Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ibrahim Abdelaziz Sahad
الكاتب الليبي ابراهيم عبدالعزيز صهد


ابراهيم صهد

Saturday, 25 May, 2008

التعـليم.. التعـليم.. قبل فوات الأوان

ابراهيم عـبدالعـزيز صهد

الخطاب الذي ألقاه القذافي بحضور من وصفوا "باللجنة الشعبية العامة للتعليم" يكشف بكل وضوح نوايا القذافي تجاه قضية التعليم في ليبيا، ويفتح مجددا ملف الجرائم التي ارتكبها حكم القذافي بحق هذا المرفق الحيوي، وهو علاوة على ذلك يدعو كل المتخصصين إلى أن يبادروا إلى تبيان الكارثة المحققة التي ستحيق ببلادنا جراء تنفيذ القرارات الحمقاء التي أعلن عنها القذافي بإلغاء التعليم النظامي وإنهاء دور مؤسسات الدولة في العملية التعليمية.

ينبغي ألا يُفهم من هذا بأن التعليم في ليبيا بخير ولا يهدده إلا هذه القرارات الأخيرة. فالواقع أننا جميعا نعلم مقدار الحجم الهائل من الدمار والخراب التي تعرض لها التعليم في ليبيا جراء حكم القذافي وسياساته الحمقاء العابثة التي عاثت خرابا ودمارا في كل أوجه حياة المواطن الليبي، والتي لم ينج منها ومن آثارها ونتائجها الإنسان الليبي نفسه، الذي يواجه - وعلى مدار تسع وثلاثين سنة- الطغيان والقهر، ويتعرض يشكل مستمر لضروب شتى من التنكيل والغدر، ويُعامل بالتهميش والاحتقار، ويواجه فوق كل ذلك إصرار هياكل وأجهزة الحكم على نشر الدمار والخراب من حوله ودفعه إلى الفقر والتخلف واليأس.

هذا الخراب والدمار الذي فرض على الشعب الليبي لم ينج منه لا المعتقدات، ولا القيم، ولا الهوية، ولا الأخلاق، ولا الإمكانات، ولم ينج تاريخنا الذي شوه، ولا حاضرنا الذي تقلد زمام إدارته السفهاء والجهلة، ولم ينج منه مستقبلنا ومستقبل أبنائنا وأحفادنا وأجيال سوف تضطر إلى أن تحصد الشر والتخلف التي زرعها هذا الحكم الهمجي.

وإذا نظرنا إلى القطاعات التي أصابها أكبر نصيب من الخراب والدمار المقصود والمبرمج، فسنجد أنها القطاعات ذات العلاقة المباشرة بمعيشة المواطن الليبي ، بكينونته وصيرورته، ومن أهمها قطاع الصحة وقطاع التعليم، ما يجعلنا نجزم بأن الإنسان الليبي هو المقصود والمستهدف من هذا المخطط الإجرامي التي باتت أبعاده ومقاصد تتكشف يوما بعد يوم.

وبدون شك، فإن التعليم هو أهم ما تعنى به الأمم، لتكوين أجيال قادرة على مواكبة مسيرة العلوم والتقنية التي باتت تقفز قفزات هائلة جدا. تهتم الأمم بالتعليم حتى تستطيع أن تستوعب ما تقدمه العلوم والتقنية الحديثة من مجالات تطبيقية ثم تستخدمها في البناء والتطور والنمو، حتى تتمكن من المشاركة في مسيرة الحضارة الإنسانية. وتهتم الأمم بالتعليم، من أجل تنشئة أجيال قادرة على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل وما تطرحه من منافسات باتت تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية. وباختصار فإن الأمم تنظر إلى التعليم على أساس من الأهمية يفوق كل الاعتبارات الأخرى، ولهذا فهي تعطيه أسبقية مطلقة، وتعمل على تسخير كل الإمكانات في خدمة التعليم، وتخوض جهودا مستمرة للتطوير والارتقاء به.

وإذا نظرنا حولنا ... فسنجد أن جميع الدول المحيطة بنا قد قطعت أشواطا بعيدة في مجال الترقي بالتعليم، وإعداد أجيال قادرة على اقتحام غمار البناء والنمو، ومواجهة التحدي والمنافسة. بينما تأخرت بلادنا كثيرا، وأصبحت الهوة التي تفصلنا عن العالم هوة ضخمة، نحتاج إلى جهود جبارة ووقت طويل حتى نستطيع فقط أن نقترب من عالم القرن الحالي. حتى الدول المجاورة ذات الإمكانات القليلة سبقتنا بمسافات بعيدة جدا ... حتى الدول التي تعاني من كثرة عدد السكان وقلة الإمكانات، بذلت جهودها ونجحت في إيجاد الحلول المناسبة التي مكنتها من تطوير مستوى التعليم وتنميته.

وحتى لا نذهب بعيدا فإن بلادنا ليبيا يوم كانت في أصعب الظروف وأقساها ... يوم كانت إمكاناتها المادية شبه معدومة ... وكانت الأمية تنتشر بصورة مخيفة ...ويوم لم يكن عدد خريجي الجامعات يتجاوز عدد أصابع اليدين ... بلادنا ليبيا ...التي كانت يومها حديثة العهد بالاستقلال ... وقد حطمت الحرب العالمية الثانية كل بناها الأساسية ... ليبيا، بتلك الإمكانات القليلة، خاضت تجربة فريدة في مجال التعليم، وقامت بنهضة علمية حقيقية، قلبت الموازين في أعوام قليلة، فتغيرت معدلات الأمية، وانتشرت المدارس والمعاهد والكليات، وفتحت المدارس الليلية للعمال، وأوفد الطلاب في بعثات دراسية إلى مختلف دول العالم، وباتت ثمار هذه النهضة تتبدى في أعداد الخريجين في مختلف المجالات. إمكانات قليلة حقا، لكنها تحولت بالعزيمة والصدق والإخلاص إلى إمكانات مباركة. وكل ذلك تم في أجواء من الحرية العلمية، والنقاء المنهجي، وفي مناخ أتاح للإدارة أن تمارس دورها دون تدخل، وللأستاذ أن يتفانى ويخلص، وللطالب أن يجتهد في التحصيل فيتعلم ويبدع.

لكن منذ انقلاب سبتمبر، أخضع التعليم بكل أركانه (المدارس، المناهج، المعلمين، الطلبة) إلى الأهواء والنزعات التي تعتري العقيد معمر القذافي والتي ليست سوى حلقات في مخطط، يستهدف التعليم ومكوناته:

فلم ينج الطلاب من المطاردات والتضييق والقمع، ومحاولات إخضاعهم لتسلط أعضاء اللجان الثورية، وإجبارهم على القبول بالمقولات السقيمة التي وردت في الكتاب الأخضر. وواجه النظام الطلاب بكل عنف: بالسجن والاعتقال، بالقمع والرصاص، بالإعدامات العلنية في الشوارع والمدارس، وزج النظام بآلاف من الطلاب في السجون، واستخدم الخدمة العسكرية وسيلة للانتقام من الطلاب وذريعة لحرمانهم من إكمال تعليمهم وإخضاعهم لمعاملات غير لائقة تتم باسم الخدمة العسكرية. كذلك أجبر الطلاب على ترك مقاعد الدراسة والخروج في مسيرات يقودها غوغاء اللجان الثورية، كما اقتيد طلاب المدارس -بمن فيهم تلاميذ المدارس الابتدائية- إلى خارج فصولهم ومدارسهم لحضور عمليات الإعدام العلنية، واختطف الطلاب من مدارسهم وسيروا إلى ساحات الحرب في تشاد وغيرها. هذا كان الحال مع الطلاب ...

وكذلك كان الحال مع المعلمين في مختلف مراحل التعليم: الابتدائي، والإعدادي، والثانوي، والجامعي . لم ينج المعلمين أيضا من حملات القمع المبرمجة والمنظمة، ومن تسلط أدعياء اللجان الثورية على هيئات التدريس. ولم يراع في المدرس الشروط الواجب توافرها في المربي، بل أصبحت الغوغائية، والثورية، والتزلف للنظام، بل والمشاركة في تنفيذ جرائمه، هي المعايير التي يختار المدرسون على أساسها، وسدت المنافذ أمام الكفاءات التربوية من أن تمارس مهامها في أجواء خالية من القمع والقهر، وزج بمئات الأساتذة وأعضاء الهيئات التعليمية الجامعية في السجون بسبب عدم انصياعهم للرعاع الثوريين، وقامت أجهزة النظام بإخضاع المعتقلين من الأساتذة لكل صنوف التعذيب والقهر، وأعدم عدد من الأساتذة في الميادين العامة وأمام مدارسهم وعلى مرأى من طلابهم. وفي الواقع فقد كان أول من تجرأ النظام على إعدامه علنا هو الأستاذ عمر دبوب رحمه الله.

وكما كان عبث القذافي ينخر في كل مرافق التعليم، فقد كانت تدخلات معمر القذافي شخصيا في مناهج وأساليب التعليم سافرة ومدمرة للعملية التعليمية. فرض كتابه الأغبر ليدرس على الطلاب، وفرض مناهج ومواد ما أنزل الله بها من سلطان، كذلك كانت محاولات القذافي لإلغاء التعليم الابتدائي بمختلف الحجج والذرائع، تحت حجة ما أسماه منزلية التعليم الابتدائي... إلى غير ذلك من المقولات السقيمة النابعة من أهوائه ونواياه الفاسدة. وعندما لم يستطع إلغاء التعليم الابتدائي، عمل كل ما بوسعه ليدمر هذا التعليم الأساسي، ويحول دون أن تسخر الإمكانات والميزانيات اللازمة للتعليم، فأصبحت المدارس تعاني من إهمال شامل عام، سواء في عدم بناء مدارس جديدة تستوعب الأعداد المتزايدة من الطلاب، أو في إهمال صيانة المدارس الموجودة بالفعل.

وبدون شك، فنحن نستطيع أن نلاحظ بكل يسر وسهولة، مقدار التدني في المستوى التعليمي العام، ومقدار الهوة المخيفة التي باتت تفصلنا عن بقية دول العالم، حتى تلك التي تجاورنا، والتي تقل عنا في الإمكانات والقدرات، هوة كبيرة ومخيفة تحول دون لحاقنا بركب الحضارة والتقدم وتدفعنا إلى التخلف. ثمن باهظ نتحمله جميعا، وتتحمله معنا أجيالنا القادمة، هذا الثمن ندفعه بسبب حاكم عابث متسلط، أحرق الأخضر واليابس في سبيل إرضاء أهوائه، ومن أجل أن يبقى في الحكم متسلطا على رقابنا لينفذ مخططات التجهيل والإفقار.

وكأن ذلك كله لم يكن كافيا، فخرج علينا القذافي بحلقة جديدة من حلقات مخططه الرامي إلى تجهيل الشعب الليبي. هذه الحلقة تقول صراحة ودون مواربة بإلغاء التعليم جملة وتفصيلا، وإيقاف دور الدولة في العملية التعليمية. قدم هذه الحلقة الجديدة على أنها نظرية من نظرياته الكثيرة التي لا يشق لها غبار في إفساد حياتنا الليبية، ووجد من الصفاقة قدرا كافيا لأن ينسب ويربط هذه الحلقة- الجريمة بترهاته القديمة والجديدة بدءا من "سلطة الشعب"، وكأن الشعب هو من قرر إلغاء التعليم النظامي، وانتهاء "بتوزيع الثروة"، وماذا لو قرر القذافي فجأة النكوص عن وعده الذي ما زال لم ينفذ بعد؟. ثم هل كل العالم بمفكريه وساسته وفلاسفته ومشرعيه وعلماء التربية والتعليم فيه، هل كلهم أصيب بالعمى وشلل التفكير فلم ينتبهوا إلى ما تفتق عنه عقل القذافي؟ هل العالم كله مخطئ والمصيب الوحيد هو معمر القذافي؟

قد تبدو المسألة وكأنها قرارات مرتجلة؟ وقد تبدو وكأنها خيار يطرحه القذافي أمام الليبيين بين وعده الأجوف بتوزيع الثروة على الليبيين وبين التعليم لأبنائهم وبناتهم. قد تبدو المسألة كذلك، لكنها –بدون شك- جزء من مخطط مرسوم لجعل الليبيين أمة بدون مقومات لأهداف تبلغ بشاعتها درجة لا تصدق.

كالعادة وجد القذافي من يطري "النظرية" ويصفها بأنها خطوة متقدمة، وكالعادة دقت البنادير والطبول، ولم يجد المعارضون لهذه الحلقة الإجرامية من مخرج سوى السعي المتردد لتأجيلها بضعة أشهر، أو تطبيقها بصورة تجريبية على عدد من المدارس، أو غير ذلك من المحاولات اليائسة التي لا تجدي نفعا مع القذافي.

كان الأجدر بقارعي الطبول أن يدقوا نواقيس الخطر لينبهوا من ما زال غافلا عن الخطر الماثل أمام العيان بكل وضوح. كان الأولى بهؤلاء أن يتوقفوا ولو مرة واحدة دون أن يمثلوا دور البيادق التي تحركها يد آثمة لتطعن إخوانهم وأبناءهم. وكان الأولى بالمتلعثمين أن يتحدثوا بكل جرأة وأن يشيروا يقولوا "لا" مدوية عالية .. الآن .. الآن .. وقبل فوات الأوان.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home