Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ibrahim Abdelaziz Sahad
الكاتب الليبي ابراهيم عبدالعزيز صهد


ابراهيم صهد

الإثنين 14 يونيو 2010

المعادلة القذرة في مسلسل التعويضات

ابراهيم عـبدالعـزيز صهّد

مرة أخرى يتكرر تنفيذ المعادلة القذرة: القذافي المتورط في شتى أنواع الجرائم الدولية يعفى هو ونظامه العفن من الإدانة والمسؤولية والعقاب لقاء أن تدفع الخزانة الليبية مليارات من أموال الشعب الليبي تعويضات عن هذه الجرائم، ولقاء أن تظل التهمة عالقة وقائمة موجهة ضد كيان ليبيا تستخدمها الأطراف المعنية وتكرر استخدامها متى ما شاءت.

ومرة تلو الأخرى أصبح تنفيذ هذه المعادلة وتطبيقها على مختلف الجرائم التي ارتكبها نظام القذافي يقابل على أنه أمر طبيعي لم يعد يثير التعجب، بل باتت بعض الأطراف -التي تدور في فلك القذافي- تروج للقول بأن إهدار هذه المليارات من أموال الشعب الليبي يمثل "عقلانية سياسية" مكنت القذافي ليس فقط من أن ينجو من المساءلة والعقاب بل إلى قيام القذافي باستخدام هذه المعادلة لجعل الدول الغربية تغض الطرف عن مختلف ممارساته الشاذة في الإطار الدولي. بل نجد أن بعض الدول الغربية تساعد على استمرار القذافي في الحكم حتى يقوم بتسوية المسائل العالقة من ممارسات النظام الإرهابية بطريقة تتناسب مع مصالح هذه الدول، كما أنها تحرص على الحفاظ على هذه الحالة الابتزازية الشاذة.

يقع في نفس الإطار ما أعلنت عنه بعض وسائل الإعلام الغربية أن نظام القذافي سوف يقوم بدفع أكثر من ملياري جنيه استرليني تعويضات مباشرة عن إمداده للجيش الجمهوري الإيرلندي بالسلاح والمتفجرات التي استخدمها في عملياته الإرهابية، وبالإضافة إلى هذا المبلغ فإن الخزانة الليبية ستخصص مليار جنيه استرليني آخر لمشاريع تنموية في إيرلندا الشمالية، علاوة على 200 مليون جنيه استرليني لمشاريع لفائدة ضحايا عمليات الجيش الجمهوري الإيرلندي. كذلك تطمع السلطات البريطانية في استيعاب ما تبقى من مبلغ بليون ونصف بليون دولار التي كان نظام القذافي قد أودعها في صندوق للتعويض عن الضحايا الأمريكان المتضررين من عمليات إرهابية أخرى تورط فيها نظام القذافي. ومع هذه المبالغ الضخمة التي سيدفعها نظام القذافي من أموال الليبيين تضاف عبارة سمجة تقول "بأن ليبيا تقوم بدفع هذه التعويضات كبادرة عن حسن النوايا ولكنها لا تتحمل أية مسؤولية قانونية". لقد سبق أن تكرر إيراد هذه العبارة قي تعويضات سابقة، ولكنها في الواقع لا تمنع الأطراف المعنية من اتخاذ إجراءات مستقبلية ضد ليبيا حتى بعد انتهاء حكم القذافي؛ فعندما يقر نظام القذافي ويسلم بدفع تعويضات إلى ضحايا جرائم إرهابية ارتكبتها أجهزة نظامه، فإنه في الواقع يقر بمسؤولية الدولة الليبية عن هذه الجرائم ونتائجها. كذلك نجد أن الدول الغربية لم تكتف بإجبار القذافي على تقديم كل ما لديه من ملفات ومعلومات، ولكنها حرصت على إبقاء الباب مفتوحا على مصراعيه وضمّنت اتفاقاتها مع نظام القذافي نصوصا تؤكد أحقية هذه الدول بالعودة إلى هذه القضايا وفتحها مجددا والتزام ليبيا بالتعاون الكامل.

دأب القذافي –منذ قضية لوكربي- على التعامل مع استحقاقات تورطه في جرائم الإرهاب الدولي من منطلق إيجاد السبل والوسائل التي تنأى به شخصيا عن مواجهة أية مسؤولية أو مساءلة، وتنأى بحكمه أن يتأثر بمجريات القضايا المختلفة وتداعياتها، ولهذا كانت تضحياته بالمتهمين في قضية لوكربي وتسليمهما لقاء عدم مساءلته شخصيا، وضحى بالمال العام، وبكل شيء بما في ذلك المصلحة الوطنية العليا التي لم يكن لها أدنى اعتبار لدى القذافي ومن يدور في محيطه كي يضمن بقاءه في السلطة. وقد يتراءى للقذافي أنه قد نجح في تحقيق هذا الهدف، إلا أن الأيام كفيلة بأن تثبت له أنه ربما يكون قد أرجأ ذلك إلى حين فقط، ففي ملفات الدول قضايا إرهابية أخرى متورط فيها نظام القذافي، وهي الأخرى ستجد لها مكانا في المطالبة بأموال ليبيا. لقد انقلبت العملية إلى مطاردة يهرب فيها القذافي من مأزق إلى مأزق آخر أشد وعورة وإذلالا، ويقدم في كل مرحلة تنازلا تلو الآخر في محاولة للنجاة من مطارديه الذين باتت عملية الإذلال تستهويهم وتحقق لهم مكاسب لم تعد تنحصر في حدود ليبيا فقط، وإنما أصبحت تتسع رقعتها لتشمل مساحات إقليمية أكبر. المأساة في أن هذه التنازلات لا يقدمها القذافي مما يحق له أن يتنازل عنه، والمأساة أيضا أن هذه التنازلات قد رهنت مستقبل ليبيا وقدراتها لأجيال لا يعلمها إلا الله، والكارثة هي أن ليبيا كلها تنجر بفعل القذافي من كارثة إلى كارثة أكبر من سابقتها.

ولا يتوقف الأمر عند حد ملايين ستدفع، ولا عند حد مزيد من الفقر يحل بالشعب الليبي، لكن هذه التنازلات أصبحت بمثابة استحقاقات وأبواب للشر التي فتحها القذافي على ليبيا، والتي لن يكون من السهل قفلها، لكنها ستظل مفتوحة على مصارعها تطارد سمعة ليبيا ومكانتها الدولية وإمكاناتها واستقلالها ووحدة أراضيها لأجيال قادمة؛ فهناك جهات عديدة تحضر لرفع قضايا تعويض ضد ليبيا، سواء وُجد ما يسند هذه القضايا من حيثيات، أو كانت قضايا تُفبرك وتصل إلى درجة ابتزاز مفضوح أمره ومضمون نتيجته في أن القذافي سيرضخ طالما أن همه الوحيد هو البقاء في السلطة.

قد يكون ضروريا التساؤل كيف تتخذ مثل هذه القرارات التي لا تشمل فقط إهدار مليارات الدولارات من أموال الشعب الليبي، ولكنها تشمل إجراءات وتدابير وترتيبات تضع ليبيا تحت مقصلة المساءلة القانونية بصورة مفتوحة ودائمة؟ .. ما هي الجهات التي تتخذ مثل هذه القرارات؟ .. وماهي أساليب وآليات تنفيذها؟ وأين الهياكل "الكرتونية" التي أقامها القذافي ويستعملها بمثابة مناديل ورقية يمسح فيها كل جرائمه وممارساته؟

وقد يكون مناسبا التساؤل عن الفواتير الإجمالية التي دفعتها الخزانة الليبية؟ ذلك لأن إجمالي التعويضات، بالرغم من ضخامتها وبأنها غير مسبوقة، ليست كل ما دفع من أموال؛ فهناك فواتير الأموال التي خصصت لتنفيذ هذه العمليات ابتداء، وهناك فواتير متعددة تشمل "أتعابا ورشاوى وما يتبعها من سرقات" تم دفعها للوسطاء الذين صوروا لنظام القذافي أن في إمكانهم تجنيبه استحقاقات هذه الجرائم، وهؤلاء الوسطاء يتنوعون من مجرد سماسرة ونصابين إلى شخصيات معروفة على المستوى الدولي. وهناك الأموال التي دفعها القذافي استرضاء لدول وعدت بالوساطة، أو تظاهرت بأنها قد خرقت الحصار، والتي بلغت حسب بعض التقديرات أكثر من ستة مليارات دولار، بما فيها أكثر من مليارين ذهبت إلى دول إفريقية، وأربعة مليارات إلى دول عربية. وهناك الفاتورة القانونية التي بلغت هي الأخرى أرقاما قياسية ذهب معظمها إلى محامين أجانب، والتي كان مردودها صفرا بشهادة أعضاء النظام أنفسهم، بل إن آراء هؤلاء المحامين -الجهابذة- قد أدت إلى تفويت مداخل قانونية كان يمكن استخدامها لمنع الإدانة سواء في قضية لوكربي أو في غيرها من القضايا.

وقد يقتضي الحال التساؤل .. ترى ماذا كان في الإمكان تحقيقه من عائدات على ليبيا إذا ما استثمرت هذه الأموال لصالح الشعب الليبي، بدلا من إهدارها على الشر؟ .. كم مدرسة لائقة كانت ستبني؟ .. وكم مستشفى كان سيجهز؟ .. وكم مسكنا كان سيبنى؟ ..كم من مشاريع البنى التحتية .. وكم من مشاريع التنمية في كل المجالات التي كان يمكن إطلاقها والتي يمكنها استيعاب شبابنا الذين يعانون من البطالة؟

لكن الإجابة التي تعترض هذه الأسئلة أن القذافي لا يعنيه ازدهار ليبيا وسعادة شعبها؛ بل على العكس فهو خلال حكمه كله عمل على إرهاق الشعب الليبي وتكبيله، وعلى إهدار أموال ليبيا من خلال جريه المحموم وراء زعامة يتوهمها لشخصه ويحسب أن المال إذا اقترن بالشر يبني له زعامة ويحقق مجدا.

ما لحق بليبيا من كوارث جراء جرائم القذافي وسياساته الرعناء العابثة لا ينحصر فقط في مصيبة التعويضات التي أصبحت تمتص مليارات من رزق الشعب الليبي وقوت عياله ومستقبل أجياله بكل ما تعنيه الكلمات، لكن القذافي ارتكب جرائم لا حصر لها ولا عد، ارتكبها باسم الليبيين ونفذها بإمكانياتهم وقدراتهم، واستخدم عديدا من الليبيين ومن غيرهم لتنفيذ هذه الجرائم، هذه الجرائم نفذها القذافي فوق الأرض وفوق أراضي غيرهم، وضدهم الليبيين وضد شعوب أخرى. اليوم نجد أن الدول الغربية تقرر الطريقة التي تنتزع بها حقوقها سواء كانت مستحقة أو غير مستحقة، وفي نفس الوقت لا ترى للشعب الليبي حقا في المطالبة بالاستحقاقات السياسية والإنسانية والاجتماعية والاقتصادية المترتبة عن الجرائم التي ارتكبها القذافي ضد الليبيين، بل ونرى دولا ومؤسسات إعلامية تغرق في الترويج لأكذوبة أن القذافي ونظامه قد تغير. المصيبة أن الداء امتد إلى داخلنا؛ فنجد نفرا من الليبيين يقودون منذ عدة سنوات حملات لخداع إخوانهم والترويج لأصلاح مزعوم وهمي، وهؤلاء لم يستطيعوا رؤية المخطط المخادع الذين يدورون في فلكه ولم يستطيعوا أن يدركوا أنهم هم أول ضحاياه. نفر آخر يريد أن يقرر لليبيين أسقفا متدنية لمواجهة ظلم القذافي والعمل على استعادة حقوقهم، وهم يعرفون أن أعلى هذه الأسقف التي يقفون عندها لا تعيد حقا ولا تدفع ظلما، ناهيك أن نظام القذافي لا يقبل أي سقف لمواجهته مهما تدنى وانخفض.

المعادلة الصحيحة التي ينبغي علينا فرضها تستمد مشروعيتها من المآسي والكوارث والعذابات والآلام التي عايشها الشعب الليبي طوال أربعين عاما بسبب ممارسات ومخططات القذافي .. من الأرواح التي أزهقت، ومن الدماء التي سالت، ومن الآمال التي وئدت، ومن الإمكانات والفرص التي بددت، من سنوات ضاعت هدرا. هي معادلة تستمد قوتها من غياب المشروعية الدستورية والشعبية عن حكم القذافي. هذه المعادلة تستند على حقيقة خبرها الشعب الليبي ولا جدال حولها: أن لا خير يرتجى من القذافي ولا من أي من أبنائه ولا من أولئك الذين شاركوه في جرائمه ضد الشعب الليبي، وأن بقاء نظام القذافي في السلطة مجلبة لكوارث ومصائب أخرى، وهذه الحقيقة تقود إلى خيار مقدس لا مندوحة عنه: أن يترك للشعب الليبي الحق الكامل في مواجهة هذا النظام بكل الوسائل الممكنة والمشروعة. هذه هي المعادلة؛ معادلة استعادة بلادنا وإنقاذها. ليس من سبيل غيرها .. من لا يستطيعها –لأي سبب من الأسباب- فأقل ما يمكن فعله ألا يكبل الشعب الليبي وأن يتوقف عن نزع إرادة المغالبة الموجودة فعلا والتي قد تتبلور في جهد يحقق التغيير المنشود. ينبغي أن تتوقف النغمة النشاز التي يرددها البعض والتي تحاول أن توهم الناس بأن مغالبة هذا النظام ينبغي أن ينحصر في "عمل سلمي وحراك سياسي" محكوم عليهما سلفا بعدم التكافؤ مع شراسة نظام لم يعترف يوما بسقف في قهره للشعب الليبي، ولم يقبل أي تنازل تجاه الليبيين، ولم يتراجع يوما عن المصائب والكوارث التي ألحقها ببلادنا.

إبراهيم عبد العزيز صهد
ibrahimsahad@hotmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home