Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ibrahim Abdelaziz Sahad
الكاتب الليبي ابراهيم عبدالعزيز صهد


ابراهيم صهد

السبت 9 أغسطس 2008

من الذاكرة

اللواء السنوسي شمس الدين

ابراهيم عـبدالعـزيز صهّد

إلى من ذكرني بحق "اللواء السنوسي شمس الدين(*) " علينا نحن أبناؤه خريجي "الكلية العسكرية الملكية"، أتوجه بالشكر والعرفان لتذكيري بواجب لم أقم به لا غفلة ولكن لترددي خوفا من عدم قدرتي على الوفاء به كما يجب. لكن في التذكير كان التشجيع ولهذا يكون امتناني.

* * *

كتبت مقالا تحت عنوان: "الجيش السنوسي ، في ذكرى تأسيسه .....دعوة للتذكر والتأريخ والإنصاف"
نشر في عدد من المواقع الليبية، وقد أوردت في هذا المقال العبارة التالية:
"وبانتهاء الحرب العالمية الثانية طويت صفحة الجيش السنوسي، وأصبحت بطولات رجاله في ذمة النسيان، ولم يعد يربط ليبيا بذلك اليوم سوى احتفال هزيل كان يجري إبان العهد الملكي في يوم التاسع من أغسطس، وتوقف التأريخ والتكريم عند حد إقامة نصب تذكاري في "أبي رواش" في الموقع الذي تأسس فيه الجيش، وعند حد منح منتسبي الجيش وسام التحرير الذي لم يكن له أية قيمة معنوية أو مادية، فنشأت أجيال تجهل كل شيء عن الجيش السنوسي."

كنت أعني بهذه العبارة كل أو جل رجال الجيش السنوسي الأبطال الذين لم نعطهم ما يستحقون من تقدير حتى وقت العهد الملكي، حين كان من بقي من رجال الجيش السنوسي بالقوات المسلحة أو بقوات الشرطة يستعرضون في المناسبات المختلفة ويؤدون التحية لمنصات غصت بمن كان في يوم من الأيام يتعاون مع العدو الإيطالي، هذه العبارة عنيت بها رجال الجيش السنوسي، كلهم أو جلهم، ممن لم تحفل بهم وببطولاتهم حكومات العهد الملكي المتعاقبة.

وقد أردفت هذه العبارة بعبارة أخرى تقول:
"أما في عهد القذافي فقد قضى عدد غير قليل من رجال الجيش السنوسي جزءاً من شيخوختهم في سجون القذافي، وتعرض عدد من رموز الجيش السنوسي للتعذيب على أيدي صبية سفهاء، ووقف بعض الرجال وراء قفص الاتهام يحاكمهم غلام غر أحمق ويترافع ضدهم غلام غر بذيء اللسان. أما يوم التاسع من أغسطس فقد ألغاه القذافي من التاريخ, وأصبح عند القذافي كغيره من أيامنا الوطنية مناسبة مزيفة!!! "
هذه العبارة الأخيرة كتبتها فيما كان يمثل أمامي وفي ذهني رجلان من رجال الجيش السنوسي:
أولهما هو السيد أبو القاسم السنوسي، ، نجل المجاهد الكبير السيد أحمد الشريف، ومن أوائل المتطوعين في الجيش السنوسي، والذي تم سجنه في عهد القذافي وأخضع لأنواع من المهانة والتعذيب النفسي والجسدي على مرأى ومسمع رفاقه السجناء. وقد يأتي يوم إن شاء الله أكتب فيه عن هذا الرجل الذي كان له دور ليس فقط في معارك التحرير ولكن أيضا في المعركة السياسية لاستقلال ليبيا، ثم دوره الرائد في مجال العمل الحر وفي المجالات الإنسانية والخيرية.

أما ثاني الرجلين فهو اللواء السنوسي شمس الدين، الذي أفنى عمره في خدمة ليبيا من أشرف المواقع وأخطرها، جنديا من جنود الوطن، لبى نداء تحرير الوطن والتحق بالجيش السنوسي، واستمر يعمل في السلك العسكري بعد التحرير، ضابطا في "قوة دفاع برقة" إلى عام 1954، ثم في الجيش الليبي، وتولى عددا من المناصب القيادية في كتيبة عمر المختار، وأساس التدريب، وكتيبة المشاة الثالثة، كما تولى منصب "آمر الكلية العسكرية الملكية" (1958-1964)، ثم نائبا لرئيس أركان الجيش، ثم تولى منصب رئيس الأركان العامة للجيش الليبي، وكان آخر من تولى هذا المنصب في العهد الملكي.

بعد الانقلاب مباشرة تم اعتقاله ضمن الاعتقالات التي طالت غالبية ضباط الجيش، وقدم للمحاكمة التي استمرت جلساتها بصورة متقطعة وبتأجيلات متتالية لجلساتها، ثم أطلق سراحه رهن المحاكمة، الأمر الذي كان يتطلب منه السفر المتكرر من بنغازي إلى طرابلس لحضور جلسات المحاكمة ما زاد من إرهاقه البدني والنفسي والمالي، إذ كان عليه السفر وهو الذي كان وقتها يواجه مشاكل صحية متفاقمة، وإمعانا في إرهاقه كان عليه دفع ثمن تذاكر السفر والإقامة في الفندق في الوقت الذي كان مرتبه موقوفا، فكان عبئ هذه المصاريف – كما قال هو في المحكمة- يتحملها المرتب الزهيد الذي تتقاضاه ابنته من عملها، وهو المرتب الذي كان يتحمل أيضا كافة مصاريف الأسرة ونفقاتها، فلم يكن وقتها يتقاضى شيئا.

لن أستطيع أن أفي اللواء السنوسي شمس الدين حقه، ولا يمكنني أن ألم –في هذه العجالة- بحياته وبما قدمه للوطن، ولكنني سوف أشير إلى عدد من المواقف التي شهدتها وحضرتها والتي قد تكشف جوانب من شخصيته.

كان أول لقاء لي باللواء السنوسي شمس الدين، يوم إجراء مقابلة القبول للكلية العسكرية الملكية. كنت قد قدمت أوراقي إلى "مديرية الإدارة" برئاسة الأركان، وتم إعلامي بموعد للحضور إلى مبنى رئاسة الأركان لإجراء المقابلة. في اليوم المحدد كان عدد كبير من طالبي الالتحاق بالكلية العسكرية وبكليات الطيران والبحرية قد تجمعوا في صالة كبيرة من مبنى رئاسة الأركان في بنغازي في انتظار المثول أمام لجنة القبول. كنا نسائل بعضنا البعض عما سيجري في هذه المقابلة، ولم يكن بالطبع لدى أي منا أية فكرة سوى أن هذه المقابلة سوف تقرر ما إذا كان طالب الالتحاق سيقبل بشرط اجتياز الكشف الطبي، أو أنه سيرفض.

عندما جاء دوري دخلت إلى الغرفة التي تجرى فيها المقابلة، كانت اللجنة برئاسة العقيد (آنذاك) السنوسي شمس الدين (آمر الكلية العسكرية) وعضوية الرائد فرحات العماري (مدير الإدارة) وضابط آخر لم أعرفه حينها ولا أتذكره الآن، وكنت قد تعرفت على الرائد العماري عندما سلمته أوراق التحاقي منذ عدة أسابيع، ولا زلت أذكر دقته في فحص الأوراق واستفساراته عن الأوراق المقدمة وعن بعض ما جاء فيها.

وقفت أمام اللجنة مرتبكا ينتابني التوجس فبادرني العقيد السنوسي شمس الدين بأسئلة متتالية لم يكن في إمكاني توقعها. لم يكن في إمكاني أن أتوقع أن يكون السؤال الأول حول الزعبم الكونغولي "باتريس لومومبا": هل تعرف من هو لومومبا؟ .... في ذلك الوقت كان اسم لومومبا قد تكرر كثيرا في نشرات الأخبار، وبالتالي فإن أي متابع للأخبار لابد أن يعرف شيئا عنه، كانت كل إجابة مني تثير سؤالا فوريا للمتابعة من العقيد السنوسي شمس الدين... هل لا يزال رئيسا لوزراء الكونغو؟ .. من قتله؟ ... كيف تجزم بأن بلجيكا هي التي قتلته؟ ... عندما قلت من أخبار الإذاعات ... ابتسم ابتسامة خفيفة وقال أنت تتابع نشرات الأخبار، فأي المحطات تسمع .. (الليبية، والقاهرة، ولندن، وصوت العرب) كانت إجابتي... ثم سؤال آخر هل تحب القراءة؟ .. وماذا تقرأ؟ .. روايات السباعي ونجيب محفوظ ومحمد عبد الحليم عبد الله ... وبعض الروايات المترجمة ... من تحب أكثر .. وما هي أفضل رواية فرأتها؟ .. قلت له البؤساء وقصة مدينتين .. ثم نقلني إلى مجال أخر حين سألني .. سم لنا المدن الواقعة بين مساعد وزوارة ... وأذكر أنني لم أترك لا مدينة ولا قرية مرورا على الطريق الساحلي إلا سميتها خوفا من أن لا أسمي قرية هي في عداد المدن.... لكنني لم أذكر " الخمس والزاوية" .. فذكرها لي وقال هل سبق أن زرت طرابلس وعندما أجبت بالنفي .. استدار إلى الرائد العماري الذي كان جاهزا لطرح جملة من الأسئلة .. لماذا تريد الالتحاق بالكلية؟ .. سؤال بسيط لكنه كان صعبا مع العماري الذي لم يرد أن يكتفي باقتباسي جملة واردة في الإعلان المنشور في الجرائد: "من أجل خدمة الوطن والدفاع عنه" ... ثم ماذا؟ .. أشاهد أفلاما عن الحرب العالمية وأحببت أن أكون عسكريا .. ثم ماذا؟ توقفت .. فقال العماري ألم تتمنى أن ترتدي الملابس العسكرية مثلا .. ألم تشاهد بعض معارفك من العسكريين وأحببت أن تكون مثلهم؟ .. لم يتركني لأجيب .. وقال مبتسما "هذا سبب آخر وجيه" .. وتركني للضابط الثالث الذي قال إذا لم تلتحق بالكلية العسكرية، فأي كلية مدنية كنت تفضل .. قلت له كنت أتمنى كلية الطب لكن مجموعي لم يكن يسمح بأن أحصل على بعثة ولهذا فأي كلية في الجامعة الليبية.

كان العرق يتصبب مني حين ساد صمت فيما كان الضباط الثلاثة منشغلين عني بالكتابة في أوراق أمامهم، ثم قام كل من العماري والضابط الآخر بتسليم ورقة إلى العقيد السنوسي شمس الدين الذي نظر في الأوراق، وقال لي لقد اجتزت الخطوة الأولى.

بعد التحاقنا بالكلية بحوالي أسبوعين أو ثلاثة فوجئنا بالعقيد السنوسي شمس الدين يدخل علينا قاعة الدرس. كان مدرس الحصة النقيب (آنذاك) أحمد فوزي هلال، وكان برفقة العقيد السنوسي شمس الدين كل من الرائد عبد السلام الشكشوكي (كبير المعلمين/ المعاون) والرائد المبروك بن طاهر المساعد. بدأ حديثه بالترحيب بنا في الكلية وتمنى أن نكون قد بدأنا في التعود على حياتنا الجديدة. كان يتحدث بهدوء وبعبارات بسيطة ولكنك تلمس الجزم في حديثه، ولا أنسى العبارات التي أوردها في معرض حديثه عن مهمة الكلية في إعداد ضباط المستقبل، وفي المهام الملقاة على ضباط الكلية، وفي وصف العلاقة بين الطلاب وأمرائهم. وقال بأن هذه العلاقة قد يصفها البعض بالجفاف أو حتى بالقسوة، ولكنها في الحقيقة ضرورية لإعدادكم للمهام الخطيرة التي ستواجهونها.. وتحدث عن مهمة الدفاع عن الوطن على أنها من أشرف المهام وأصعبها.. وهي تتم في ظروف بالغة الصعوبة والخطورة.. تتطلب التعود على الفورية في مواجهة المتغبرات .. ثم أشار إلى أن ضباط المستقبل يتم إعدادهم لقيادة جنودهم حال السلم والحرب.. ولهذا تتدربون على مواجهة أقسى الظروف، وبدون ذلك لا يمكنكم خوض معركة الدفاع عن الوطن.. وقال عليكم أن تتذكروا ما أقوله لكم إن أصعب مهمة في الحياة أن تقودوا رجالا أمثالكم وتجعلونهم يطيعونكم وينفذوا أوامركم .. تذكروا أن القوانين العسكرية وحدها لا تكفي ولكن عليكم أن تضربوا القدوة لجنودكم .. تحرصوا عليهم .. ولا تكلفونهم إلا بما يطيقون.. وتذكروا دائما المثل القائل إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع... وقال هذه هي الواجبات التي نعمل على إعدادكم للقيام بها .. وهذا يتطلب منا الحزم .. ويتطلب منكم كثير من الصبر والتعود .. ثم قال بأن الشيء الوحيد الذي يرغب في تأكيده وجعله واضحا هو أن الحزم والشدة لا تعني الظلم.. أي واحد منكم يشعر بأنه ظلم فله أن يتظلم ويقدم شكوى بالتسلسل القيادي الذي تحدده لوائح الكلية. ثم اختتم وجوده بيننا بأن طلب من كل طالب أن يقف ويذكر اسمه ووجه أسئلة إلى بعض الطلاب، ثم غادر القاعة.

كان مما لا يفوت المرء ملاحظته عدد من المزايا تميزت بها قيادة العقيد السنوسي شمس الدين للكلية العسكرية الملكية: أولها تواضعه الجم، وثانيها: حرصه على عدم التدخل في التفاصيل التي هي من شأن الضباط الذين هم تحت إمرته. وطيلة السنوات التي قضيناها بالكلية، كنا نلاحظ أثناء الجمع الصباحي وصول آمر الكلية في سيارة لاندروفر، ينزل منها ويقف أمام المقر يتابع الجمع الصباحي. كان قليل الاحتكاك بالطلاب، ولم يكن يتداخل معنا قي أثناء التدريب، وإنما كان من حين لآخر يقف على جانب الساحة ويتابع التدريبات التي نقوم بها.

أثناء المدة التي قضيتها بالكلية، تغير طاقم الكلية الذي كان بعمل تحت إمرة العقيد السنوسي شمس الدين بصورة تكاد تكون شاملة لأنها شملت المراكز الرئيسة قي الكلية، هذه التغييرات تمت بعد تخرج الدفعة الثالثة، في أوائل عام 1962، هذه التغييرات شملت مناصب كبير المعلمين والمساعد وآمر سرية الطلاب:
جاء الرائد ركن رمضان صلاح محل الرائد عبد السلام الشكشوكي، في مهمة كبير المعلمين.
وجاء الرائد ركن حسن السنوسي عبد السيد محل الرائد المبروك بن طاهر، في مهمة المساعد.
وجاء النقيب جلال الدغيلي محل النقيب صالح العزابي، في مهمة آمر سرية الطلبة.
وجاء الملازم أول المكي أبو زيد الشطيطي محل الملازم أول موسى أحمد في مهمة آمر القصيل المستجد.
الملازم محمد عاشور الكوافي حل محل الملازم عبد السلام عز الدين في مهمة ضابط التربية البدنية.
واستتبع ذلك بعض التغييرات في المهام داخل الكلية، كما لاحظنا تغييرات في النمط السائد في الكلية، خاصة ما أحدثه رمضان صلاح بشدته وحزمه، وتأثيرات جلال الدغيلي بشخصيته المتميزة وتغلغله مع الطلاب وبينهم، كذلك فقد كان آمر فصيلنا الجديد المكي بوزيد يتميز بالحرص والحزم والكفاءة، وكان تكليف آمر فصيلنا السابق موسى أحمد بمهمة إمرة "فصيل المظاهرات" بسرية المراتب (الجنود) موفقا في إعداد ذلك الفصيل للمشاركة معنا في التدريبات العملية.
مع هذه التغييرات استمر العقيد السنوسي شمس الدين في منهجه في عدم التدخل في تفاصيل مهام الضباط تحت إمرته، وكان احتكاكه بالطلاب فقط عندما يتطلب منه الأمر ذلك. خلال شهر رمضان كانت الكلية تحرص على أن يشاركنا الضباط بعض الأمسيات بالإفطار معنا وقضاء بعض الوقت بعد الإفطار، ولا أذكر أن العقيد السنوسي شمس الدين تخلف عن أي من هذه الأمسيات الجماعية.

موقف آخر شهدته عن قرب زاد من إكباري واحترامي لآمر الكلية. فقد أثبت من هذا الموقف أنه عند كلمته ووعده بعدم قبوله للظلم، كما جسد من خلال هذا الموقف توازنا دقيقا بين مفاهيم وأسس الانضباط العسكري واحترام الأعلى رتبة، وبين ضرورة ألا يتجاوز الأعلى رتبة صلاحياته وحدوده.

كان فصيلنا (الفصيل المتقدم) متجمعا بالساحة بعد حصة تربية بدنية مرهقة، وكان آمر الفصيل يمر بين صفوف الفصيل لسبب لم أعد أذكره (ربما للتفتيش قبل أن ننصرف لتبديل ملابسنا)، وقد لاحظنا في ذلك اليوم أن آمر فصيلنا متوتر يطريقة ملحوظة. يبدو أنه أثناء مروره بين الصفوف قد احتك بأحد الطلبة، ومعروف عندنا أن هذا الطالب يتميز بالشجاعة والعناد والعصبية. تولد عن هذا الاحتكاك أن فقد آمر الفصيل والطالب في آن واحد السيطرة على أعصابهما مما أفرز وضعا نادر الحدوث في الكلية العسكرية، قام آمر الفسيل بشد فانلة الطالب مما أدى إلى حدوث تمزق فيها، ورد الطالب –بصورة عفوية- بدفع يد الضابط فسقطت عصاه التي كان يحملها. ارتفع صوت الضابط وصوت الطالب في آن واحد.

كنت رئيس عرفاء الطلبة، وكان من بين مهامي استلام قائمة الطلاب المقدمين لمحاكمات موجزة (ما يسمى عرفا مكتب)، وكان من بين مهامي أيضا إحضار هؤلاء المقدمين لمحاكمات موجزة مع عريف الخفر إلى المقر، ثم مباشرة إدخال كل منهم على الضابط الذي يجري المحاكمة الموجزة.
في اليوم التالي للحادثة الذكورة أعلمت باستدعاء الطالب لمحاكمة موجزة وكان ذلك متوقعا، لكن المفاجأة كانت عندما أعلمني آمر السرية أن آمر الكلية سيجري المحاكمة الموجزة. كانت المرة الأولى والأخيرة –خلال وجودنا بالكلية- التي يقوم آمر الكلية بنفسه بإجراء محاكمة لأحد الطلاب. كان هذا يعني أن الاحتمالات خطيرة وأن العقوبة المحتملة ستكون كبيرة وقد تصل إما إلى طرد الطالب أو إلى عقد مجلس تحقيق قد ينتهي بإحالته إلى المحكمة العسكرية. تبادلت مع الطالب ومع عريف الخفر النظر في فهم واضح منا لخطورة الموقف. بعد قليل أمرني المساعد بإدخال الطالب على آمر الكلية. أمام آمر الكلية وقف الطالب وعلى يساره عريف الخفر، وقدمت التمام إلى آمر الكلية. قرأ آمر الكلية التهمة "اعتداء غلى آمر الفصيل"، وقال له إن التهمة خطيرة ولذلك فهي معروضة أمامي، وأنا لن أسمح بمثل هذا الخلل في الكلية ولكنني في نفس الوقت سأعطيك فرصة كاملة للدفاع عن نفسك، أريدك أن تشعر بالاطمئنان ولك أن تستعين بالشهود الذيم تريدهم. كنت أعرف أن هذا الطالب بالرغم من شجاعته إلا أنه في هذا الموقف لن يستطيع أن يقول جملة مفيدة بسبب الارتباك والوجل. المفاجأة أن الطالب قال بأنه لا يستطيع أن يتحدث في حضرة الآمر ويطلب أن يسمح له بتقديم كلامه بصورة مكتوبة. فرد آمر الكلية بالموافقة على منحه الفرصة لتقديم ورقة، ثم نظر إلي وأمرني أن أحضره مرة ثانية في موعد حدده بعد أيام. عندما عدنا مرة أخرى إلى مكتب الآمر، كان الطالب قد أعد ورقة فيها وصف كامل لما حدث، فيها اعتذار عن أنه فقد أعصابه، وفيها أيضا تأكيد على أنه لم يقصد أي شيء مما هو متهم به، ولكنه استثير بسبب الاستفزاز حين قام آمر الفصيل بشد فانلته حتى تمزقت، وأخرج الفانلة وقدمها لآمر الكلية كدليل على ما يقول. قرأ آمر الكلية الورقة بتمعن وبتأثر واضح، وتفحص الفانلة. ثم أمرني بإخراج الطالب وعريف الخفر وطلب مني أن أعود إليه بعد ذلك. عندما عدت سألني أريد شهادتك، قل لي ما حدث، وعندما أخبرته، طلب مني أن أعيد الطالب وحده بدون اتخاذ الإجراءات التي تتخذ عادة عند المحاكمة الموجزة ( يخلع المقدم للمحاكمة طاقيته ونطاقه ويكون تحت حراسة عريف الخفر). عندما عدنا، (أنا والطالب) تحدث آمر الكلية إلى الطالب وقال له لو لم يتم استفزازك بهذه الطريقة لكنت عاقبتك بأقصى ما لدي من صلاحيات، فمهما بلغ الأمر فلا يجوز رفع صوتك ثم يدك في مواجهة آمر الفصيل، وكرر كلمة مهما بلغ الأمر، ولكنني أخذت في الاعتبار أن آمر الفصيل قد قام بتصرف غير مقبول، حين مد يده، صحيح أنني لا أعتقد أنه كان يريد الاعتداء عليك، ولكن مهما كان الأمر فمن غير المقبول منه هذا التصرف، ولهذا فإنني لن أعاقبك وأحذرتك من أن تفقد أعصابك مرة أخرى، وتذكر دائما أن الضابط الناجح هو الذي لا يفقد السيطرة على أعصابه مهما واجه.

بعد تخرجنا من الكلية كانت لقاءاتي باللواء السنوسي شمس الدين محدودة، التقيت به في عدة مناسبات، خاصة خلال زياراته لمدرسة المخابرة في معسكر المرج. وكان دائما متواضعا ويحث على بذل الجهود للتميز.

آخر مرة قابلته فيها -أثناء عملنا في الجيش- كانت أثناء زيارتي لرئاسة الأركان بالبيضاء لمتابعة سير العمل بمحطة البيضاء اللاسلكية التي كنا نركبها في إطار منظومة مخابرة الجيش. كانت هذه المنظومة في طور الإنشاء والتكوين سواء في مجال التجنيد أو في مجال المعدات الجديدة التي كانت تصل تباعا. التقيت به في إحدى الردهات فطلب مني أن أمر على مكتبه، وأثار جملة من التساؤلات عن سير العمل في المنظومة، وأكد اهتمامه بهذا المشروع وضرورة إنجازه في وقته، ووجدته متابعا لبعض المشاكل التي تعترضنا في المنظومة الجديدة.

التقيت به بعد الانقلاب مرة واحدة .. كان كعادته متواضعا ومبتسما .. لكنك لا تستطيع أن تخطيء مسحة الحزن التي كانت تعلو وجهه. لم نتحدث طويلا، فقد جاء من اقتحم علينا حديثنا .. لكنني لا أنسى ما قاله لي بأن الأيام ستبين أن أطرافا دولية متعددة كانت تقف خلف الانقلاب.

استمرت محاكمة اللواء السنوسي شمس الدين وعدد آخر من ضباط الجيش فترة من الوقت، كانت كفيلة بإبراز عورات الانقلابيين، وكانت كفيلة أيضا بجعل بعض الانقلابيين يعرفون نوايا بعضهم على حقيقتها، ما جعلهم يخففون من غلوائهم ويتعاطفون مع هؤلاء الرجال الواقفين خلف القضبان دون أي جريرة. ربما هذا ما دعا رئيس المحكمة أن يسأله عما إذا كان لديه ما يود قوله، وفي إجابة حونها كلمات قليلة عبر اللواء السنوسي شمس الدين عن المرارة التي يحس بها ، وعن الحزن الذي يعتمل في نفسه أن يجد نفسه واقفا خلف القضبان بعد أعوام طويلة قضاها في خدمة البلاد.

في بلاد أخرى .. وعند نظم أخرى .. يكرم جيل الرواد .. يوشحون بالأوسمة .. وتتخذ التدابير التي توفر لهم تقاعدا مريحا .. ويترك لهم مكانهم الطبيعي في تاريخ الوطن .. تحكى حكاياهم وتروى سيرهم إلى الأجيال المتعاقبة .. عل ذلك يكون حافزا لاستمرار العطاء .. وتراكم الخبرات والتجارب .. وتواصل الإجيال.

رحم الله اللواء السنوسي شمس الدين، وجزاه عنا وعن الوطن الجزاء.
________________________________________________

(*) اللواء السنوسي شمس الدين هو نجل السيد شمس الدين بن علي الخطابي بن محمد الشريف بن محمد بن علي السنوسي.

صورة تذكارية للدفعة الخامسة من طلبة الكلية العسكرية الملكية (1963):
الجلوس (ضباط الكلية والمعلمون المنتدبون): موسى أحمد الحاسي – المكي أبوزيد الشطيطي – إبراهيم راشد – بوغراره الكريكشي – أحمد فوزي هلال – حسن السنوسي عبد السيد – السنوسي شمس الدين – رمضان صلاح – محمد علي الهلالي – عبدالوهاب المبروك - اسماعيل الصديق اسماعيل – آدم سعيد الحواز – محمد عاشور الكوافي.
الوقوف الصف الأول من اليمين: عبدالكريم عبدربه – عبدالجليل إبراهيم – محمد الأرناؤوطي – عبدالسلام الميلادي – الهادي موسى عمار – نوري إبراهيم الفتحلي – فرج أبو بكر – خليفة عبد الله الدرسي – فتحي بن طاهر – علي نصر – محمد شعبان احنيش – عبدالعزيز بوكمار .
الوقوف الصف الثاني من اليمين: عمر سعيد سليمان – محمود البكوش – المبروك الأمين – المبروك عامر العجيلي – إبراهيم عبدالعزيز صهد – فوزي الشيب – حسن جبريل – علي الحنوشي – علي الفيتوري – الصغير الأسود – أبو القاسم الشبلي – محمد فرحات – عبدالمجيد عمر سالم – محمود الغرابلي .
تغيب عن الصورة لانشغالهم في دورات تدريبية خارج البلاد: جلال الدغيلي و أحمد سالم بن فايد .. وتغيب لأسباب أجهلها محمد على الجهمي.



9 أغسطس 1963 ـ الطالب إبراهيم عبد العزيز صهد يتسلم شهادة التخرج من وزير الدفاع عبد الجليل سيف النصر
وقد وقف على يسار الوزير العقيد السنوسي شمس الدين آمر الكلية وإلى يمينه الرائد ركن حسن السنوسي عبد السيد
ولم تظهر الصورة الرائد ركن رمضان صلاح كبير المعلمين الواقف خلف الوزير.
العلم الذي يغطي الشهادات هو راية الكلية العسكرية الملكية.


في مدخل مدرسة المخابرة أثناء زيارة وزير الدفاع :
في الصورة محمد المنصوري وزير الدفاع إلى يمينه العقيد جبريل صالح آمر المنطقة الشرقية وإلى يساره
المقدم الركن فوزي الدغيلي آمر حامية المرج وخلفهم الزعيم السنوسي شمس الدين وإلى يمينه المقدم الطاهر
أبو قعيقيص وإلى يساره الرائد رمضان غريبيل آمر مدرسة المخابرة.


في مدرسة المخابرة يستمعون إلى بيانات تفصيلية من ضباط جناح التدريب بالمدرسة (الصورة لا تبرزهم)، من اليمين:
(وقوفا) الرائد رمضان غريبيل آمر مدرسة المخابرة – المقدم محمد يونس خليفه معاون آمر صنف المخابرة – المقدم أحمد المدفعي آمر صنف المخابرة.
(الجلوس) المقدم عبد الونيس العبار - المقدم ركن فوزي الدغيلي – العقيد جبريل صالح – وزير الدفاع محمد المنصوري – الزعبم السنزسي شمس الدين – المقدم الطاهر بوقعيقيص
( لم أتمكن من معرفة الجالس أقصى اليسار ).

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home