Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ibrahim Abdelaziz Sahad
الكاتب الليبي ابراهيم عبدالعزيز صهد


ابراهيم صهد

Saturday, 15 Decmber, 2007

في ذكرى اختطاف منصور الكيخيا
الاختفاء القسري والمسؤولية الدولية


ابراهيم عـبدالعـزيز صهد

تطرح مسألة الاختفاء القسري تحديا حقيقيا أملم المجتمع الدولي، ويشمل هذا التحدي تساؤلا حقيقيا عن المصداقية التي تدعيها الدول تجاه هذه المسألة. المعضلة التي تواجه هذه المصداقية المزعومة تكمن في أن جرائم الاختفاء القسري تبقى في –معظمها- مغلفة بحجب كثيفة من الأحجية، الباحث فيها يجد نفسه يدور في حلقة مفرغة، ويجد نفسه مواجها بأعوام تنقضي تليها أعوام كفيلة بإلقاء غلالة سميكة من النسيان، وكفيلة أيضا باختفاء أو موت منفذي الجريمة واختفاء الأدلة، وفي النهاية تبقى الجريمة دون كشف ويبقى إنسان مجهول المصير أحي هو أم ميت؟ إلى آخر التساؤلات. فيما هو معروف لم تكشف غوامض أية جريمة اختفاء قسري إلا تلك التي أرادت لها بعض الأطراف –لمصالحها- أن تميط اللثام عن خفاياها.

ينحصر حديثنا عن جرائم الاختفاء القسري التي ترتكبها حكومة ما ضد أحد رعاياها، ولا تشمل تلك التي تم ابتداعها –تحت مسميات مختلفة- لاختطاف وإخفاء مواطنين يتبعون لدول أخرى، والتي أصبحت تنفذ بانتظام منذ أحداث سبتمبر 2001، ذلك لصعوبة الإحاطة بها في هذه المقالة.

جرائم الاختفاء القسري –حتى وإن قلت- لا تزال مستمرة الحدوث، ارتكبت في أواخر القرن العشرين، وترتكب في عالم القرن الواحد والعشرين الذي يوصف بقرن العولمة، وبعصر القرية الإعلامية، وبزمن لم يعد فيه ثمة حواجز أمام سريان المعلومات وانسيابها. في عالم هكذا صفاته تتغول أجهزة الاستخبارات الدولية في تجسسها فلا تفرق بين عدو وصديق وحليف، والنتيجة تكون دائما ندرة ما يمكن إخفاؤه. لكن رغم ذلك فإن قضايا ومعلومات كثيرة يتم إخفاؤها وراء جدران الأجهزة وفي داخل الخزائن خلف الأبواب التي عادة ما يتم طلاؤها باللون الأخضر. تلك المعلومات المعروفة والمخفية، تعرفها أطراف الاستخبارات جميعها ولكن بتفاصيل متفاوتة، وتتفق جميعا على ضرورة إبقائها بعيدا عن الأنظار، بل وتتظاهر بأنها تسعى جاهدة لمعرفة السر وكشف الغموض الذي تدعي أنها لا تعرفه، وهذا كله يتم بثمن يتم تحديده والاتفاق عليه بين الأجهزة نفسها.

جريمة اختطاف المعارض المغربي المهدي بن بركة في فرنسا عام 1965 كانت إحدى أخطر جرائم الاختفاء القسري وأكثرها غموضا، فالرجل لم يكن نكرة، ولم يكن زعيما في إطار المغرب فحسبب، ولكن كان معروفا على المستويين الإقليمي والدولي، وأقام علاقات قوية مع عدد من الرؤساء في العالم، وعندما قرر زعماء بلدان العالم الثالث تنظيم "قمة القارات الثلاث" بالعاصمة الكوبية "هافانا" في يناير 1966، تم الاتفاق على أن يتولى ين يركة –اللاجئ السياسي- رئاسة اللجنة التحضيرية لذلك المؤتمر، ما يؤكد مقدار الشهرة والثقة التي كان الرجل يحظى بهما على المستوى الدولي. لكن كل ذلك لم يحل دون اختفائه من قلب العاصمة الفرنسية قبل انعقاد المؤتمر بأشهر، ولم تحل شهرة الرجل ودون بقاء مصيره غامضا طيلة أربعة عقود تغير فيها وجه العالم، وتغير خلالها اللاعبون على مسارح السياسة الدولية، ومات فيها ملوك ورؤساء وحل آخرون مكانهم، ولكن غموض جريمة اختطاف بن بركة ظل باقيا لم يتغير. المعلومات القليلة التي رشحت كان مصدرها معلومات أدلى بها شرطيان فرنسيان امام محكمة، حيث اعترفا أنهما خطفا بن بركة بالاتفاق مع المخابرات المغربية وانهما اصطحباه من وسط باريس إلى بيت في ضواحيها وسلماه إلى الجنرال محمد اوفقير وزير الداخلية المغربية آنذاك ومعه عدد من رجاله. ومعلومات أخرى تفيد ان بن بركة توفي أثناء التحقيق معه نتيجة التعذيب. أما مصير الجثمان فتتفاوت الروايات بين دفنه بالقرب من ضفة أحد الأنهار في فرنسا، وبين نقله بعد الاغتيال إلى الرباط على متن طائرة عسكرية مغربية إلى المغرب حيث تتباين المعلوات بين دقن الجثمان في باحة تتبع لمبنى أحد أجهزة الأمن، وبين أن الجثمان قد جرى تذويبه في حوض ملئ بالحمض المركز. وما زالت القضية تراوح في مكانها إلى يومنا هذا، فهل ذلك لأن جهاز المخابرات المغربي استطاع إخفاء معالمها –بكل مهارة- عن أجهزة المخابرات الدولية الأخرى؟ أم لأن هذه الأجهزة اختارت أن تغض الطرف لسبب من الأسباب؟ أم لأن اختفاء بن بركة كان مطلبا لعدد من الأطراف الدولية؟

في ملف القذافي جرائم كثيرة تندرج تحت بند الإختفاء القسري، منها ما تم في داخل البلاد، ومنها ما تم على أراضي دولة أخرى. هذه الجرائم أخذت أشكالا متعددة:
• باعتقال الضحايا وإبقاء مصيرهم مجهولا بحيث يصبحون بمثابة المفقودين بالرغم من أن السلطات تحتفظ بهم في السجون والمعتقلات. وهذه الجرائم شملت عشرات الألوف من المواطنين على مدار سنوات حكم القذافي حيث كانت أعداد كبيرة من المواطنين يجري اعتقالهم، ثم تنقطع أخبارهم عن أهلهم، ولا يعرف أحد –يقينا- أنهم رهن الاعتقال.
• تعمد أجهزة الحكم إخفاء مصير عدد من السجناء، فلا هي أعلنت عن وفاتهم ولا صرحت بأنهم مازالوا في السجن، وأبرز أمثلة على ذلك: آدم الحواز، وعمر الواحدي، والدكتور عمرو النامي، والشيخ محمد البشتي.
• وتشكل مجزرة سجن بوسليم حالة خاصة اجتمعت فيها جريمتي القتل المتعمد والإخفاء القسري، فمصير ما يزيد على ألف سجين لا يزال غير معروف يقينا بالرغم من أنهم قد باتوا يعدون ضمن الذين قتلوا في ذلك اليوم.
• حالة الإمام موسى الصدر ورفيقيه، حيث اختفوا أثناء زيارتهم للأراضي الليبية، واستمر حكم القذافي ينكر وجودهم في ليبيا ويدعي أنهم قد غادروها إلى إيطاليا.
• أما أبرز جرائم الاختفاء القسري التي تمت خارج ليبيا، فقد تمت إما بتعاون سلطات الدولة التي وقعت الجريمة على أرضها، أو بخلاف ذلك، وفي الحالتين نجد أن الدولة المعنية تنكر علمها بالجريمة، وتقف دولتان على رأس القائمة هما المغرب ومصر، كلتا الدولتين أنكرت وبالغت في الإنكار رغم تورطهما الواضح.

في حالة جاب الله مطر وعزات المقريف أنكرت السلطات المصرية أن لها أي ضلع في الجريمة بالرغم من أن ضباطا من المخابرات المصرية هم من اصطحبوهما من بيتيهما، وبالرغم من أن معلومات مؤكدة تفيد بمشاركة ضباط أسماؤهم معروفة برتب ومراكز كبيرة في جهاز المخابرات المصري في اصطحابهما إلى مطار "ألماظة" الحربي حيث أركبا طائرة تابعة للحكومة الليبية.

أما في حالة الأستاذ منصور الكيخيا فالسلطات المصرية لم تستطع أن تنكر بأن الرجل قد اختفى وهو على الأرض المصرية، إلا أنها لم تفعل شيئا ذا قيمة لمتابعة الجريمة ومن ثم للكشف عن مصيره، بل إن السلطات المصرية قد عبرت صراحة عن ضيقها بالجهات التي حاولت متابعة القضية وكشف غوامضها، وقامت بالضغط على "منظمة حقوق الإنسان العربية" كي تتوقف عن متابعة القضية.

وإذا كانت قضية اختفاء السيد المهدي بن بركة تعد إحدى أخطر جرائم الاختفاء القسري، فإن جريمة اختطاف الأستاذ منصور الكيخيا لا تقل خطورة، إن لم نقل بأنها تطرح أبعادا خطيرة جدا ومخيفة حقا، ليس لأنها جريمة وقعت في زمن العولمة وعصر الفضائيات فحسب، لكن لأنها أيضا تمت في وسط أكبر عاصمة عربية، وهو يحضر مؤتمرا لحقوق الإنسان نظمته "المنظمة العربية لحقوق الإنسان"، علاوة على ما كان الأستاذ منصور الكيخيا يحظى به من مكانة وشهرة لدى الدوائر العربية والأجنبية، ولدى المنظمات الدولية والإقليمية بحكم المناصب التي سبق ان تولاها، ةبحكم الصلات والصداقات التي عقدها مع عدد كبير من المسؤولين في تلك المنظمات والدول بما فيها مصر نفسها، وبمن فيهم وزير خارجيتها آنذاك السيد عمرو موسى الذي يشغل حاليا الأمين العام للجامعة العربية.

منصور الكيخيا وزير الخارجية، والمندوب الدائم لدى الأمم المتحدة، وأحد ألمع الدبلوماسيين العرب، والناشط في مجال حقوق الإنسان، وصاحب العلاقات المتينة مع عدد من رؤساء الدول ووزراء خارجياتها، يختفي من وسط أكبر عاصمة عربية، وهو يحضر مؤتمرا اهتمت أجهزة الإعلام بتغطيته، وتفاخرت السلطات المصرية بأنه يعقد على أراضيها، وهي نفس السلطات التي تتفاخر دائما بمهارة وسطوة أجهزتها الأمنية.

وليس من شك، فإن القدرات الأمنية الكبيرة للسلطات المصرية كانت كفيلة بكشف غموض هذه الجريمة، إن لم نقل إنه كان في إمكانها منع حدوث الجريمة من الأصل. كذلك فليس من شك في أن الصلات والصداقات التي عقدها كان من شأنها أن تدفع بأطرافها إلى المتابعة والاهتمام والاستفسار، بل وحتى إلى الضغط لأجل أن ينجلي الغموض الذي يحيط بمصير الأستاذ منصور، وهذا بالتأكيد ما فعله بعضهم، ولكن ليس كل الأصدقاء بالوفاء الذي نأمله ونتمناه، والوفاء الذي نعنيه هو للمبادئ والقيم قبل أن تكون للصداقة والزمالة، وربما لبقية باقية من معاني النخوة والشهامة، ولبقية باقية من احترام الإنسان: حقوقه وكرامته.

ولكن لنعد إلى أصل الأمر، فالأستاذ منصور الكيخيا قد اختفى من القاهرة، وهذا في حد ذاته يضع مسؤولية على السلطات المصرية، إن لم تكن من واقع المسؤولية تجاه الأستاذ منصور نفسه باعتباره ضيفا على مؤتمر لحقوق الإنسان عقد فوق الأراضي المصرية، فمن واقع مسؤولية السلطات المصرية تجاه أمن مصر ذاتها وأمن زوارها. لكن للأسف الشديد فقد مضت سنوات طويلة دون أن تفعل مصر شيئا بهذا الصدد، وانتهى الأمر بحفظ القضية. هذا في حد ذاته مدعاة للتساؤل لماذا تغيب المهنية الأمنية المصرية المشهورة عن قضية اختفاء الأستاذ منصور من فوق الأراضي المصرية؟ السؤال يكتسب مصداقية إذا ما عرفنا أن السلطات المصرية قد توافرت لديها خيوط كثيرة تقود إلى أجهزة القذافي. كما أن مصر تدرك أكثر من غيرها سوابق حكم القذافي تجاه معارضيه، وعدم تورعه في انتهاك سيادة الدول لارتكاب جرائمه فوق أراضيها. حدث ذلك فوق الأرض المصرية نفسها وفي أكثر من مناسبة.

وقد يكون من الظلم مطالبة السلطات المصرية باجتراح المعجزات، ولكنها في الواقع فإنها لم تفعل شيئا يرقى إلى مستوى ما عرف عن السلطات الأمنية المصرية، ولم تكشف حتى ما وصلت إليه من نتائج، واستمرت علاقاتها بحكم القذافي دون أن تتأثر، وقاومت بكل شراسة المطالبات المتكررة بالكشف عن مصير الأستاذ منصور الكيخيا. ربما تكون السلطات المصرية قد قامرت على عامل الوقت والنسيان. لكن هل تستر السلطات المصرية يقع في دائرة تورطها أو تورط بعض عناصرها؟ أو أنه يقع في إطار الاتفاق الضمني بين الأجهزة على إبقاء المعلومات في زوايا النسيان؟ أم أن اختفاء الأستاذ منصور كان مطلبا لعدد من الأطراف الدولية؟ ولماذا؟

إن مصر مسؤولة وبصورة مباشرة عن مصير الأستاذ منصور الكيخيا بنفس درجة مسؤوليتها عن مصير الأستاذ جاب الله مطر والأستاذ عزت المقريف. وإن "المنظمة العربية لحقوق الإنسان" قد فقدت مصداقيتها إلى الأبد، فهي الأخرى لم تفعل إلا أقل من القليل فيما يتعلق بقضية اختطاف الأستاذ منصور، وكان هم المنظمة تفادي إغضاب السلطات المصرية، فكيف يمكن للناشطين في حقوق الإنسان أن يحضروا –مطمئنين على سلامتهم- أي مؤتمرات أو نشاطات تعقدها المنظمة في مقرها بالقاهرة.

إن ذكرى اختطاف الأستاذ منصور الكيخيا ينبغي أن يذكر الرأي العام العالمي بمقدار الوحشية التي يتعامل بها حكم القذافي مع معارضيه، وبمقدار النفاق الذي بلغ حد التواطؤ الذي تعاملت وتتعامل به أطراف إقليمية ودولية مع جرائم القذافي. لقد أضحت قضية حقوق الإنسان الليبي قضية مهدرة ومنسية أمام بريق أموال النفط الليبي، ولم يعد التواطؤ قاصرا على الصمت وغض النظر، بل تعداه ليشمل المشاركة الفعلية في جرائم القذافي ضد الشعب الليبي. وللأسف تبرز أنظمة عربية في مقدمة المتواطئين، سمحت للقذافي باستباحة أراضيها، وتنكرت لأبسط قيم النخوة "العربية"، بل تهاونت في سيادتها وأمن ضيوفها، وتقاصرت همتها ونخوتها أن تقترب حتى من همة ونخوة عرب الجاهلية في إغاثة الملهوف ونصرة المظلوم والدفاع عن الضيف.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home