Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ibrahim Abdelaziz Sahad
الكاتب الليبي ابراهيم عبدالعزيز صهد


ابراهيم صهد

الثلاثاء 27 يناير 2009

حول وثيقة 24 ديسمبر والمطلب الدستوري

ابراهيم عـبدالعـزيز صهّد

تمهيد:

تابعت ما نشر في الآونة الأخيرة من مقالات وتعليقات حول "وثيقة 24 ديسمبر"، وقد ترددت كثيرا في كتابة ما أكتبه الآن لأنني موقن بأن هذه الوثيقة –شأنها شأن أي عمل سياسي- لا يمكنها أن ترضي كل الناس، ولكلٍ الحق في إبداء رأيه نقدا أو إثراء أو تقريظا. وحقيقة فإن الوثيقة –ربما لأهميتها ولأهمية ما تطرحه- أحدثت بالفعل حراكا في الساحة وأثارت عددا من التعليقات في كل الاتجاهات، وربما من منطلقات ولأهداف مختلفة، بعضها أخذ منحى إيجابيا تجاهها، وآخر أخذ منحى سلبيا، بعضها صيغ في حدود الموضوعية، وبعضها الآخر خرج عن الموضوعية وافتعلها خصومة مع ما تطرحه الوثيقة ومع من وقف وراء الوثيقة. 

لن أتوقف بتاتا أمام تلك التعليقات التي خرجت عن إطار الموضوعية وتحولت إلى تهجمات استهدفت أشخاصا بعينهم ممن وقع على الوثيقة أو شارك في صياغتها، ولا أمام تلك التي أثارت شكليات واعتبرتها إشكالات، ولا تلك التي توهم أصحابها أنهم يجيدون القراءة ما بين السطور فلم يحسنوا قراءة الوثيقة نفسها. كل ذلك لن أتوقف عنده، ولكنني أتوقف أمام ما أثاره بعض الكتاب -في معرض تناول وثيقة 24 ديسمبر بالتعليق- حول الدستور الليبي الذي أقرته الجمعية الوطنية التأسيسية في 7 أكتوبر 1951. 

وفي البداية أود أن أوضح أن الغرض مما أكتب ليس دفاعا عن الوثيقة، فالوثيقة تتحدث عن نفسها ولا تحتاج إلى من يدافع عنها، وهي قد حققت وما زالت تحقق المبتغى منها، لكن ما أرغبه هو توضيح رؤيتي في الكيفية التي يحسن بنا أن نتعامل بها مع أمر في غاية الأهمية والحساسية ويقع في صلب عمل المعارضة الليبية ويتعلق بمستقبل ليبيا، وأعني بذلك المطلب الدستوري عامة والتعامل مع دستور 1951على وجه الخصوص. 

ليس فقط كيف نتعامل مع أوجه اتفاقنا وأوجه اختلافنا حول هذا الأمر، ولكن كيف نتعرف على أوجه الاختلاف والاتفاق وننطلق منها، بل أكثر من ذلك كيف نستطيع أن نرتقي إلى درجة الإقرار بحقنا جميعا في الاختلاف المشروع وبواجبنا في السعي الدائم إلى البحث عن أوجه الاتفاق وتنميتها، وبضرورة التوقف عن تصيد الاختلافات وتضخيمها، والتريث أمام السانحات فقد يعطي التريث فرصة لتبين الإمكانات التي تقدمها هذه السانحات لتمتين صف أو لتوحيد كلمة أو لفتح باب للحوار بدلا من التسرع لغرض إفساد هذه السانحة أو تلك انتصارا لرأي أو لمذهب أو اتجاه، ثم قبل ذلك وبعده أن نتعاون فيما اتفقنا عليه وأن يعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا حوله، لا أن نسعى للإمساك بخناق بعضنا البعض. 

المطلب الدستوري:

نجد المطلب الدستوري من أهم المطالب التي قامت عليها المعارضة الليبية، هو مطلب قديم قدم تكون المعارضة الليبية، ولا يمكن لأي منصف أن ينسبه إلى تنظيم أو جهة دون الأخرى. إذا ما عدنا إلى وثائق المعارضة الليبية لوجدنا أن المطلب الدستوري يتأسس على مطلب آخر لا غنى عنه، فنجد مطلبين يتكرران في أدبيات المعارضة  –ربما بصياغات مختلفة- وهما:

الأول: ضرورة انتهاء الحكم القائم. باعتباره حكما فاقدا للشرعية منذ استيلائه على السلطة، ولاتصاف ممارساته في غياب هذه الشرعية بالديكتاتورية والقمع والقهر، ومصادرة وانتهاك حقوق وحريات المواطن الأساسية.

الثاني: ضرورة العودة بالبلاد إلى الشرعية الدستورية.  

أسس تحقيق المطلب الدستوري:

 إذا ما بحثنا في الكيفية التي جرت بها معالجة المطلب الدستوري في وثائق وأدبيات المعارضة الليبية وجدنا اتفاقا عاما –تدعوني الدقة ألا أسميه إجماعا- على عدة أمور:

أولا: مركزية المطلب الدستوري، وضرورة أن تقوم الدولة اللييبية المأمولة على المرجعية الدستورية وأن تستمد شرعيتها من الدستور[1].

ثانيا: في حين أن رفع المطلب الدستوري والدعوة إليه هو من حق وواجب كل مواطن ليبي، إلا أن وضع وإقرار الدستور هو حق مقصور على الشعب الليبي برمته، وهو حق أصيل نابع من مصدرية الأمة. وغني عن القول "أن أية محاولة لوضع الدستور من قبل شخص أو حزب أو جماعة بدون أن يتوفر لها شرط التكليف الشعبي سيكون منقصة تعصف بمرجعية الدستور من أساسها، مما سيعرقل حتما مسألة التطور الدستوري"[2]. هذا ينسحب على المعارضة الليبية في الخارج التي ليس من حقها –في رأيي- أن تضع دستورا ولا حتى مشروع دستور، كما ليس من حقها تعديل دستور عام 1951. 

ثالثا: أن الدستور ينبغي أن يتم وضعه وإقراره من قبل هيئة / جمعية منتخبة من الشعب الليبي في انتخابات عامة تدعو لها السلطة الانتقالية. ونجد أن صيغة "الجمعية الوطنية التأسيسية" قد تكررت في وثائق ورؤى أطراف متعددة من المعارضة الليبية، وذلك لعدة أسباب: أولها الصفة التأسيسية للعمل المنوط بها وثانيها من قبيل التيمن وتحقيق تواصل واستمرارية عمل "الجمعية الوطنية التأسيسية" التي أقرت الدستور في أكتوبر 1951.

رابعا: ضرورة أن يتم استفتاء الشعب الليبي حول الدستور الذي تضعه الجمعية الوطنية التأسيسية. 

إن الإصرار على الأسس المذكورة أعلاه نابع من ضرورة تحقيق مرجعية الدستور، ذلك لأن  "الوثيقة الدستورية في حد ذاتها –مهما كانت متانتها-، لا يمكنها أن تشكل مرجعية ما لم تكن نابعة من الأمة، معبرة عن إرادتها الحرة، حائزة على قبولها، مجسدة لمصالحها. أو بمعنى آخر محققة لإعمال مصدرية الأمة، كشرط لترسيخ مرجعية الدستور، وهذا لا يتحقق إلا بتوافر جملة من الشروط والأسس التي تشمل كل ما يتعلق  بالوثيقة الدستورية، وعلى الأخص  في جوانب آليات وأدوات وضع وإقرار وتعديل الدستور، وكذلك محتويات الدستور نفسه"[3]

هذه الأسس الأربع المذكورة أعلاه كانت في صميم برامج المعارضة الليبية وأدبياتها، وعلى الأخص الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا سواء في إعلانها التأسيسي أو في وثائق مجالسها الوطنية أو في إصداراتها الإعلامية المتعددة، كما لم تغب هذه الأسس عن قرارات المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية المنعقد في لندن سنة 2005، حيث نص بيانه الختامي على:  "..... الدعوة إلى انتخاب جمعية وطنية تأسيسية تقوم بمراجعة الدستور تحت إشراف الأمم المتحدة وإحداث التعديلات المناسبة حياله، وعرضه على الشعب الليبي في إستفتاء عام". 

ولما كنت في خضم عمل المعارضة الليبية خلال ما يقترب من ثلاثة عقود، وفي متابعة مستمرة للمطلب الدستوري وساهمت بجهد المقل في الكتابة والحوار حول المسألة الدستورية، وكنت أيضا في خضم التوصل إلى التفاهم الذي تم في المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية، بل وفي موقع مركزي في صياغة هذا التفاهم بالكيفية التي ورد فيها في بيان التوافق، فإنني أود أن أؤكد بأنني كنت ولا زلت مع الرأي القائل بأن الدستور المقر في أكتوبر 1951 هو من أفضل الدساتير التي تم وضعها وأنه يصلح أساسا لعمل الجمعية الوطنية التأسيسية التي لا أرى أنها يمكن أن تغفل عن النظر في هذه الوثيقة الدستورية الهامة، كما أنني لم أجد في "وثيقة 24 ديسمبر" لا انتقاصا من قدر دستور 1951 ولا ما يؤدي إلى استثنائه من العرض على الجمعية الوطنية التأسيسية، بل تركت كل الخيارات مفتوحة أمام الجمعية، ونلاحظ أن الوثيقة تنص على:

"واعتزازاً باليوم الذي يصادف الذكرى السابعة والخمسين لإعلان إستقلال ليبيا في الرابع والعشرين من ديسمبر العام1951، وتأسيس دولة ليبيا الحديثة،التي قامت على الشرعيَة الدستورية والمؤسّسات الديموقراطية التي اجتهد بناة دولة الاستقلال،حُكماً ومعارضةً،في ترسيخها وتطويرها"

كما أنها أدانت إقدام الحكم الانقلابي على:

"إلغاء دستور 1951 الذي أسّس وجسّد الشرعية الدستورية التي قامت عليها دولة الاستقلال" 

لكن يبدو أن البعض قد وجد في عدم نص الوثيقة صراحة على "ضرورة" عرض دستور 1951 على الجمعية التأسيسية مبررا للطعن في الوثيقة وكأن أية رؤى أو أفكار نعلنها اليوم سوف تكون ملزمة لجمعية وطنية تأسيسية هي في علم الغيب، أو أننا نقلل من وعي وحرص أعضاء الجمعية المنتخبين من الشعب الليبي. وبالرغم من أنني لا أرى أي منقصة للوثيقة في هذه الناحية، إلا انني –بعد الضجة التي أثارها البعض- وددت لو أن الوثيقة قد تضمنت ربطا بين التطور الدستوري المأمول وبين دستور 1951 وذلك من قبيل "لو استقبلت من أمري ما استدبرت". 

 أود أن أقول أنه ينبغي أن لا يخالجنا أدنى شك في أن ما نقدمه يظل في دائرة الرؤى والأفكار التي لا تلزم أحدا سوانا، وستظل حبرا على ورق ما لم يكن لدينا دور في التغيير، أو أن الظروف التي تعقب التغيير سوف تتسم بمناخات من الحرية بحيث تسمح لكل الأطراف ان تطرح رؤاها وأفكارها وتتفاعل في حوار حر ما يسمح لنا نحن أيضا بطرح أفكارنا ورؤانا والدفع بها. أما إذا ما كان غيرنا من أحدث التغيير ولم ينتج مع التغيير مناخ من الحرية فسنكون في موقف مغاير يتطلب جهدا آخر ونضالا من نوع آخر. 

من ناحية أخرى لا يخالجني أدنى شك في أن خيار "الجمعية الوطنية التأسيسية" المنتخبة من الشعب الليبي هو الخيار الذي يقدم أفضل الفرص لمعالجة التطور الدستوري المأمول، وأن الجمعية الحرة من أية ضغوط أو إملاءات في خياراتها وأساليب وآليات عملها ستكون في مستوى آمال وتطلعات الشعب الليبي. هذا أفضل ما نأمله، وهذا أفضل ما يمكن أن يتحقق.  ولا أستطيع أن أتصور أن جمعية مكلفة بمعالجة التطور الدستوري ستقوم بعملها بمعزل عن السوابق الدستورية للبلاد، أو أنها ستتجاهل الدستور الوحيد الذي عرفته ليبيا. 

في عام 1951 كان الرهان على الجمعية الوطنية التأسيسية مضطربا، وكانت المطاعن توجه من البعض إلى الجمعية في تشكيلها وفي أساليب عملها، ومع ذلك فإن تلك الجمعية قد حققت نجاحا فاق التوقعات رغم ظروف تشكيلها وما واجهها من عوائق، فلماذا يخشى البعض منا الرهان على جمعية تأسيسية تنتخب من الشعب الليبي في ظروف نأمل أن تكون أفضل؟.  

حديث حول دستور 1951:

إذا ما رجعنا إلى تاريخ دستور 1951 لوجدنا أن هذا الدستور قد تعرض لظلم كبير خلال مراحل مختلفة:

·         تعرض لإهمال من قبل حكومات العهد الملكي على اختلافها، ولم نر أية محاولة من أي من الحكومات لبذل جهد للتوعية بالدستور وبأهميته ومركزيته، ولم تبادر اية حكومة لتوفير الدستور مطبوعا أو لنشر ثقافة حول الدستور. هذا أدى إلى نشوء أجيال لا تدرك أهمية الدستور وتاريخه.

·         كما تعرض الدستور لشكل آخر من الظلم على أيدي بعض "النخب" التي تجاهلت النص الدستوري –على روعته- واستمرت تطعن في الدستور بحجة آلية وضعه وإقراره، وتطعن في الكيفية التي تشكلت بها الجمعية الوطنية التأسيسية آنذاك، في تجاهل كامل من هذه النخب للظروف التي كانت سائدة آنذاك والتي أملت أن تتشكل الجمعية الوطنية التأسيسية بتلك الكيفية.

·         مواقف حكومات العهد الملكي ومواقف تلك "النخب" قادت إلى صرف الأنظار بالكامل عن الدستور وأهميته ومركزيته، وعندما ألغى الانقلابيون الدستور لم يكن هناك كثير إدراك لخطورة هذه الخطوة.

·         ونعلم ما تعرض له الدستور من إلغاء وتسفيه على أثر الانقلاب العسكري، ولم تكن محاربة الانقلابيين موجهة لدستور 1951 فحسب، وإنما كان الأمر موجها للمرجعية الدستورية نفسها التي أدى تغييبها إلى استشراء الديكتاتورية والطغيان والعبث بكل الحقوق وانتشار الفساد في كل مفاصل الدولة.

·         وفي الوقت الراهن تتعرض فكرة الدستور على أيدي معمر القذافي ومن يدور في فلكه إلى نوع جديد من العبث بتفريغه من معناه ومحتواه ومن مرجعيته ومن حق الأمة الليبية في ممارسة مصدريتها التي هي الأساس في هذه المسالة الحيوية. لقد انتقل الأمر من طور تغييب الدستور عن طريق الإنكار والتسفيه إلى طور التغييب عن طريق إنتاج مسخ لا يحمل من الدستور حتى اسمه.

·         أما نحن في المعارضة الليبية فيحسن بنا أن يكون تعاملنا مع دستور 1951 بما يقتضيه الأمر من شفافية ووضوح، نعرف قدر الدستور ومكانته، ونسمح لمختلف الرؤى والأفكار أن تطرح حوله، ولا نظلم بعضنا ونظلم الدستور بالمغالاة في تثمينه وفي المواقف حوله، بحيث تتحول هذه المواقف إلى شيء من الاستقطاب الذي يحول دون التفاهم، أو أن تتحول هذه المواقف – كما جرى مؤخرا- إلى مناوشات يستخدم فيها دستور 1951. 

على سبيل المثال فقد جنح بعض الكتاب إلى استخدام عبارات "تبني" و "اعتماد" في وصف مواقف بعض الأطراف من دستور 1951، وإذا ما توقفنا أمام هذه المصطلحات لوجدنا أنها لا تعبر بدقة عن مواقف تلك الأطراف بعينها التي اتخذها البعض مرجعية يحاكم بموجبها المواقف المختلفة الأخرى.  

تبني دستور 1951:

 ماذا يعني تبني دستور 1951؟

 وما هي الالتزامات التي يمليها التبني؟

وما هي العقبات التي تعترض ذلك؟

وهل من حلول لها؟ 

تبني دستور 1951 يعني القبول به كلا لا يتجزأ: القبول بكل مواده، وبكل فصوله، وبكل إرساءاته، بمعنى آخر القبول به من الجلدة إلى الجلدة. خيار التبني هذا لا غبار عليه، وقد يكون الخيار الأصح في مرحلة ما، ومن حق أي منا أن يختاره، ومن حق الآخرين أن يناقشوا هذا الخيار، وهناك مسوغات قانونية ودستورية يستطيع القائلون بهذا الخيار أن يسوقونها، منها:

1)      أن دستور 1951 يمتلك المرجعية الدستورية كونه أجيز من جمعية وطنية تأسيسية.

2)      أنه الوثيقة الدستورية التي حُكمت البلاد بموجبها من يوم الاستقلال إلى يوم الانقلاب العسكري.

3)      أن قرار إلغاء الدستور المتخذ من سلطة الانقلاب العسكري يعتبر قرارا يفتقد المشروعية ويتعارض مع أحكام الدستور، ولذا فهو قرار لاغ ولا يعتد به. 

 لكن المعترضبن على خيار تبني دستور 1951 يمكنهم أن يسوقوا اعتبارات سياسية وتاريخية، منها:

1)  أن الدستور قد غيب بالكامل لمدة أربعة عقود عن الحياة السياسية في ليبيا، تغيرت فيها البنى الاجتماعية والثقافية، كما تغيرت معطيات كثيرة دولية وإقليمية ومحلية بحيث بات دستور 1951 في حاجة إلى إعادة نظر شاملة، خاصة في جانب نظام الحكم وشكل الدولة وما يستتبعهما من إرساءات.

2)  أن الانقلاب العسكري –برغم عدم مشروعيته- قد أسقط –عمليا- نظام الحكم بكامله وأسقط الدولة بهياكلها ومؤسساتها، ما يستدعي إقامة وتأسيس الدولة من جديد وعلى أسس دستورية تتناسب مع العصر وتستجيب لمطالب الشعب الليبي.

3) استحالة أو صعوبة الإيفاء بمتطلبات دستورية مستحقة لإعمال هذا الخيار نظرا لغياب المؤسسات الدستورية المعنية بهذه المتطلبات.  

هذه هي أهم الاعتبارات المؤيدة والمعترضة على خيار تبني دستور 1951 أوردها بكل حياد، ولكن يهمني أن أوضح أن هذا الخيار يملي التزامات مهمة ويغير المساقات والخطوات التي تعقب انتهاء الحكم الحالي والتي تؤسس للدولة الليبية فيما بعد، من هذه الالتزامات والمساقات:

أولا: الإقرار بأن نظام الحكم في ليبيا –بموجب الدستور المتبنى-هو الحكم الملكي. وأن كل المساقات ستنطلق من هذا الإقرار وتتأسس عليه.

ثانيا: أن الملك ينبغي أن يتم اختياره إعمالا  للمادة 45 من الدستور والتي تحيل إلى الأمرين الملكييين المنظمين لوراثة العرش[4].

ثالثا: أن الدستور لا يمكن تغييره أو تعديله إلا باستخدام الآليات والمؤسسات المنصوص عليها في الدستور.

رابعا: في هذه الحالة فإن مسألة تعديل الدستور لا تشكل الأولوية المطلقة، ولم تعد من حاجة تدعو إلى تشكيل الجمعية الوطنية التأسيسية، وتصبح الأولوية في تمكين الملك من تولي سلطاته الدستورية بموجب الدستور وتشكيل حكومة مؤقتة (لا انتقالية) من أولى مهامها الدعوة لانتخابات تشريعية لانتخاب مجلسي الشيوخ والنواب (نظرا لاستحالة دعوة المجلسين بآخر تشكيلة لهما). ويكون للملك وللمجلسين بموجب المادة 196 من الدستور -إذا رأوا ذلك- الحق في اقتراح تنقيح الدستور، مع مراعاة الاستثناء الذي نصت عليه المادة 197 بعدم جواز " اقتراح تنقيح الأحكام الخاصة بشكل الحكم الملكي وبنظام وراثة العرش وبالحكم النيابي وبمبادئ الحرية والمساواة التي يكفلها هذا الدستور". وتحدد المادة 198 الإجراءات التي ينبغي على المجلسين اتباعها. قد يلجأ المجلسان إلى تشكيل لجان عمل وصياغة، أو الاستعانة بالخبراء في هذا الصدد أو الدعوة لحوار وطني أو غير ذلك من الإجراءات. 

هذه المساقات والالتزامات يمليها –في رأيي-  خيار تبني دستور 1951 كما هو. إذ أن التعامل معه يصبح تعاملا قانونيا – دستوريا، ويعني الرضوخ الكامل إلى أحكامه. فلا معنى لأن يتبنى البعض دستورا ولا يلتزم بإملاءاته.

وبالتأكيد فإن المعضلة الأساس في هذا الخيار تكمن في الآلية التي يتم بها إعمال اختيار الملك بموجب المادة 45 من الدستور ثم تمكينه من ارتقاء العرش في غياب مجلسي الشيوخ والنواب[5]، وما هي الشرعية التي يكتسبها الملك إلى حين انتخاب المجلسين، وقبل ذلك وبعده رأي الشعب الليبي في المسألة برمتها. 

خيار تعديل دستور 1951:

في كل خيار من الخيارات نجد المسوغات ونجد المحددات والعقبات. ففي اختيار تبني دستور 1951 كما هو تكمن محددات وعقبات ومثالب أوضحت بعضا منها. وكذلك الحال في الخيار القائل بإسناد أمر التطور الدستوري إلى "جمعية وطنية تأسيسية" منتخبة من الشعب الليبي، سواء باشتراط وربط مهمة الجمعية بتعديل دستور 1951 أو بترك الأمر للجمعية نفسها. سنجد تساؤلات تطرح، وهي تساؤلات مشروعة وتتطلب منا البحث في ما تثيره من مسائل. 

فهل المأخذ على من لم يشترط أن ينحصر عمل الجمعية التأسيسية بتعديل دستور 1951، هل المأخذ سياسي يجوز الاختلاف حوله ويحق لكل أن يجتهد فيه، أم هو مأخذ دستوري؟ أي هل أن إغفال هذا الشرط يعد إخلالا بالدستور؟ بمعنى أن دستور 1951 قائم ولا يجوز تخطيه؟ وفي هذه الحالة لماذا يطلب تعديله أمام جمعية تأسيسية لن تكون صاحبة اختصاص في هذه الحالة بموجب الدستور نفسه، ولماذا يجري طلب التعديل من جهات غير مختصة دستورا؟. ولماذا يفترض البعض أن أجزاء معينة من الدستور تتطلب مراجعة وتعديلا؟ ولماذا يفترض البعض أن نظام الحكم هو المعني دون غيره بالتعديلات؟.   

وفي رأيي أن الاختلاف لا ينبغي تصويره على أنه خلاف دستوري، بل يؤخذ على حقيقته على أنه اجتهاد سياسي يحتمل الصواب والخطأ،  يتمحور حول نفاط اتفاق ونقاط اختلاف، أما نقاط الاتفاق فهي:

1)      إجماع على آلية "الجمعية الوطنية التأسيسية" ، ينطلق هذا الإجماع من نظرة سياسية محضة راعت الظروف القائمة وتعاملت مع كل العوامل والمعطيات بمرونة قد لا توفرها النظرة إلى الأمر بمعيار دستوري محض، ومرد هذا الخيار ضرورة إيجاد آلية لمعالجة التطور الدستوري في غياب كامل للآليات المنصوص عليها في دستور 1951، بل وفي غياب للدولة وللدستور عن شؤون الحكم والسياسة طيلة أربعين سنة.

2)      إجماع على أن الجمعية الوطنية التأسيسية ينبغي أن تنتخب من الشعب الليبي في اقتراع حر سري تحت إشراف مراقبين دوليين، وأن تكون الجمعية حرة من أية ضغوط أو إملاءات. وأن عمل الجمعية ليس هو نهاية المطاف، بل إن الدستور لن يصبح مقرا إلا بالموافقة عليه من خلال استفتاء الشعب الليبي حوله.

3)      الاتفاق حول مكانة الدستور المقر عام 1951 كونه من أفضل الدساتير التي عرفتها منطقتنا، وهو ما عملت المعارضة الليبية –منذ انطلاقتها- على تعزيزه ونشر الوعي حوله من خلال أدبياتها ومنشوراتها، وإليها يرجع فضل كبير في ما نشهده من وعي وإدراك لمسائل من تاريخنا وإنجازاتنا، منها الاستقلال والعلم والدستور[6].  

ولتحرير موضع الاختلاف على وجه الدقة، فإننا نجد رأيين:

1)      رأي يقول بأن عمل الجمعية التأسيسية ينطلق من مراجعة وتعديل دستور 1951، وكاتب المقال مع هذا الرأي[7]، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا الرأي ليس ملزما لأعضاء الجمعية التأسيسية الذين هم أصحاب الاختصاص بموجب التخويل الشعبي، ولهم رأيهم الخاص حول هذه المسألة، وقد لا يكون متفقا مع هذا القول.

2)      ورأي لا يشترط أن يكون عمل الجمعية هو مراجعة وتعديل دستور 1951، بل يترك الأمر كله لأعضاء الجمعية المنتخبين من الشعب الليبي الذين لهم مطلق الحرية في اعتماد أي السبل التي تقود إلى اعتماد دستور يستفتى عليه الشعب الليبي. وليس في هذا القول ما يمنع قيام الجمعية التأسيسية من التعامل مع دستور 1951 بما تراه من تبني أو تعديل أو غير ذلك. 

قد نستطيع أن ندرك من هذا أن الاختلاف ليس بالحجم الكبير الذي قد يصوره البعض أو يتصوره، بل إنني أذهب إلى أن سبب هذا الاختلاف يعود إلى أمرين:

أولهما: أننا كثيرا ما ننسى أننا لا نستطيع أن نقرر نيابة عن الشعب الليبي، وأن ما نطرحه من رؤى وأفكار مرهونة بمدى تقبل الشعب الليبي لها، ولهذا فالأولى أن ما يشكل اختلافا في الرؤى حول الدستور نترك البت فيه وتقريره  للشعب الليبي من خلال جمعيته الوطنية التأسيسية.

وثانيهما:  أما السبب الثاني فيكمن في عدم وضوح الأسس التي ستقوم بموجبها الجمعية الوطنية التأسيسية بتعديل الدستور أو بصياغته.. ربما لجأت كل التصورات إلى ترك الأمر لتلك المرحلة لأسباب عملية ..  فهل تقرير الأسس يجوز أن يترك بالكامل لأعضاء الجمعية، أم أن الضرورة تستدعي أن يكون التخويل الشعبي للجمعية مشروطا بهذه الأسس..  

غياب النص على كيفية تحديد أسس عمل الجمعية يشكل حلقة مفقودة من التصورات المطروحة، وربما سبَّب هذا شيئا من غموض في المقاصد أدى إلى إساءة الفهم. ومن هنا تستدعي الضرورة أن يسبق عمل الجمعية التأسيسية استفتاء عام للشعب الليبي حول مسألتين، بموجب ما يقرره الشعب حولهما تتعامل الجمعية مع مهمتها المنوطة بها،  ويتحدد أمام الجمعية الأسس التي يرتكز عليها الدستور، ويتقرر أيضا كيف يكون التعامل مع دستور 1951 على وجه التحديد.

 أما المسألتان، فهما:

1)      نظام الحكم: ملكي دستوري، أم جمهوري ..

 وإذا كان جمهوريا هل هو رئاسي أم برلماني.

2)      شكل الدولة.

قد يسبق كل ذلك حوار وطني حول مستقبل البلاد يتم من خلاله طرح مختلف الرؤى حول مختلف القضايا الأساسية. وغني عن القول أن البت الشعبي في هاتين المسألتين قبل شروع الجمعية التأسيسية في عملها سيحدد أمام أعضائها الطرق المفتوحة والمساقات اللازمة لإنجاز المهمة المناطة بها. وأود أن أُذكِّر بالسابقة التي أرستها الجمعية الوطنية التأسيسية حين استهلت عملها في 2 ديسمبر 1950 بإصدار قانونين أساسيين حول شكل الدولة ونظام الحكم. وعلى أساس هذين القانونين جرت صياغة الدستور الليبي وإقراره في 7 أكتوبر 1951. 

خاتمة:

وبعد .. فإن البحث عن قواسم مشتركة وتنميتها قد يكون مضنيا ومجهدا ومكلفا، ولكنه أقل كلفة وأكثر نفعا وأقل ضررا من البحث عن أوجه الاختلاف وتضخيمها. ومع هذا، فلكلٍ الحق في التعبير عن وجهة نظره تجاه أي مسألة أو عملٍ ما تأييدا أو رفضا، مشاركة أو امتناعا، ولكن ينبغي الابتعاد عن اللجوء إلى التخذيل خاصة إذا كان ذلك العمل موجها ضد حكم جثم على صدورنا جميعا وما يزال، وأحرق الأخضر واليابس، وأهلك الحرث والنسل، وما زال يعيث في أرض ليبيا فسادا.

والله ولي التوفيق.


1-  حين نتحدث عن "الشرعية الدستورية"، فنحن نعني استناد الحكم القائم على الدستور لاكتساب سلطة مشروعة لممارسة الحكم، أي ضرورة وجود دستور للدولة يقرر شكل الدولة، وينظم شؤون الحكم، ويحدد العلاقات، ويقرر الحقوق والواجبات، ويكون وثيقة حاكمة على كافة القوانين والتشريعات، ويشكل مرجعية يتحاكم إليها أطراف العقد الاجتماعي الذي تكونت على أساسه الدولة. (انظر ورقة "المرحعية  الدستورية وكيف تتحقق" وهي مشاركة الكاتب في المؤتمر الذي عقدته منظمة "ألفا" حول الدستور.  والتي جرى نشرها في عدد من المواقع الليبية.

http://www.libyanfsl.org/ملفاتخاصة/ملفالدستور/tabid/84/newsid477/221/mid/477/language/en-US/Default.aspx

2. مقالة المرجعية الدستورية وكيف تتحقق للكاتب

3. نفس المرجع السابق.

4. تنص المادة 45 على:

عرش المملكة وراثي طبقاًًًا للأمرين الملكيين الصادرين في ٢٢ من صفر١٣٧٤ هـ، و ٢٥ من ربيع الثاني ١٣٧٦ هـ  ويعتبر كل من هذين الأمرين المنظمين لوراثة العرش ذا صبغة دستورية.

.5. تنص المادة (47) من الدستور على: (قبل أن يباشر الملك سلطته الدستورية يقسم اليمين الآتية أمام مجلس الشيوخ والنواب في جلسة مشتركة ...........

كما يلاحظ منطوق المادة (52) من الدستور، مع الأخذ في الاعتبار عدم وجود مجلس للوزراء يمتلك الشرعية الدستورية (لم يعين من قبل ملك، ولم يقسم اليمين)

6. على سبيل المثال لا الحصر تراجع أدبيات وإصدارات الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، خاصة عدد مجلة الإنقاذ الخاص بذكرى الاستقلال (العدد رقم 39 الصادر في ديسمبر 1991 ).  

7. كذلك أعلم أن عددا غير قليل ممن وقع على وثيقة 24 ديسمبر يرون نفس الرأي، وهذا يؤكد أن الوثيقة لا تحول دون إعمال هذا الخيار وتترك الأمر إلى الجمعية التأسيسية.

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home