Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ibrahim Abdelaziz Sahad
الكاتب الليبي ابراهيم عبدالعزيز صهد


ابراهيم صهد

السبت، 28 يونيو 2008

       
       

ذكريات مع جاب الله مطر (7)

ابراهيم عـبدالعـزيز صهد

كانت الرحلة من مطار"غاتويك" إلى مقر "مدرسة المدفعية الملكية" في ويلز طويلة ومملة، كان يرافقني في الرحلة موظفان من شركة (BAC) استقبلاني بالمطار، علاوة على سائق السيارة التي كنا نستقلها. لم تكن مهمتهما استقبالي ومرافقتي فحسب، ولكن كان عليهما أيضا الإشراف على بعض ترتيبات الدورات التي ستحتضنها مدرسة المدفعية والمتعلقة بتدريب ضباط ليبيين وغير ليبيين على المعدات التي تنتجها الشركة.

كنت مرهقا وفي أمس حاجة إلى الراحة والنوم بعد عدة أيام لم أذق فيها طعم النوم إلا لماما. فمنذ أن استلمت برقية النقل المفاجئ والمستعجل في معسكر قاريونس، أصبحت في حالة حركة دائمة من أجل إنهاء التزاماتي في منظومة مخابرة الجيش، وتخزين متعلقاتي الشخصية، والاستعداد للسفر إلى بريطانيا عبر طرابلس، كل ذلك أتممته في أيام معدودة تواصل فيها الليل مع النهار.

في البداية كنت متضايقا من مسير السيارة على يسار الطريق، وهو ما لم أكن أألفه، وتدريجيا تحول الأمر إلى دوار، كنت أحاول تفاديه بتجنب النظر إلى الطريق، ولكن زاد من تعاستي محاولات مرافقي إظهار "الظرف" الإنجليزي بإثارة أحاديث سمجة لم أستطع لا مجاراتها ولا استساغتها، خاصة أن أحدهما كان من اسكتلندا، ما جعل فهمه ومجاراته أمرا مرهقا. كنت أحاول تغيير مجرى الحديث للاستفسار عن المناطق التي نمر بها وعن غيرها من الأمور الأخرى من قبيل ما ينتظرني في ويلز، وغير ذلك. وأذكر أن مما ذكراه لي أن ويلز تستعد في الأسابيع القادمة لمناسبة مهمة وهي تنصيب الأمير "تشارلز" ولي العهد أميرا على ويلز، وهو تقليد متبع بتنصيب كل من يتولى ولاية العهد أميرا على ويلز. أثار هذا الموضوع اهتمامي وتساؤلاتي، ووجدت فيه –في الواقع- موضوعا يمكن أن يقطع بعض الوقت في هذه الرحلة ويخلصني من أحاديث مرافقي، وفعلا كان الحديث حول هذا الموضوع مثيرا، وكان مدخلا إلى التقاليد السياسية البريطانية، والألقاب المختلفة التي يحملها "النبلاء"، والعلاقة بين المقاطعات الثلاث التي تتكون منها المملكة المتحدة، وكان المرافق الاسكتلندي يصر على أنها دول ثلاث تخضع للتاج البريطاني، وقال –بكل بساطة- إن اسكتلندا سوف تستقل عن التاج البريطاني يوما ما، وطبيعي أن يثير فضولي وتعجبي حديث مثل هذا، خاصة عندما قال الاسكتلندي بدون تردد، وحتى بلا مجاملة، "إنه لا يجمعني وهذا الإنجليزي الذي يجلس بجانبك إلا بعضا من التاريخ الذي هو في معظمه صراع بيننا، وهذه اللغة التي يشاركنا فيها حتى بعض الشعوب السوداء ومع ذلك فنطقنا لها مختلف، لا يجمعنا في الواقع إلا هذا التاج". كان مرافقي الإنجليزي يستمع وقد رسم على وجهه ابتسامة باردة، وقال "لا تنسى أن ويلز شريكة لنا في هذه المملكة المتحدة، وأن ضيفنا العزيز ستكون أولى تجاربه مع بلادنا في ويلز" وبلباقة حول الحديث بقوله " هل تعرف أن ويلز لديها لغة خاصة وأنها مستعملة على نطاق واسع". ثم نقل الموضوع بالكامل إلى الحرب العالمية الثانية والمعارك التي دارت فوق الأراضي الليبية، ووجدتهما على إلمام بالجغرافية الليبية وبتاريخ المعارك، وعلمت أن والد مرافقي الإنجليزي قد حارب ضمن قوات الجيش الثامن، وأنه بقي في ليبيا إلى ما قبيل الاستقلال. هكذا تدريجيا أصبح الحديث مسليا بعض الشيء وأمكنني أن أشارك فيه.

بعد رحلة طويلة تخللتها عدة وقفات، وصلنا إلى "مدرسة المدفعية" حوالي الثانية بعد منتصف الليل. كانت المرحلة الأخيرة الموصلة إلى المعسكر تمر بطرق ضيقة ومتعرجة، وكانت الطريق شبه مقفرة من المرور في هذا الوقت المتأخر. كان المعسكر كله يغط في نوم عميق، ومقر المدرسة خاليا إلا من الضابط المناوب ومساعديه، وجرى نقلي بسرعة فائقة إلى الغرفة التي سأقيم بها، وسلمني الضابط المناوب ملفا يحتوي على برنامج الدورة، والجداول الدراسية، ومعلومات حول مرافق مدرسة المدفعية وخريطة تبين ساحات التدريب وقاعات الدرس وغيرها من المرافق، كما تضمن الملف رسالتين إحداهما ترحيب من آمر المدرسة وهو ضابط برتبة زعيم (Brigadier General) ، والأخرى رسالة من آمر الدورة تتضمن معلومات حول الدورة والمعلمين، كما تتضمن إعفائي من الالتحاق بالدورة لذلك اليوم تقديرا لوصولي المتأخر إلى المدرسة.

أمام المبني الذي سأقيم به ودعني رفاقي الثلاثة في الرحلة، فهم كانوا سيقضون ليلتهم في المدينة القريبة، وسيعودون إلى المدرسة لإنهاء مهامهم في اليوم التالي قبل عودتهم إلى لندن.

لم أكد انتهي من فتح حقائبي وترتيب أمتعتي حتى لاحظت تسلل خيوط الفجر الأولى من النافذة، وكنت جاهزا للنوم لكنني لم أهنأ به إلا قليلا عندما سمعت طرقات على الباب. كانت الساعة السادسة صباحا، وعندما فتحت الباب كان جاب الله مطر وخلفه محمد القذافي وحامد الوشاحي يقفون خلف الباب. كانوا قد انتظروني حتى منتصف الليل، ولهذا قرروا أن يقلقوا راحتي بالرغم من أنهم يعرفون أني معفي من الدوام ذلك اليوم، لم أجد بدا من ارتداء ملابسي ومصاحبتهم إلى مطعم الضباط لتناول طعام الإفطار. على المائدة تولى جاب الله تقديمي إلى عدد من الضباط الذين كانوا يتناولون إفطارهم.

كان معظم ضباط مدرسة المدفعية من المتزوجين، فهم يقيمون في بيوتهم، ولا يأتون إلى مطعم الضباط إلا في المناسبات الرسمية، أو أثناء طعام الغذاء في بعض الحالات، ولذلك كان عدد الضباط الذين يتناولون الطعام معنا قليلا، كان أبرزهم ضابط متعجرف برتبة رائد يحافظ على التقاليد والعادات الإنجليزية لدرجة التقديس، وهذا الضابط لم يكن له أي دور في عملية تدريبنا، ولكنه كان يحاول دائما فرض نفسه على أي موقف، وعلى النقيض منه ضابط منتدب من سلاح الجو الملكي، وكان قد عمل في عدد من البلاد العربية، ولا يخفي حبه وتعاطفه مع العرب، كما لا يخفي تضايقه من الرائد المتعجرف، كان هذا الضابط برتبة نقيب، وكان هو من سيقوم بتغطية الدروس المتعلقة بالتنسيق بين الدفاع الجوي وسلاح الطيران.

من اللحظات الأولى لا يملك الإنسان إلا أن يصطدم بالتقاليد المتبعة في العسكرية البريطانية والتي يبلغ التمسك بها درجة القداسة، ولك أن تتصور كيف ينظر إلى أي إخلال بها، خاصة عندما يكون الإخلال بحضور الرائد المتعجرف. بعض هذه التقاليد جيدة ولها تأثيراتها الإيجابية على روح الانضباط، ولكن بعضها الآخر لا يعدو أن يكون عادات سمجة لا تطاق، ولا صلة لها بالحياة العسكرية. وبدون شك فإن من تلقى منا دورات في الولابات المتحدة لا يمكن أن يفوته الفارق الشاسع في إمكانات التدريب، وفي الإغداق على العملية التعليمية ، وكذلك في مستويات الإقامة والطعام، كما لا يفوته أن يلاحظ الفارق الشاسع في الطبائع والعادات والتقاليد، وفي التعامل معها والنظر إليها. العسكرية الأمريكية تتسم بالبساطة في كثير من جوانبها خاصة خارج الدوام، بينما تتسم العسكرية البريطانية بالجفاف والتكلف.

في مدرسة المدفعية كان من أوائل ما صدمني من تقاليد سيئة انهم يتعمدون عدم الحديث أثناء طعام الإفطار، تجدهم بين مغرق في تناول الطعام أو احتساء القهوة غير ملتفت لمن حوله، وبين من ينتظر الطعام وهو يدفن وجهه في الجريدة كأنما يتفادى النظر إلى وجوه الآخرين. ولهذا فقد قوبل قيام جاب الله بتقديمي لهم بشيء من عدم الاكتراث يصاحبه انحناءة من الرؤوس وهمهمة خافتة ثم عودة سريعة إلى ما كانو مستغرقين فيه. هذا أحد التقاليد التي تضايقنا منها ثم نجحنا في كسرها خلال إقامتنا في مدرسة المدفعية، فقد كنا نتعمد تبادل الحديث أثناء تناول الإفطار، وكان جاب الله ومحمد القذافي هما أكثرنا إثارة للحديث أثناء الإفطار. في البداية كان الضباط الإنجليز لا يخفون تضايقهم، ثم أصبحوا يظهرون عدم المبالاة، ولم نغادر مدرسة المدفعية إلا وقد انضم إلى أحاديث الصباح أغلبهم، كان أولهم النقيب من السلاح الجوي، أما الرائد فقد استمر يدفن وجهه في جريدته دون أن يبذل أي جهد لإخفاء تضايقه.

كان المبنى الذي نقيم فيه به أربع غرف منام، وغرفة خدمات بها مطبخ صغير وثلاجة، كانت هذه الغرفة تستخدم من قبل جندي متقاعد مهمته القيام بكي ملابسنا العسكرية التي نتركها له في تلك الغرفة، وتقديم كوب من الحليب المغلي في الصباح. هذا التقليد البريطاني كان متبعا أيضا في عدد من البلاد العربية بتخصيص "جندي مراسلة" لخدمة الضباط، وهو تقليد سيء استغل في بعض البلاد العربية (خاصة مصر) أسوأ استغلال بتحويل هؤلاء الجنود إلى خدم. في بريطانيا قاموا بتهذيب الأمر وتخصيص جندي متقاعد من كبار السن في كل مبنى لتقديم هذه الخدمة الصباحية، وهذا التهذيب يكمن في أن من يقوم بهذا العمل ليس جنديا ولا يلبس الملابس العسكرية، كما أنه قد يكون في حاجة فعلية إلى دخل إضافي يساعده في حياته. في ليبيا لم يكن هذا الأمر متبعا، وبدلا من ذلك يدفع لكل ضابط "بدل ملابس" يغطي ملابسه العسكرية التي يقوم بشرائها كما يغطي قيامه بالعناية بملابسه. كان الجندي المتقاعد المخصص لنا متقدما في العمر، وكان دائم التأنق في مظهره، وكان قليل الكلام يقوم بعمله برتابة، ولا أذكر أنه تغيب أو تأخر عنا يوما واحدا.

مدرسة المدفعية تحتل مساحات كبيرة، تتناثر فيها المباني الموزعة على هيئة قواطع تتخللها ساحات وميادين التدريب، وموقعها يفرض عزلة على من يقيم فيها، فهي تقع بمحاذاة الساحل، وحولها من كل الجهات الأخرى تنتشر حقول مترامية الأطراف لا ترى فيها أي مظهر للحياة سوى بعض قطعان البقر. بالقرب من المعسكر (على بعد يزيد على ميل) تقع قرية صغيرة جدا اسمها "مانوبير"، كل ما فيها آنذاك كان شارعا واحدا به متجر للعاديات وبقالة صغيرة وبارين كان أهل المنطقة يتجمعون فيهما بعد السادسة مساء فيحيلون هدوء القرية إلى صخب وضجيج لا ينتهي إلا قرب منتصف الليل. أما أقرب مدينة من المدرسة فكانت مدينة "تنبي" الساحلية التي كانت تكتظ وقتها بالمصطافين، وهي تبعد عنا عدة أميال عبارة عن طريق متعرج ذو ممرين، والمواصلات بينها وبين المعسكر لم تكن جيدة، وتستغرق وقتا طويلا لكثرة توقف الحافلة. ولهذا فقد فرض علينا الموقع ومواعيد الدوام الرسمي أن نقضي معظم الوقت في المعسكر، ولم نقم إلا بزيارات معدودة جدا لمدينة تنبي. وخلال فترة بقائنا في المدرسة قام الإخوة –خلال إحدى عطلات الأسبوع بزيارة مدينة "سوانزي" للتسوق، ولم أشاركهم الرحلة، كما قمت وجاب الله برحلتين إلى لندن خلال عطلات نهاية الأسبوع.

في تلك الأثناء كانت مدرسة المدفعية تجري دورتين إحداهما، كانت دورة تدريبية على المدفعية المضادة للطائرات، وكان يشارك فيها عدد من الجنود وضباط الصف والضباط البريطانيين، كما كان يشترك في هذه الدورة ضابط ليبي (برتبة ملازم، ولم أعد أتذكر اسمه)، وضابط عراقي اسمه "صائب إبراهيم" التصق بنا وصار يقضي الوقت معنا، وقد أنس لصحبتنا فقد كان يحدثنا عن صنوف القمع والقهر في العراق التي لم ينج منها حتى ضباط الجيش، وقص علينا بعضا من تجاربه الشخصية المؤلمة. (*)

أما الدورة الأخرى فهي دورتنا نحن، وهي دورة ابتدائية لمنظومة صواريخ الدفاع الجوي، صممت خصيصا لإعطاء أركان قيادة الدفاع الجوي الليبية -التي كانت قيد الإنشاء- فكرة كاملة عن معدات هذه المنظومة ومكوناتها، وكيفية تشغيلها، وأسس التنسيق بين الدفاع الجوي والطيران الصديق، كما تحتوي على تدريبات عملية على عمليات "تعيير" المنظومة وتشبيكها، وعلى المتابعة الرادارية، وغير ذلك من الأمور الأساسية.

بعد تناول طعام الإفطار، اتجهنا إلى قاعة الدرس، والتي كانت في الجهة الأخرى من المدرسة. كان جاب الله مطر هو الضابط الأقدم، وكان هو ومحمد القذافي من الدفعة الأولى بالكلية، وكان حامد الوشاحي من الدفعة الثانية، وكان الثلاثة يحلون رتبة "رائد"، أما أنا فكنت من الدفعة الخامسة وكنت برتبة نقيب. كان السير إلى قاعة الدرس يستغرق ما لا يقل عن ربع ساعة، استغلها جاب الله بإعطائي فكرة موجزة عما ينتظرني، بما في ذلك المدرسين، كما أعطاني فكرة عما فاتني من دروس خلال اليومين السابقين.

وللحديث بقية إن شاء الله.
________________________________________________

(*) بعد الانقلاب العسكري في ليبيا، أبعدت للعمل دبلوماسيا في السفارة الليبية في عمان، وقد نقل معي إلى نفس السفارة كل من صالح السنوسي وإسماعيل الصديق، وهما من خريجي الكلية العسكرية العراقية، وأثناء تجولهما في عمان التقيا بضباط عراقيين من نفس دفعة صالح السنوسي، وكان هؤلاء الضباط يعملون ضمن القوات العراقية التي تمركزت في "المفرق" بالأردن بعد حرب يونيو. ومن قبيل الصدفة كنت مع صالح السنوسي في أحد لقاءاته بزملائه في الدفعة فسألتهم عما إذا كانوا يعرفون "صائب إبراهيم"، فقالوا لي بأنه معهم في "المفرق". ولم تمض سوى أيام حتى كان صائب يهاتفني من عمان، والتقيت معه، وكان أول ما قال لي بأنه كان قلقا علينا، وأنه جاء خصيصا للالتقاء معي، وأكثر من السؤال عن جاب الله ومحمد القذافي وحامد الوشاحي. عندما ودعني بكى وقال لي "والله أنتم من شعرت معكم بالاطمئنان، الله يحفظكم من اللي جاي، فأنتم ما زلتم في البداية".


       
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home