Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ibrahim Abdelaziz Sahad
الكاتب الليبي ابراهيم عبدالعزيز صهد


ابراهيم صهد

الأربعاء 27 أغسطس 2008

انأوا بأنفسكم عـن هذا العبث

ابراهيم عـبدالعـزيز صهّد

فجأة استيقظ السائرون وراء جوقات التطبيل للمشاريع التي يطرحها سيف القذافي من حين لآخر. استيقظوا عندما قال سيف في خطابه الأخير بأنه لن يتابع دوره الذي تقمصه منذ عدة سنوات. استيقظوا عندما صدمتهم حقيقة ما كانت لتغيب عنهم لولا أنه غطوا عيونهم وسدوا آذانهم وساروا وراء الجوقة يدفعهم إما طمع في أن يكونوا في ركاب هذا القادم الجديد القديم ، أو يدفعهم يأس من الأوضاع القائمة فقرروا أن يقبلوا بأي شيء حتى ولو كان سرابا، وحتى لو أدى ذلك إلى تضييع وقت ثمين وإتاحة الفرصة تلو الأخرى أمام حكم القذافي ليزيد من شد الخناق على الشعب الليبي، ويستمر في حكم ليبيا حتى بعد أن يواريه القبر.

فجأة اكتشفوا أن السنوات الماضية كانت حافلة بالوعود التي لم يتحقق منها شيء... لم يتوقفوا أمام معاناة الجهمي ولا بوفايد ورفاقه وظلوا يتحدثون عن تحسن في حقوق الإنسان .. لم يقفوا أمام مقتل الغزال ليتعرفوا عن صدقية الوعود بحرية الصحافة .. لم يسألوا ماذا حل بالوعود الخلابة التي صاحبت قورينا وأويا.

فجأة اكتشفوا أن المشاريع والبرامج التي كانت جزرة معلقة أمامهم يمكن أن تختفي بغتة دون سابق إنذار بمجرد كلمة من سيف أو من أبيه. الأدهى أنهم اكتشفوا أن لا شيء تحقق مما وعدوا به: أين الحريات التي أطلقت حولها الوعود .. حتى المنابر تهاوت قبل أن تقوم .. أما الدستور فهو بين الوعد والإنكار، والتسفيه والتسويف، والبحث له عن اسم آخر .. ناهيك عن محتواه الذي يصاغ بعيدا عن رأي الشعب ومشاركته، وحتى وإن صدر فلن يكون إلا تكريسا للطغيان، وللخطوط الحمراء، ولنظرية "اللي موش عاجبه معمر يشرب من البحر".

وفجأة اكتشفوا أن السنين تمر وهم ينتظرون خطابا لسيف أو لأبيه، يسبقون الخطاب بالشائعات والأحلام التي يشتركون هم في نسجها ونشرها، ويستقبلون الخطاب بخيبة أمل يخفونها، ثم يشاركون في التحليل والتبرير، ثم ينتظرون خطابا آخر . لا يعرفون الحديث القائل ((لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)).

عرفوا الآن –بعد فوات الأوان- أن ما صور لهم على أنه صراع بين سيف ومشاريعه وبين "حرس قديم" يحاولون إيقاف مسيرة "الإصلاح"، بل ينسب إليهم التعويق والتأخير وبقاء الوعود كلام ميكروفونات تحمله الرياح، عرفوا بعد فوات الأوان أنه لا صراع ولا يحزنون، وأن كل الأطراف تقوم بدور مرسوم في مسرحية استغباء الشعب الليبي والضحك على الذقون وكسب الوقت. وعرفوا أن سبب عدم تحقيق الوعود ليس حرس قديم يتربص بها الدوائر ولكن لأنها وعود لم يرد لها أصلا أن تكون واقعا: سمها كما تشاء للاستهلاك .. لكسب الوقت .. للضحك على الذقون .. أو أنها لصناعة طاغوت آخر.

شاهدوا عتاة اللجان الثورية في الصفوف الأمامية وسيف يخطب ويتشدق بأن ما نسب للجان الثورية من طغيان وقهر وإجرام هو محض اختلاق وخرافات. القتلى والسجون والتعذيب والقهر والطغيان .. كلها خرافات .. ما شاهده الليبيون وعاصروه وعانوا منه .. خرافات .. مطلوب من الليبيين أن يكذبوا عيونهم وآذانهم ومشاعرهم وأحاسيسهم..

وسمعوا من "داعية الإصلاح" -الذي ساروا خلف جوقته، بل وشاركوا مع حملة طبولها-، إدانة لكل من وقف في وجه طغيان والده، من كل الاتجاهات... كلهم عملاء وخونة .. وكلهم لا يستحقون حق المواطنة وإبداء الرأي، وإنكار المنكر، والوقوف في وجه الطغيان.

وسمعوه وهو يخبرنا عن مقتل الشيخ البشتي وكأنه يحكي عن إنجاز من إنجازاته، يقول لنا بأنه –بعد ثمان وعشرين سنة- عرف أن الشيخ قد قتل، تعجب الناس كيف يمكن لأحد أن ينقل نعي شيخ جليل وعالم كالبشتي بمثل هذه البساطة، لكن التعجب زال حين شاهدوا الأشرطة المدبلجة والمزيفة التي تحاول إدانة الضحايا وتبرر للقتلة فعلتهم، وقبل ذلك وبعده تبرئ حكم والده وأجهزته ولجانه. هذا هو المقصود من كشف مقتل الشيخ البشتي.

سمعوه وهو يخبرنا أن مجزرة سجن بو سليم جريمة ارتكبها السجناء أنفسهم، وأن المجرمين هم السجناء، وأن القتلة لم يفعلوا شيئا سوى الاستخدام المفرط للعنف... بكل بساطة تزهق أرواح 1200 إنسان ثم يصنف هذا التصنيف الآثم. لم يسأل أحد لماذا هؤلاء في السجن؟ أية محكمة أدانتهم؟ وكيف كانوا يعاملون في السجن؟ .. أما عن التفاصيل فالمهرب كان جاهزا: مزاعم بأن التحقيق على قدم وساق منذ سنوات وبصورة سرية، وأن التحقيق مرشح لأن يستغرق ما يستغرقه من الزمان.... وربما لن يكون في إمكان أحد كشف السرية عن التحقيقات إلا سيف نفسه حين يقرر ذلك وبعد أن ينتهي إعداد أشرطة مدبلجة تدين السجناء.

سكتوا عن الأموال التي استولى عليها هذا المصلح، وتغاضوا عن أوجه صرفها، والشركات التي بات يملكها، والأرباح التي تتكدس، وكأن هذا من حقه. صفقوا له طويلا حين تكلم عن القطط السمان ولكنهم لم يسألوه من أي القطط أنت؟ ظنوا أن الذي تغول في الفساد المالي يمكنه أن يصلح، أم تغاضوا عن فساده سيان فهم يشاركون في خداع الشعب الليبي.

تغاضوا عن السؤال الكبير الماثل أمام العيون: ما هو الموقع الذي يتيح له التدخل في الشأن العام بصلاحيات وبميزانيات لا يملكها أحد في ليبيا لا "الأمناء" ولا رئيسهم ولا هم مجتمعين، ولا تملكها اللجان في كل مكان ولا مجلسهم العام؟ وتغاضوا عما يطرحه هذا السؤال من أبعاد ومن مسؤوليات وضمانات ..

لم يسألوا أنفسهم ما هو الدور الذي لعبوه وما زالوا في مسلسل خداع الشعب الليبي؟ بل أغرقوا في هذا الدور. .. ساروا في الجوقات رغم تبدلها.. ولم يتبينوا إلى أين تقودهم، وإلى أين يقودون هم غيرهم؟، ولم يسألوا كيف سيكون مصير هذه الجوقات التي يسيرون في ركابها إن قرر سيف أو أبوه إنهاء العزف النشاز وتحويل المشهد إلى مأتم أو أي مشهد آخر؟

طعنوا في كل من حاول تنبيههم بإسداء النصح إليهم، وحاربوا كل من حاول أن يرفع صوته محذرا، وانساقوا وراء جزرة تبتعد عنهم كلما اقتربوا منها، ولم يدركوا أنهم يسيرون في اتجاه معاكس لطريق إنقاذ بلادهم.. يضيعون وقتا ثمينا .. ويمنحون هذا الوقت للطغاة.

استيقظوا فقط .. عندما قال "مصلحهم" بأنه "سيتخلى" عن دوره الذي انتزعه كونه ابن الطاغية. استيقظوا فتذكروا .. الوعود على الورق ... والكلمات في مكبرات الصوت .. والطبول ما زالت في أيديهم .. بحثوا عن ضمانات للوعود .. فاكتشفوا وقد فات الأوان أنهم لم يطلبوا ضمانة واحدة ... تباكوا على هذه الضمانات بعد فوات الأوان .. لم يجدوا أمامهم إلا الإصرار على الإثم ومتابعة الطريق الذي سموه وحيدا. لكنهم عرفوا أن عليهم أن يبدؤوا من نقطة الصفر، وأن يعيدوا فيلما يجري عرضه دون توقف طيلة تسع وثلاثين سنة .. لم يعد مطلوبا منهم التطبيل والتزمير فقط .. ولكن وجدوا أن عليهم المبادرة بالهتاف والاعتصام والمسيرات "العفوية" للمطالبة بعودة مصلحهم معززا الآن بصلاحيات أكبر ومسنودا ببيعة شوارعية .. وبشرعية لا تفوقها إلا شرعية والده الثورية وخطوطه الحمراء.

هم الكومبارس الذين ما كان لمهزلة سيف أن تعرض على مسرح الجماهيرية بدونهم، وهم من سفه كل من استمر في رفضه لحكم القذافي ولكل ما يأتي منه، وهم الذين حولوا معركتنا مع حكم القذافي إلى سوق للمساومات الخاسرة، فلم تعد القضية قضية مبادئ، ولكنها غدت بحثا عن سبل التعايش مع هذا الحكم وبشروطه هو.

هم الذين يجدون أنفسهم الآن بين خيارين: فرصة ثمينة للانسحاب من مشهد الخداع الذي ربما هم أنفسهم من ضحاياه، والعودة ليشدوا من أزر الصامدين المتمسكين بالثوابت الوطنية وسيجدون كل ترحاب، أو يستمروا فيما هم فيه حتى بعد أن تبين لهم أن الجزرة المعلقة أشد نتانة من الجيف وأنها لا تقود إلا إلى التهلكة، وأن الابن نسخة طبق الأصل من أبيه، إن لم يكن يفوقه طغيانا وظلما وإفسادا وتفننا في أساليب خداع الليبيين.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home