المقدم صلاح السعدني من القوات المسلحة، ومهمته السيطرة على الجيش الليبي، الذي لم يتبق فيه إلا قلة ممن يحملون رتبة مقدم فما فوق.

جـ المقدم أحمد رشدي من ضباط الشرطة للسيطرة على قوات الأمن.

د - السيد أمين بسيوني، للسيطرة على مرفق الإعلام وتوجيهه.

هـ السيد عماد البط أخصائي الشفرة، حتى يكون لهذه الحكومة المصغرة شفرة   منفصلة حتى عن السفارة المصرية ووزارة الخارجية.

و - السيد أحمد كامل من إدارة المخابرات العامة.

ز - أحمد سوار من إدارة المخابرات العامة.

حـ السيد محمد حسنين هيكل للتغطية الصحفية للرحلة. أي أن هيكل كان مرافقا للديب وليس العكس.

ط - العميد محمد عبدالحليم ممثل الرئيس السوداني جعفر نميري. 

لولا أن هيكل والديب قد اتفقا على أنهما كانا في نفس الطائرة لظننت أنهما قد استخدما طائرتين مختلفتين بسبب تناقض روايتهما لتفاصيل هذه الرحلة. فكيف يمكن للسيد هيكل أن يفسر هذا التناقض الصارخ؟ هل خذلته الذاكرة الحديدية التي يفتخر بها؟ لكن الرجل لا يعتمد على ذاكرته كما قال، بل يكتب وبصورة آنية كل ما يمر ببصره ويطرق سمعه في مفكرات صغيرة يخرجها من حين لآخر ويدعي أنه يقرأ منها!! فكيف يبرر أنه لم ير هذا العدد من الرجال الذين كانوا على متن طائرة واحدة، واختزلهم من تسعة إلى ثلاثة؟ ولماذا هذا التناقض الصارخ في كل جزئية من تفاصيل الرحلة؟ .. التبرير الوحيد الذي يمكن قبوله أن يقول هيكل بأن رواية فتحي الديب كاذبة. لكننا نقول أن الطبعة الأولى من كتاب عبدالناصر والثورة الليبية قد صدرت عام 1986، ولم نسمع أو نقرأ بأن هيكل قد كذب رواية الرجل وهو على قيد الحياة!!.

ويستمر الديب في تناقضه مع رواية هيكل، فلم يشر الديب إلى مشاركة هيكل في اللقاءات الأولية التي أجراها الديب مع الخروبي والحواز والتي استمرت إلى ساعات مبكرة من صباح الرابع من سبتمبر، والتي ذكر ما دار فيها بطريقة تفصيلية في الصفحات (من 14 إلى 17 ) من كتابه. المرة الوحيدة التي شارك فيها هيكل –حسب رواية الديب- كانت في اللقاء الذي تم إجراؤه صبيحة اليوم التالي (العاشرة صباحا يوم 4 سبتمبر)، وهو لقاء شارك فيه الوفد المصري كله إضافة لمندوب الرئيس السوداني، وإشارة الديب لحضور هيكل كانت بهذه الصيغة:

 " ... ومن الجانب المصري السيد محمد حسنين هيكل الذي صحبنا لتغطية الأحداث صحفيا ...." ص 17

لكن هيكل يصف اللقاء كالتالي:

"بعد شوية في عربيات وصلت عربيات قدام القنصلية ومصطفى الخروبي طلع وآدم حواس مشي كمان وأنا قمت وقفت قربت من باب غرفة الصالون اللي نحن موجودين فيها لكن ما خرجتش على الباب، بعد شوية لقيت شابا جاي ومعه اثنين ثلاثة كده و "هو" في ذلك الوقت بدا لي أنه نحيف وصغير السن جدا، واضح أنه  that’s him  يعني أن هو ده (هو) هذا هو "هو"، فأهلا وسهلا"  

ويقول هيكل:

"أنا قعدت أسمعه لغاية الفجر تقريبا، أنا قررت أنه حأرجع بقى لأني قعدت معه حوالي ثلاث ساعات، Him، ثلاث ساعات وأنا ومحمد يوسف أخذ صورا كثير جدا "

فبحسب رواية هيكل فإن اللقاء مع القذافي تم مباشرة بعد وصولهم إلى مقر القنصلية، وأن هيكل كان محور هذا اللقاء. واستمر اللقاء إلى الفجر.  

وينهي السيد فتحي الديب حديثه عن الرحلة بالفقرة التالية:

"حمّلت تقريري السيد محمد حسنين هيكل ليسلمه هو وخطاب معمر القذافي لسكرتير الرئيس، وسافر على الطائرة المصرية التي وصلنا بها والتي غادرت مطار بنغازي يم 4 سبتمبر ومعها ممثل السودان، والسيد هيكل، وزكريا نبيل والمصور الصحفي[x]".  

ومن الجدير ملاحظته أن فتحي الديب لم يورد في روايته شيئا من المواقف والأحداث الدرامية التي ذكرها هيكل في تلك الرحلة التي أرادها هيكل أن تكون رحلة أسطورية:

فلم يذكر تلك اللحظات "الرهيبة" التي أخبرنا عنها هيكل حين مرت الطائرة بقاعدة العدم:

"بعد حوالي ساعة ونصف عبرنا الحدود وبقينا داخل الأراضي الليبية وبعدين كثر خيره الطيار جاء لي وقال لي قدامك هنا قاعدة العضم وقاعدة العضم دي كانت منورة بقسوة كل أضوائها موقدة، مساعده نده له في هذه اللحظة فراح له قال له عندنا إشارة من مطار العضم بتسأله بتقول له من أنت؟ وبيقول حنجاوبهم نقول لهم إيه؟ قلنا لهم طائرة مصرية تهبط في مطار بنغازي، ما ردوش عليه"،

قد لا يستطيع الإنسان أن يفهم لماذا استخدم هيكل كلمة "بقسوة" لوصف إضاءة مطار العدم، وقي موقع آخر "تلعلع"، ولكننا طبعا نفهم ما أراد هيكل أن يؤكده على أنه هو رئيس الوفد ولذلك يأتيه الطيار  -دون غيره- ليخبره عن تطورات الرحلة!!.  والسؤال الذي أطرحه أمام المختصين في شؤون الطيران والعالمين بما تنص عليه الأنظمة المقرة من "المنظمة الدولية للطيران المدني" ، هو هل يمكن لطائرة ما أن تنطلق في الفضاء الرحيب دون أن تخبر جهة ما بخط السير والارتفاعات التي ستطير عليها، وغير ذلك من التفاصيل التي تضمن سلامة حركة الطيران؟ .. وهل الخط الدولي بين مصر وليبيا يمر حتما وضرورة بمطار العدم بحيث ترى أنواره "منورة بقسوة"؟ أم أن خط الطيران له مسار آخر؟ ولماذا لم يحاول الطيار تفادي خطورة المرور بقاعدة العدم الجوية؟ .. وهي القاعدة التي ضخمها هيكل حين وصفها على أنها إحدى أكبر القواعد الجوية في العالم؟ .. لماذا لم يتفادى الطيار المرور بمحاذاتها ؟..  

كذلك فإن فتحي الديب لم يورد في روايته بقية المواقف والأحداث الدرامية الأخرى، خاصة حالة الظلام التي كانت تلف مطار بنينه .. وأضواء السيارة التي أنارت المدرج والتي لم يخبرنا هيكل أين كانت واقفة حتى تستطيع أن تنير المدرج بطريقة يتمكن معها الطيار أن يهبط بسلام .. أما قصة السلم الخشبي فلا أعتقد أنها –إن حدثت- كانت ستفوت على فتحي الديب، أو أنها كانت ستفوت على المصور الذي كان يرافق هيكل دون أن يلتقط بعض الصور لمغامرة نزول السيد هيكل على سلم خشبي وسط الظلام الدامس!! ... لا أستطيع أن أصدق أن مطار بنينة لا يتوافر على سلم واحد –على الأقل- للنزول من الطائرة، من النوع الذي يتم دفعه باليد. ولا أستطيع أن أصدق أن الخروبي والحواز كانا وحدهما في المطار دون أن يكون معهما جنود أو ضباط، وبعض من المدنيين الذين يعملون في مطار بنينه، ولا أستطيع أن أصدق أن أضواء المهبط في مطار بنينه لا يمكن التحكم فيها بضغطة على زر!! 

كذلك فإن فتحي الديب لم يتطرق إلى لوثة (he) و (him) التي أعطاها هيكل حيزا طويلا من حديثه وكررها بطريقة سخيفة سمجة مملة، والتي لا يمكن أن يتفهمها أحد بأي منطق أوعقل، أو أن يجد أي عاقل مبررا لإقحامها، أو صحة حدوثها!!. لكن هيكل كان يريد أن يضفي هالات درامية على الموقف فخرج السيناريو بهذه السماجة.  ما أوضحه الديب أنه شرع منذ وصوله بعقد لقاء مع الحواز والخروبي، ثم التقوا بالقذافي صبيحة اليوم التالي. 

النقطة الثانية، تتعلق بمطار العدم: ففي الحلقة التاسعة من سلسلة "هيكل والافتراء على التاريخ" أشرت إلى إصرار هيكل على نطق اسم مطار العدم بطريقة مغلوطة، وعلى تكرار قوله بأن المطار جنب بنغازي. وفي الواقع فقد ظننت أن الرجل يجهل الاسم الصحيح كما يجهل موقع مطار العدم. وإن كنت أعذر السيد هيكل على الخطأ في اسم المطار لأنه خطأ شائع وسببه الترجمات التي أجريت لكتب تاريخ الحرب العالمية الثانية من الإنجليزية إلى العربية، والتي ارتكب المترجمون أخطاء عديدة في كتابة أسماء كثير من المواقع والمناطق الليبية لدرجة أن بعضهم استخدم أسماء "كودية" لبعض المناطق مأخوذة من خرائط حربية دون الإشارة إلى أن هذه الأسماء "كودية" وغير حقيقية، وهكذا وجدنا في تلك الكتب مناطق في الصحراء الليبية تحمل أسماء "القوس الرخامي" و "جسر الفرسان" وأسماء أخرى لمناطق في لندن، وكانو يترجمون Aladam هكذا العضم وبعضهم يكتبها العظم. قد أعذر هيكل لخطئه في الاسم، لكنني لم أستطع –بأي حال من الأحوال- أن أعذر السيد هيكل في خطئه الشنيع في موقع مطار العدم وإلغائه لمسافة تزيد عن أربعمائة كيلومتر، مكررا بأنه جنب بنغازي. كنت أظنه الجهل، وهو جهل غير مقبول من شخص مثل هيكل يدعي المعرفة بكل شيء، ويتصدى للحديث عن التاريخ والسياسة، لكنني بعدما استمعت له وهو يصف رحلته الأسطورية إلى بنغازي عرفت أن الأمر لا يمكن أن يوصف بالجهل، فالرجل يحدثنا عن مشاهده في رحلة قام بها، ورأى أمورا بالعين (لا من كتاب جغرافيا .. ولا قول أحد)، ويكرر حديثه عن قاعدة العدم على أنها جنب بنغازي .. أنوارها تطغى على أنوار بنغازي .. بل إنه أمكنه مشاهدة أنوارها من بنغازي!!

"القاعدة البريطانية الملعلعة بالنور ومدينة بنغازي في أضواء خافتة كده لكن ما فيش مطار باين"

"قاعدة بريطانية هنا في العضم جانب بنغازي"

"أنا بأقول له القواعد بتعمل إيه؟ قاعدة العضم وهي أنوارها مرئية من بنغازي وقاعدة ويلس وهي داخلة في طرابلس في العاصمة طرابلس"

لا يمكن تسمية هذا جهلا، ولا أجد ما أسميه به إلا أنه افتراء على الجغرافيا يضيفه هيكل إلى افتراءاته على التاريخ. 

ولا يمكنني أن أنهي هذه الوقفة دون أن أشير إلى أمر آخر يثير مشاعر الاستفزاز والتعجب في آن واحد، ، فالسيد هيكل الذي لا يخطئ مطلقا في أسماء المسؤولين الإسرائيليين، بل نراه يحرص على نطق هذه الأسماء بصورة صحيحة، وحتى بلكناتها العبرية، ولا يخطيء في أسماء المدن والقرى وحتى المستوطنات في إسرائيل نجده يكرر أخطاء فاضحة في أسماء المسؤولين والمناطق الليبية. ولا أحسب أنني الوحيد الذي استفزه هيكل بتكراره نطق اسم "بـَرْقـَه" بطريقة محرّفة مرة تلو الأخرى. ومرة أخرى نقول إن الجهل ليس عذرا، لكن العيب كل العيب هو عدم الاهتمام بتوخي المعلومات الصحيحة، والاستخفاف بهذا الشعب الجار وبمشاعره.

وإلى وقفة أخرى إن شاء الله. 

إبراهيم عبد العزيز صهد
ibrahimsahad@hotmail.com


[i] سبق لي الإشارة إلى ما أخبرني به السيد "رابح مشحود" الذي كان يشغل منصب السكرتير الأول بالسفارة الجزائرية في الأردن عام 1970، وقد كان يعمل في مكتب الرئيس أحمد بن بيلا، حدثني عن الأسلوب الذي كان النظام الناصري يتبعه في التدخل في الشؤون الداخلية الجزائرية، وكان يشير إلى دور رجل المخايرات فتحي الديب وما قام به في الجزائر، وقد جاء هذا في معرض تحذيره من الدور الذي سيقوم به هذا الرجل في ليبيا، وقد وصف دور فتحي الديب بأنه كان تخريبا للعلاقات بين رجال الحكومة الجزائرية، وزرع الفتن بينهم، بغية تحقيق سيطرة الأجهزة الناصرية المطلقة على مجريات الأمور في الجزائر، كل ذلك خرب العلاقات بين رجال جبهة التحرير الجزائري وساهم في إضعاف مكانة بن بيلا الذي اتصف –حسب قول السيد رابح- بمجاملة "زائدة عن الحد" لرغبات السفير المصري ولمندوب المخابرات المصرية فتحي الديب. ولعل تاريخ الرجل وما قام به في ليبيا يؤكد صحة ما حذر منه السيد رابح مشحود. (وللعلم فإن السيد رابح مشحود كان يعمل –إبان حرب التحرير الجزائرية- كضابط ارتباط لجبهة التحرير في ليبيا، وهو يكن حبا عميقا لليبيين ويثمن ما قامت به ليبيا من جهود لدعم الجزائر، وقد روى لي في لقاءات متعددة كيف كان يعمل هو ورفاقه في داخل ليبيا، والعون الكبير الذي تلقونه من كل الأوساط الليبية. 

[ii] لم يوضح هيكل السبب الذي دعى عبدالناصر أن يسأل هم عاوزين مين بالضبط؟ أو عاوزين حد بالذات يعني؟ ... ربما كانت هذه الأسئلة من عند هيكل للتوطئة لسبب اختياره هو. 

[iii] لم يذكر أسماء هؤلاء الذين تم الاتصال بهم، ولكن من المعروف أن المخابرات المصرية قد ضمت سرا عددا من الليبيين إلى عضوية ما كان يسمى "بالتنظيم الطليعي" الذي كان أحد الأذرع التي يستخدمها عبدالناصر للتغلغل وبسط نفوذه في الدول العربية "الشقيقة"، بما فيها ليبيا (يرجع في ذلك إلى برنامج تم بثه من الجزيرة حول هذا التنظيم، وقد ذُكرت في البرنامج حقيقة ضم مواطنين ليبيين إلى التنظيم وذُكر أحدهم بالاسم وهو لا يزال حيا).  

[iv]  فتحي الديب، عبدالناصر وتورة ليبيا ص 12  

[v] قد يكون هيكل هو من طلب من الرئيس عبدالناصر أن يضمه إلى الوفد المسافر إلى ليبيا: إما لغرض السبق الصحفي أو لغرض آخر في نفس هيكل، وهو ما قد تكشفه الأيام!! 

[vi] هكذا كتبها فتحي الديب في كتابه، ويقصد Fighter

[vii] المصدر السابق ص 13  

[viii] المصدر السابق ص 14  

[ix] ثم توالى بعدئذ وصول بقية أفراد الحكومة، فقد أصبح لكل وزير ليبي مستشار مصري، وأصبح في كل معسكر من معسكرات الجيش الليبي ضباط مصريون برتب لا تقل عن رتبة مقدم، وإذا ما عرفنا أنه لم يبق في الجيش الليبي آنذاك إلا قلة قليلة ممن يحمل رتبة مقدم لعرفنا أن القيادة الفعلية كان يراد لها أن تصبح في يد هؤلاء الضباط .......... (تم تسريح أعداد كبيرة من ضباط الجيش الليبي، فيما كان عدد آخر في سجن الحصان الأسود .. وشملت التسريحات جميع الرتب خاصة الرتب العالية)، كما تم استقدام كتيبة من الصاعقة المصرية لتقديم الحماية للانقلابيين. 

[x] المصدر السابق ص 18


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home