Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ibrahim Abdelaziz Sahad
الكاتب الليبي ابراهيم عبدالعزيز صهد


ابراهيم صهد

Sunday, 2 September, 2007

انقلاب سبتمبر.. نتاج الغفلة والخيانة والتآمر(*)

ابراهيم عـبدالعـزيز صهد

غدت الانقلابات العسكرية النمط السائد للاستيلاء على السلطة في البلاد العربية منذ الخمسينات من هذا القرن. فقد أدّى نجاح انقلاب حسني الزعيم في الاستيلاء على السلطة في سوريا، ثم نجاح انقلاب يوليو في مصر إلى زرع بذرة الانقلابات العسكرية، ثم أدَّت السياسات التي رسمها جمال عبدالناصر وعملت أجهزة حكمه على تنفيذها والدعوة إليها في المنطقة العربية على تعهد بذرة الانقلاب العسكري، وتشجيع نموها في عقول العسكريين العرب، ودفع شعوب المنطقة إلى الاستسلام لها والتسليم بها كنمط مقبول من أنماط التغيير، بل وربما النمط الوحيد. ونتيجة لهذا التعهد الدؤوب والمبرمج نمت هذه البذرة وأصبحت هاجساً كبيراً يجتاح المنطقة العربية ويعصف بعقول الحكام والمحكومين على حد سواء. وتوالت الانقلابات العسكرية، حتى لا تكاد تجد دولة عربية واحدة لم يحدث فيها انقلاب عسكري، بعضها نجح في إيصال من قاموا بها إلى سدة الحكم، بينما فشل بعضها الآخر في تحقيق ذلك. وكانت محصلة تلك الانقلابات الناجحة والفاشلة – على حد السواء – زرع أسافين من الشك والقلق قادت إلى زعزعة الاستقرار، وإلى مزيد من الانقلابات العسكرية.

وفي خضم رنين الشعارات التي يطرحها البيان الأول وهدير دبابات الانقلابيين تضيع تساؤلات جوهرية ومصيرية:

هل كان الانقلاب العسكري ضرورة تمليها فساد الأوضاع القائمة؟ أو بالأحرى هلى كان الفساد والظلم والأوضاع السيئة للبلد والمواطنين هي الدافع الأساسي وراء الانقلاب؟

وهل تقوم الانقلابات وتنجح إذا ما توفرت معطيات أوضاع سيئة فاسدة ظالمة؟!!!.

وهل تفرز الانقلابات أوضاعاً أفضل من الأوضاع التي كانت قائمة؟.

وهل نجحت الانقلابات العسكرية في المنطقة لبراعة القائمين بها في التخطيط والتنفيذ أم لعوامل أخرى؟. وغيرها من التساؤلات التي من شأن الإجابة الموضوعية عنها أن تكشف لنا حقائق نجهلها عن الانقلابات العسكرية.

وليس الغرض من هذه المقالة الإجابة على التساؤلات في عمومها، فهذا يحتاج إلى بحث أوفى وأعمق، لكن هذه المقالة معنية – بإذن الله – بانقلاب سبتمبر، ليس فقط كونه أحد هذه الانقلابات التي ابتليت بها هذه الأمة، ولكن أيضاً لكونه أكثر الانقلابات غرابة، وأكثرها إثارة لعلامات الاستفهام:

• فكيف استطاع ملازم أول بالجيش الليبي ومعه عدد محدود من الضباط والجنود أن يتحركوا ليلة الأول من سبتمبر ويستولوا على السلطة في ليبيا؟

• وما هي هوية هذا الانقلاب؟ وما هي الأطراف التي تقف وراءه؟

• وكيف تم تحييد قوات الأمن وبأيدي من؟ وكيف لم تقاوم وحدات الجيش ولماذا؟

• وكيف أمِنَ الانقلابيون من تدخل القواعد العسكرية الأجنبية التي كانت موجودة آنذاك؟

• ثم كيف استطاع الانقلابيون تأمين وضعهم وسيطرتهم في المراحل الصعبة الأولى؟ وهل شاركت أطراف غير ليبية في تأمين هذه السيطرة؟....

فهذه الأسئلة وغيرها لم تجد إجابة شافية رغم مرور الزمن، ولم تفلح بعض الأحاديث التي أدلى بها بعض من شارك في الانقلاب إلا في زيادتها غموضاً وتعقيداً. ومما لا شك فيه أن أموراً كثيرة لا تزال غائبة تلف انقلاب سبتمبر بغلالة سميكة من الغموض، وليس ثمة من أمل في أن تنزاح هذه الغلالة في المستقبل القريب.

وفي الواقع فإن مهمة الانقلابيين ليلة الأول من سبتمبر لم تكن بالمهمة الصعبة، فقد تضافرت جملة من العوامل والظروف في تسهيل حركتهم، وتكفلت عوامل أخرى بإحباط أية محاولة قد تعترضهم. وأهم هذه العوامل جميعها كانت الحالة السياسية السائدة في ليبيا آنذاك وما ترتب عنها من تسيب أمني خطير بلغ في بعض الأحوال درجة اللامبالاة وفي أحوال أخرى درجة التواطؤ والخيانة. وبدون شك فإن العهد الملكي قد خسر معركة استمراره في الحكم على أرضية لم يصنعها انقلابييو سبتمبر، وفي وقت يسبق سبتمبر بسنوات عدة، بل يمكن القول أن العهد الملكي امتنع أصلاً أن يخوض معركة البقاء ولم يُعِدَّ لها أية عدة، وترك مصيره في مهب التيارات السياسية المحلية والإقليمية والدولية.

الاعتبارات السياسية

كانت ليبيا أكثر الدول العربية تأثراً خلال الخمسينات والستينات بالرياح العاتية التي كانت تهب من ناحية مصر الناصرية. وكانت هذه الرياح تحمل بذور التحريض على قلب أنظمة الحكم القائمة، خاصة الملكية منها، وقد لعب الجوار والقرب دوراً في حجم التأثير الذي وقع على ليبيا. وتكفلت الدعاية المركزة التي كانت تبثها أجهزة الإعلام المصرية في جعل مطلب التغيير يتحول إلى هاجس شغل عقول الناس كلهم، ثم في توجيه هذا المطلب وحصره في الانقلاب العسكري. ولم تنحصر أدوات تلك الدعاية في "صوت العرب" وغيرها من الإذاعات الموجهة، ولا في الصحف المصرية التي كان العهد الملكي يسمح بتوزيعها، بل شمل التواجد البشري المصري في ليبيا متمثلاً في كثير من المدرسين الذين يوجهون عقول تلاميذهم بنفس توجيه الدعاية الرسمية. وكان عناصر السفارة المصرية يتحركون بكل حرية مجترئين على كل التقاليد والأعراف الدبلوماسية، ومتجاوزين لكل اللياقات والاعتبارات التي يمليها الجوار والأخوة. وتجاه ذلك لم تفعل حكومات العهد الملكي أي شيء لتبديد هذا الهاجس، ولم تقم بأي مجهود إعلامي يذكر لتوعية الناس وتسليط الأضواء على الإنجازات التي كانت بحوزة الشعب الليبي آنذاك والتي تتمثل في:

• وضع دستوري يكفل هامشاً لا بأس به من الحريات والضمانات كانت لا تتوفر عند أي من الدول العربية آنذاك، بما فيها تلك التي تتصدر التحريض على الانقلاب.

• وإنجازات عملاقة في مجال التعليم والخدمات.

• وسياسة متزنة في مجال العلاقات الدولية.

• ومواقف مشرّفة – دون أي منٍّ ولا ضجيج – دعماً للقضايا العربية والإسلامية.

• وحسن للتصرف – إلى حد بعيد – في عائدات النفط وتوظيفها في خطط طموحة للتنمية الاقتصادية والاجتماعيةز

وغيرها من الإنجازات التي كانت – على روعتها – كماً مهملاً في المشروع الإعلامي لحكومات العهد الملكي، وطغت بدلاً منها على السطح ما كان لهذه الحكومات من عيوب، وهي ليست بالعيوب القليلة على أية حال.

وبإختصار فقد نجحت الدعاية الواردة من وراء الحدود – مع ما صادفته من عجز إعلامي لحكومات العهد الملكي – في صرف عيون الليبين عن كل النواحي الإيجابية وتحويلها إلى نواحي القصور والخلل، بل واختلقت عيوب لم تكن موجودة أصلاً تركزت حولها مواضيع الدعاية حتى صدقها الناس. ومع مرور الزمن استفحل الأمر فانسدت كل إمكانات الرتق والترميم أو التطور والارتقاء التدريجيين، ونما بدلاً منها هاجس الانقلاب والتغيير.

حسابات معلقة :

وكما فشلت السياسات الإعلامية للعهد الملكي في احتواء الدعاية الناصرية، فقد فشلت أيضاً في استثمار إيجابيات سياستها العربية والدولية وجنت بدلاً من ذلك إسقاطاتها، وكان على العهد الملكي أن يدفع الثمن فادحاً في تسوية بعض الحسابات في الساحتين العربية والدولية.

إنجازات غير مستثمرة :

فسياسات العهد الملكي في نصرة ودعم القضايا العربية لم تكن مقبولة في بعض الأوساط الدولية، بما في ذلك بعض حلفاء العهد الملكي. وبدون شك فإن موقف ليبيا المعروف المساند للقضية الجزائرية[i]، وموقفها المساند للقضية الفلسطينية، ودعمها المادي لحركة المقامة الفلسطينية، ثم في الوفاء الكامل بحصة ليبيا المالية التي قررها مؤتمر الخرطوم (فيما تخلفت دول عربية أخرى عن الوفاء)، لا شك أن هذه المواقف – على سبيل المثال – لم تكن لتقابل بالارتياح في الأوساط الغربية والإسرائيلية على وجه الخصوص. ومن المفارقات العجيبة والمؤلمة أن تلك المواقف لم تقابل بالعرفان في الأوساط العربية، كما أن حكومات العهد الملكي قد أهملت إبرازها لاسيما عندما كانت تواجه اتهامات بأنها مقصرة في المجال العربي. وفي الواقع فقد تعاملت حكومات العهد الملكي بتواضع شديد فاق كل حد في زمن لم يكن للمتواضعين فيه من مكان.

القواعد العسكرية بين الحلفاء والأشقاء:

وكان على العهد الملكي أن يسوي حساباً آخر نجم عن الموقف الذي اتخذه بتجميد نشاط القواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية أثناء حملة السويس (العدوان الثلاثي) وخلال حرب 1967 م. هذا الموقف الذي كانت ليبيا تُعرِّض نفسها فيه لاحتلال بريطاني خلال حملة السويس والذي أدّى إلى الحيلولة دون الفرقة البريطانية التي كانت تتمركز في ليبيا من المشاركة في الحملة، وجمّد نشاط قاعدة العدم الجوية التي كانت على مسافة دقائق تقطعها النفاثات البريطانية لتكون فوق القاهرة أو الإسكندرية. ومرة أخرى تنكرت مصر الناصرية لهذا الموقف، فاتَّهمت ليبيا بسماحها للبريطانيين باستخدام أراضيها منطلقا للعدوان، وحتى بعد مضي أكثر من نصف قرن ونشر الوثائق السرية الرسمية البريطانية فما زال السيد محمد حسنين هيكل مصراً على ترديد ذلك الاتهام، ومازال هناك من يصدقه. ولقد كان كافياً – مثلاً – أن يقول الرئيس جمال عبد الناصر في خطابه "انتظرناهم من الشرق فجاؤونا من الغرب" لأن تُتَّهم ليبيا بسماحها للقوات الجوية الأمريكية بالمشاركة في حرب 67، ولأن يترتب عن ذلك قلق وتململ في الشارع الليبي!!.

ولقد فشلت حكومات العهد الملكي في بلورة موقف سياسي يرد على هذه الاتهامات الملفقة والتي ثبت زيفها. وبدون شك فإن مواقف العهد الملكي في هذا الخصوص كانت مثار حفيظة الدولتين الكبيرتين، فبريطانيا حُرمت من استخدام قواعدها – ولو تكتيكياً – خلال حملة فقدت فيها هيبتها لتأخر حسمها للمعركة، وأمريكا لم يعجبها قرار العهد الملكي بتجميد نشاط قاعدة الملاحة خلال حرب 67 مما أوقف كل النشاطات التدريبية والاستطلاعية في القاعدة. ولقد أدى ذلك بالدولتين إلى عدم الاكتراث لمصير العهد الملكي، بل ساهمت إحداهما أو كلاهما في العمل على إنهائه. ومرة أخرى جنى العهد الملكي سلبيات مواقفه وحُرم من إيجابياتها.

مبادرة إيجابية تضيع سدى:

كانت الملابسات التي أحاطت بمبادرة السيد محمود المنتصر "رئيس الوزراء آنذاك" بفتح المفاوضات مع كل من أمريكا وبريطانيا –عام 1964- حول مستقبل قواعدها في ليبيا، ملابسات مؤسفة آثارت قلقاً بالغاً لدى الدوائر العليمة. ففيما كانت الحكومة الليبية منشغلة بالتدابير الدبلوماسية الكفيلة بإخطار الدولتين بنوايا ليبيا بحث مستقبل هذه القواعد، وفيما كانت الحكومة حريصة كل الحرص على سرية هذه الاتصالات وعدم خروجها للعلن، وربما حرصاً على نجاحها، دعا الرئيس جمال عبد الناصر في خطاب له الحكومة الليبية إلى تصفية القواعد الأجنبية، ولقد كانت هذه الدعوة مفاجئة، فلم يكن من الأحداث والوقائع ما يبرر توقيتها، كما جاءت وكأنها جزء دخيل على فقرات خطابه. ولم يكن من تفسير لذلك سوى أن الرئيس عبدالناصر قد علم بمبادرة الحكومة الليبية إما بتسريب أمريكي-بريطاني أو من مصادر مخابراته النشطة في ليبيا. ولقد أجبر ذلك رئيس الوزراء إلى الإعلان عن مبادرته، مما حرمه من المناورة التي كانت السرية تتيحها له. لكن الأوساط العربية والشعبية في ليبيا فسّرت ذلك الإعلان على أنه رضوخ لمطالب الرئيس عبدالناصر ولا فضل لحكومة المنتصر فيه. ثم كانت الطامة حين استجابت الحكومة الليبية لمطلب من الرئيس عبدالناصر بعدم الإصرار على التصفية الفورية الكاملة للقواعد، وذلك بعد أن قطعت المفاوضات شوطاً لا بأس به، فقد فوجئ السيد حسين مازق "وزير الخارجية" الذي كان يحضر اجتماعات مجلس الجامعة العربية في القاهرة، فوجيء بالرئيس عبدالناصر يطلب منه – أثناء مقابلة في القصر الجمهوري –بأن لا تُصِّر ليبيا على التصفية الفورية الشاملة للقواعد، وحتى وإن كان عبدالناصر قد صاغ ذلك على هيئة نصيحة، إلا أنه قد اتضح فيما بعد أن أمريكا (الرئيس جونسون) قد طلبت منه القيام بهذا المسعى. ولسنا بصدد تفسير لجوء أمريكا لعبدالناصر، ولا سبب قبوله القيام بذلك الدور الذي يتناقض مع مواقفه المعلنة وعلى الأخص خطابه المشار إليه، لكن المهم هو أن توقف الحكومة الليبية عن الاستمرار في متابعة الموضوع دون تفسير لذلك قد كان نقطة أخرى تسجل ضد العهد الملكي.

حريق آبار البترول:

في عام 1965 شبَّ حريق في أحد حقول النفط الليبية (الامتياز 65) لشركتي بريتش بتروليوم وبانكر هانت، ولقد كان الحادث نتيجة لعملية تخريب مدبرة نُفذت لصالح أحد أجهزة المخابرات العربية. كانت أهداف العملية إرهاب العهد الملكي، وإثارة الاضطرابات، وإظهار عجز النظام وعدم قدرته على حماية حقول النفط. وفيما فشلت العملية في تحقيق هدفيها الأول والثاني، إلا أنها نجحت في إقناع شركات البترول والدول الغربية بأن حقول النفط في خطر داهم وأن أجهزة العهد الملكي غير قادرة على ضمان حمايتها. ولقد اتسم تصرف الحكومة إزاء هذه العملية بالضعف، فلم تشر لا من قريب ولا من بعيد لتورط دولة أجنبية في هذه العملية. والجدير بالذكر أنه قد قبض على منفذي العملية، وأشهرهم كان مدنياً يُعرف باسم "مفتاح الهندياني" وحكمت عليه المحكمة بالاعدام، إلا أن الملك إدريس خفف الحكم إلى السجن، وبمجرد نجاح الانقلاب أُفرج عن الهندياني، ومنح رتبة ملازم أول بالجيش الليبي، ولم تمض سوى بضعة أشهر حتى قُتل في حادث سيارة غامض؟؟.

مظاهرات حرب 67

مع اشتعال حرب 1967 انفجرت المظاهرات الشعبية في طرابلس وبنغازي وغيرهما من المدن الليبية، وصبّ المتظاهرون جام غضبهم على الأقلية اليهودية في البلاد، فأُحرقت بعض ممتلكاتهم وتعرض بعضهم لمعاملات غير لائقة من قبل الجماهير الغاضبة. وقد اتصف تصرف الحكومة إزاء ذلك بالتهاون وعدم الحزم، وقد بالغ اليهود في مخاوفهم، ونزحت الغالبية العظمى منهم عن ليبيا، لكن التوعدات أُطلقت آنذاك ليس في اتجاه العهد الملكي فقط، وإنما باتجاه عموم الليبيين، وسمع الليبيون عبارات تهددهم بأنهم سيدفعون ثمناً غالياً. وهذه المسألة هي الأخرى تقع في إطار الحسابات التي كان على العهد الملكي أن يسويها ويدفع ثمنها فادحاً، كما أنها تقع في جملة الدوائر الغامضة التي تلف انقلاب سبتمبر والتي تتبدى في جملة من المواقف والسياسات المتبادلة بين نظام القذافي واسرائيل.

وبالإضافة إلى هذه الحسابات فثمة ثلاث مسائل أسهمت إلى حد كبير في تقرير مصير الحكم الملكي:

ـ أولها: مسألة خلافة الملك إدريس. وهي مشكلة ترتبت عن ثلاث عوامل هي: تواضع الملك إدريس وزهده، وغياب دور الأسرة السنوسية، وعدم إعداد ولي العهد للمهمة. وبدون شك فقد أساء كثيرون فهم وتقدير تواضع الملك إدريس وزهده، واستغل آخرون هذا التواضع والزهد أسوأ الاستغلال، وقد أدّت الملابسات التي أحاطت بمقتل السيد إبراهيم الشلحي وما ترتب عنه من تداعيات إلى إبعاد الأسرة السنوسية عن الملك، مما حرمه من النصح المخلص الجريئ من كبار الأسرة، كما حرمه من نافذة مباشرة على ما يجري، وبدلاً من ذلك أحاطت بالملك حاشية زادت من عزلته واستغلت زهده وتواضعه. وكان موضوع ولاية العهد عاملاً في تعميق هذا المشكل. صحيح أن الملك قد اختار السيد الحسن الرضا ولياً للعهد، وأقر مجلس الأمة هذا الاختيار. وصحيح أن ولي العهد قد اتسم بدماثة الأخلاق وحسن الشمائل والتواضع، كما أنه كان يحظي بالتقدير والاحترام، مما يؤهله لتولي الأمر بعد الملك إدريس، لكن خلافة شخصية فذة مثل الملك إدريس كانت مهمة غاية في الصعوبة، كما أن هناك من كان يرى أن السيد الحسن لا يمثل الخيار الأفضل من بين الأسرة السنوسية من أمثال السيد صفي الدين الشريف أو أحد أبناء السيد أحمد الشريف (العربي أو الزبير أو ابو القاسم أو محي الدين)، بل إن عدم إختيار السيد الصديق رضا (الأخ الأكبر للحسن) قد أثار تساؤلات في مختلف الأوساط التي تعرف ما يتمتّع به الصديق من شجاعة وحزم وذكاء أكسبته إحتراماً وتقديراً واسعاً، وفُسّر تجاوزه على أن بعض النافذين من الحاشية قد وضعوا "فيتو" أمام الصديق وذلك بسبب مواقف له من أسرة الشلحي بما في ذلك موقفه المتوازن من مقتل إبراهيم الشلحي. ورغم كل ذلك فقد قوبل تعيين السيد الحسن بارتياح شعبي أظهر رغبة الناس في وضع حد لخلو ولاية العهد، وقد قام ولي العهد – إثر تعيينه – بجولة ناجحة في مدن وقرى ليبيا، استقبل فيها استقبالاً شعبياً كبيراً. لكن لم يفعل لا الملك ولا حكوماته – دون استثناء – شيئاً في مضمار إعداد ولي العهد لتولي مهامه، فبدا ولي العهد كأنه معزول في دائرته الخاصة، كما بدا بعيداً معزولاً عن عمه الملك. بل إن التكهنات كانت تملأ البلد من أن ولي العهد لن يُمكَّن من اعتلاء العرش بعد وفاة الملك إدريس وأن انقلاباً عسكرياً يقوده العقيد الركن عبدالعزيز الشلحي سوف يستولي على مقاليد الأمور في البلاد بمجرد وفاة الملك إدريس ولم تفعل الحكومات شيئاً لوضع حد لهذه التكهنات التي كانت تسري في كل الأوساط بما فيها الجيش، بل اختارت تجاهلها إما عمداً أو جهلاً بآثارها. أما الملك إدريس الزاهد فقد حاول من جهته – وبطريقته الخاصة – أن يتفادى مشكلة خلافته، فحاول – قبل تعيين وليّ العهد – أن يتحول بالبلاد إلى النظام الجمهوري، وعارضته في ذلك قوى سياسية كثيرة، وحاول أكثر من مرة أن يُقدم استقالته بما يُمكِّن ولي العهد من إرتقاء العرش في حياته؛ ولكنه وُوجه بالمظاهرات والوفود التي ترفض تخلية عن الحكم وتطالبه بالبقاء. وكان آخر مسعى له في هذا الصدد كتاب التنازل عن العرش الذي سلمه إلى الشيخ عبد الحميد العبَّار (رئيس مجلس الشيوخ) وبموجبه كان سيتم تنصيب ولي العهد ملكاً. وكان مقرراً أن يناقش مجلس الأمة هذا الكتاب في جلسة يدعوه إليها رئيس مجلس الشيوخ بتاريخ الخامس من سبتمبر 1969م.

من الجدير بالذكر أن هذا الإجراء لم يكن ذائعاً في حينه واقتصر العلم به على رئيسي مجلسي الشيوخ والنواب، غير أنه من المؤكد أن أجهزة استخبارات بعض الدول قد علمت بعزم الملك على التنازل، ومن المؤكد أيضاً أن بعض تلك الأجهزة قد أخطرت الانقلابيين بهذا التطور الذي كان من شأن حدوثه أن يقلب خططهم رأساً على عقب. إن توقيت الانقلاب لا يمكن عزله عن ذلك التطور، كما أنه قد يُفسِّر ما عُلم بعدئذ من أن العقيد الشلحي كان يعتزم القيام بانقلاب يوم الخامس من سبتمبر.

ـ وثانيها: أحداث يناير 64 المؤسفة. فمبناسبة انعقاد أحد مؤتمرات القمة العربية نظّم الطلاب في مدينة بنغازي مظاهرة كان الغرض منها على ما يبدو إعلان تأييد المؤتمر، لكن المظاهرة لم يكن مرخّص بها. وكان الملك إدريس – بحكم سنه الكبير – قد أناب ولي العهد .. الأمير الحسن لحضور المؤتمر على رأس وفد كبير كان من ضمنه رئيس الوزراء ووزير الخارجية. وأثناء المظاهرة انطلقت هتافات تنتقد تغيّيب الملك عن المؤتمر، وحدث إثر ذلك ما يحدث في المظاهرات عادة من شغب، ثم تصاعد التوتر وانتشر، وكان رد فعل رجال الأمن الموجودين في مكان المظاهرة غير مبرر على الإطلاق إذ قام بعضهم بإطلاق الرصاص مما أدى إلى سقوط ثلاث طلاب قتلى ووقوع عدد من الطلاب جرحى، ثم تتابعت مضاعفات هذا الحادث، وعاشت مدينة بنغازي عشية وليلة متوترة أعقبها أيام عصيبة. صحيح أنه ثبت أن إطلاق الرصاص على المتظاهرين قد قام به رجال الأمن المتواجدين في الموقع دون أن يكون لديهم أية تعليمات من مستويات أعلى، وصحيح أن الحكومة اعترفت بالخطأ وقامت بسلسلة من الإجراءات التي تحمل طابع التهدئة والاعتذار، منها سحب قوات الأمن من شوارع بنغازي بحلول مغرب ذلك اليوم، وتنظيم جنازة كبيرة في اليوم التالي شارك فيها أهالي مدينة بنغازي يتقدمهم المحافظ وعميد البلدية وعدد من المسؤولين الحكوميين وأعيان المدينة، كما قامت الحكومة بتقديم التعازي إلى ذوي القتلى، ونقلت المصابين إصابات بالغة إلى الخارج للعلاج على نفقة الدولة، وشكلت لجاناً للتحقيق في الحادث. غير أن ذلك كله لم يكن كافياً، فقد حاولت أطراف معينة تصوير مظاهرة الطلاب على غير حقيقتها وإبرازها وكانها محاولة عصيان مدني، وسرت حمى إرسال برقيات مؤيدة للوضع – خلى معظمها من إدانة إطلاق الرصاص على الطلاب – وجرى نشر هذه البرقيات وإذاعتها على نطاق واسع، مما أساء إلى مشاعر الناس، ثم كانت الطامة حين عجزت لجان التحقيق عن أن تتوصل إلى نتائج بالرغم من وضوح بعض القضايا على الأقل، وقيل بأن بعض أجهزة الأمن قد تدخلت لعرقلة التحقيقات، وبالرغم من أن الحادث يُشكل حادثاً منعزلاً وخارجاً عما تعوده الناس من العهد الملكي، إلا أن الحكومة فشلت في إتخاذ إجراءات تطمئن الناس على أن العدالة قد أخذت مجراها، وعلى أنه قد وضعت تدابير تكفل عدم تكراره، وبقي الحادث ودلالاته وآثاره قائماً في الأذهان.

ـ وثالثها: انحسار النفوذ البريطاني أمام المد الأمريكي المتصاعد آنذاك، وحلول أمريكا محل بريطانيا في مناطق الشرقين الأوسط والأدنى، ومعروف أن الملك إدريس يميل دائماً إلى إعطاء أفضلية لبريطانيا على أمريكا ربما لاعتبار التحالف الذي أبرم خلال الحرب العالمية الثانية واشتركت بموجبه قوات ليبية (الجيش السنوسي) في القتال ضمن قوات الجيش الثامن البريطاني. ومن المؤكد أن الملك إدريس إما أنه لم يع التبدلات التي طرأت على وضع بريطانيا الدولي أو أنه لم يُقدِّر شدة التنافس بين الحليفتين (أمريكا وبريطانيا) وأن هذا التنافس قد بدأ يأخذ صفة الحسم. ولم تكن أمريكا – بحكم إمكاناتها العملاقة – بعيدة عن مجريات الأمور في ليبيا، فكانت تعرف توجهات الملك وكانت تضيق بها كما كان وجودها في ليبيا مؤثراً وفي مواقع حساسة (شركات البترول، قاعدة الملاحة، البعثة العسكرية الأمريكية، المركز الثقافي الأمريكي، وغيرها)، بل إن الأمر قد تطور إلى اعتراف ضمني بريطاني بالمصالح الأمريكية في ليبيا، وقبولها بمبدأ إيلاء أمريكا هذه المصالح أولوية مطلقة.

هذه هي الأرضية السياسية التي تقرر عليها مصير العهد الملكي في ليبيا، ولقد كان للحسابات والعوامل التي أشرنا إليها دور مهم في تشكيل الانطباعات – في الداخل والخارج – حول أداء ومصير العهد الملكي:

أما في الداخل فقد أدّت إلى نمو هاجس التغيير وأصبح مطلباً غير محدد الملامح.

وأما على المستوى الدولي فقد اسست – بعض الدول – على هذه الانطباعات سياسات مساندة لتغيير نظام الحكم في ليبيا.

وجدير بالذكر أن مصادر عدة قد أشارت إلى أن التقرير النهائي الذي قدّمه (السيد ديفيد نيوسم) السفير الأمريكي في ليبيا – بمناسبة انتهاء مهمته في عام 1969م – قد تضمّن تأكيداً لقناعات سبق له التعبير عنها بأن النظام الملكي لن يمكنه الاستمرار وأن من الصالح العمل على إحلال البديل. ولقد كان مثل هذا التقرير وغيره من المواقف يترجم إلى سياسات ساعدت هي الأخرى في تمهيد السبيل أمام الانقلابيين في سبتمبر.

الاعتبارات الأمنية

غير أن هذه الاعتبارات السياسية ما كان لها أن تؤدي إلى سقوط العهد الملكي ونجاح انقلاب كان يفتقر إلى كل مقومات النجاح، من التخطيط الجيد، والقيادات المقبولة المعروفة، ومن حجم القوات المشاركة. فكم هي أنظمة الحكم التي استمرت في المنطقة العربية وفي غيرها من مناطق العالم بالرغم من كونها معروفة بالفساد وبسوء ممارستها السياسية وبانتهاكاتها لحريات وحقوق مواطنيها، ولم يكن في سجل العهد الملكي أية تجاوزات تذكر في مجالات حقوق الإنسان أو في مجال الفساد السياسي والمالي، غير أن العهد الملكي كا ن يواجه قصوراً أو خللاً شديداً في ناحية مهمة جداً وهي أمن النظام نفسه.

فمن البديهيات أن لكل حكومة ركائز وتدابير لتأمين نظام الحكم والحفاظ على استمراره واستقراره. وتحظى هذه التدابير والركائز باهتمام وأولوية بالغة في سلم أولويات الحكم. غير أن الإجراءات الأمنية التي اتخذتها حكومات العهد الملكي لحماية الوضع قد اتصفت بالضعف والتردد. فليس ثمة ما يُعرف لدى الدول بالعقيدة الأمنية، ولم يتم صياغة أية استراتيجيات بعيدة المدى تؤسس عليها خطط محددة، وكل ما توفر من إجراءات لم يزد عن كونه ترتيبات مرتجلة نتيجة لاجتهادات فردية لم تجد نفعاً. ولقد كان الافتراض شائعاً أن العهد الملكي قد بنى سياسة تأمين النظام إعتماداً على مرتكزات ثلاث تمثلت في: القوة المتحركة، ووحدات مخصوصة من الجيش، والقواعد العسكرية الأجنبية، غير أن التطورات قد أثبتت عدم صحة هذا الافتراض.

القواعد العسكرية الأجنبية:

فلقد ثبت عدم وجود أي اتفاق بين حكومات العهد الملكي أو الملك نفسه وبين أي من الدولتين اللتين كانتا تحتفظان بقواعد عسكرية في ليبيا للتدخل لحماية النظام في مثل هذه الأحوال، بل كان تصرف كل من بريطانيا وأمريكا تجاه الانقلاب موحياً بتعاونهما مع الانقلابيين، فقد أعلنت كلاهما – غداة الانقلاب – تجميد نشاط قواعدهما في ليبيا، وبادرتا إلى الاعتراف بالوضع الجديد، وعجّلتا بوصول سفيريهما الجديدين إلى ليبيا، وكان السفير البريطاني على متن أول رحلة جوية دولية تصل إلى طرابلس (شركة B.O.A.C). ولا يُعلم يقيناً ما إذا كانت بريطانيا على صلة مسبقة بالانقلابيين، غير أنه من المؤكد أن أمريكا كان لها صلات مع عدد من الضباط الذين شاركوا في الانقلاب، كما أن شواهد تحرك عدد من ضباط قاعدة الملاحة في الساعات المبكرة من يوم الانقلاب وتجولهم في مناطق معينة من طرابلس تدل على أنهم كانوا يراقبون الموقف عن كثب وربما نتيجة لعلم مسبق.

القوة المتحركة:

أما فيما يتعلق بالقوة المتحركة فقد كانت مجهزة تجهيزاً جيداً، ولقد كان في إمكان هذه القوة إنطلاقاً من معسكراتها الرئيسية في (قرنادة) و(بنينة) و(قُرجي) من التغلب على القوات القليلة العدد والعدة التي تحركت ليلة الأول من سبتمبر، وكان في إمكانها تأمين البيضاء وبنغازي وطرابلس على التوالي. غير أن القوة المتحركة واجهت تطورات – في الفترة التي سبقت وقوع الإنقلاب مباشرة – اتصف بعضها بالغرابة وبلغ بعضها حد التواطؤ والخيانة:

- فقد جرى نقل (الزعيم السنوسي الفزاني) مؤسس القوة المتحركة وقائدها من منصبه، وهو معروف بولائه المطلق للملك إدريس وللأسرة السنوسية، وحتماً كان سيقف في مساندة وليّ العهد. وكان السنوسي الفزاني من الضباط القلائل الذين حافظوا على موقف متوازن إثر مقتل الشلحي، واستمر في علاقاته الحميمة مع أبناء السيد أحمد الشريف ومع بقية أفراد الأسرة السنوسية، كما أنه معروف بسيطرته على القوات التي تحت إمرته، علاوة على أنه مشهور بالاقدام والشجاعة لدرجة التهور. الغريب أن يتم نقل الفزاني قبيل وقوع الانقلاب بفترة وجيزة ودون مبرر. وقد أسندت للفزاني مهمة حكمدار المطافي!!. وبدون شك فقد أحدثت هذه الخطوة في هذا الوقت بالذات خللاً كبيراً في قدرات القوة المتحركة. فلماذا نُقل الزعيم الفزاني.. ومن كان وراء هذا القرار؟!!!، وهل كان لانقلاب الشلحي (المنتظر) دور في هذا القرار؟!!!.

• وقبل الانقلاب صدرت أوامر غريبة بإلغاء حالة الاستعدادا القصوى التي كانت عليها القوة المتحركة، وتحولت إلى وضع الاسترخاء الذي لم تعرفه القوة المتحركة في تاريخها، فلماذا اتخذ هذا القرار؟ ولم اتخذ في ذلك الوقت بالذات؟ ومن الذي أمر به ولأية دوافع؟

• وفي هذا الخضم تمكن المقدم موسى أحمد الحاسي (وهو من ضباط الجيش) من تجنيد أحد أقاربه (النقيب عبد الله شعيب الحاسي) من ضباط القوة المتحركة في معسكر قرنادة الحصين، وبطريقة ما تولى هذا الضابط مهمة ضابط خفر المعسكر ليلة الأول من سبتمبر، وقد ألغى هذا الضابط ما تبقى من إجراءات الحراسة والأمن حول المعسكر، مما مكّن القوة الصغيرة القادمة من مدينة درنه – بقيادة المقدم موسى الحاسي – من احتلال المعسكر، والسيطرة على ما فيه من دبابات وأسلحة دون أي مقاومة. وبدون شك فإن سقوط معسكر قرنادة قد مكّن الانقلابيين من الاستيلاء على القوة المدرعة الوحيدة في كامل المنطقة الشرقية، وحقق لهم كسر حلقة الاتصال بين معسكرات القوة المتحركة الأخرى، علاوة على ما كان يعنيه من سقوط مدينة البيضاء (العاصمة الإدارية).

• ولقد ظل معسكر قرجي قادراً على التحرك حتى منتصف نهار الأول من سبتمبر، حين استسلم لعناصر قليلة من الجيش، وكان معسكر قرجي يحتوي على وحدة مدرعات وعناصر أمن محمولة، وهي قوات كانت كافية لتكوين قاعدة للمقاومة، إن لم نقل بأنه كان في إمكانها تأمين مدينة طرابلس والسيطرة عليها. غير أن معسكر قرجي لم تكن لديه أية خطة، ولم ترد إليه تعليمات بالتحرك ولذلك ظل دون حراك، والغريب أن الانقلابيين لم يكونوا على علم أو دراية بخطورة معسكر قرجي، ولم يفكّروا في السيطرة عليه إلا بعد منتصف النهار بعد أن نبههم لذلك أحد ضباط الجيش ممن تطوعوا بإسداء النصائح في الأيام الأولى للانقلاب.

وباختصار فإن افتقار القوة المتحركة إلى خطط مسبقة وتعليمات واضحة، علاوة على التغيير المفاجىء في قيادتها، قد أدى إلى حالة التسيب التي قادت إلى عجز ضباطها وقياداتها عن القيام بمبادرات تلقائية، وبدون شك فقد خيَّمت على هذه القيادات أحداث يناير 1964 التي تم توجيه اللوم فيها – على نطاق واسع – إلى القوة المتحركة.

الجيش الليبي:

ولم يكن لحكومات العهد الملكي أية سياسة أمنية داخل الجيش. وكانت العلاقة بين ضباط الجيش وهذه الحكومات -على وجه العموم- تتسم بالفتور وتعصف بها عوامل الشك والإهمال. كان عدد قليل من ضباط الجيش قد تمحور في عدّة تنظيمات سرية يسعى كل منها – منفرداً – إلى القيام بانقلاب عسكري، وكانت علاقات الضباط في هذه التنظيمات علاقات معقدة وغير واضحة لمجافاتها لأسس الانضباط التي تقوم عليها أنظمة الجيش. ولقد أدى هذا إلى عدد من الانقسامات في كل تنظيم، وإلى ما يشبه التنافس الخفي لاستقطاب العناصر النشطة في داخل الوحدات المختلفة. أما الغالبية العظمى من الضباط فكانت ممن لا ترى جدوى من الانقلابات العسكرية، وترى ضرورة حصر دور الجيش في المهمة المناطة به وهي الدفاع عن الوطن، غير أن هؤلاء الضباط – رغم كونهم أغلبية – لم يكن لديهم ما يربطهم، وظلت قواسمهم المشتركة وجهات نظر فردية لم تتحول إلى تفاهم مشترك يجمعهم، أو إلى ترتيبات عملية وقائية على الأقل. ومع هذا كله فقد كان في إمكان الجيش أن يستوعب أية حركة في داخله ويسيطر عليها بتلقائية. فقد سبق لضباط الجيش أن احبطوا محاولة الانقلاب التي جرت في عام 1961م، والتي كان لديها مقومات نجاح اكبر مما كان لدى انقلاب سبتمبر سواء من ناحية حجم القوات وقدراتها، او من ناحية رتب ومراكز الضباط الذين قادوها. غير أن الظروف والأوضاع المحيطة بالجيش الليبي عام 1961 كانت تختلف عنها في عام 1969، فلم يكن للجيش ولمنتسبيه نصيب يذكر من الانتعاش المالي والمعيشي الذي باتت عائدات النفط توفره للبلاد، واستمرت حكومات العهد الملكي في وضع ضباط الجيش موضع شك وريبة، ولم تتخذ أية إجراءات لتحديث الجيش ودعم وحداته وتحسين أوضاع منتسبيه. وفي الواقع فإن الجيش بأوضاعه تلك قد بات يشكل قوة مسلحة غير مؤهلة لتنفيذ أية خطط فعالة للدفاع عن الوطن، لكن لديها الإمكانات والدوافع للإنقضاض على الحكم.

وفي عام 1968 قررت الحكومة تحديث الجيش وإعادة تنظيمه وتزويده بأسلحة متطورة بما فيها دبابات (تشيفتن) العملاقة، ومنظومة صواريخ (ثاندر بيرد)، ومدفعية وتجهيزات متطورة للمخابرة والهندسة، وكانت الخطة طموحة وتهدف إلى تحويل وحدات المشاة إلى قوات مجحفلة محمولة خفيفة الحركة، وإلى بناء سلاحي البحرية والطيران وتزويدهما بمعدات وأسلحة متقدمة. غير أن ذلك قد جاء متأخراً جداً. ومن المفارقات العجيبة أن مسعى الحكومة هذا قد وفر أجواء وظروفاً مناسبة ساعدت على نجاح انقلاب سبتمبر:

• فقد تطلبت عملية إعادة التنظيم هذه تشكيل لجان ومجموعات عمل أدّت إلى انشغال رئاسة الأركان بكاملها، وانشغال قادة الصنوف والوحدات، علاوة على تكليف عدد من الضباط بمهام في هذا الإطار، وإيفاد مجموعات من الضباط إلى الخارج للتدرب على الأسلحة والمعدات الجديدة، وبدون شك فقد ولد ذلك فراغاً مكّن الانقلابيين من التحرك.

• ومن ناحية أخرى فقد كانت الآمال التي علقتها رئاسة الأركان على عملية إعادة التنظيم هذه كبيرة جداً، وكان ضباط الجيش حريصين على أن تتم هذه العملية، وأن لا يسمح لأي سب أن يلغيها أو يوقفها . ولهذا فقد تكتمت رئاسة الأركان على المعلومات التي بدأت ترد عن اجتماعات مشبوهة يعقدها ضباط، واحتمالات مؤامرة لقلب النظام. ولا يعرف يقيناً المسوغ الذي اعتمده هؤلاء الذين اتخذوا هذا القرار الخطير سوى خشيتهم من أن تبرّر هذه المعلومات للحكومة إلغاء إعادة تنظيم الجيش. وليس ثمّة دليل أن متخذي ذلك القرار قد احتاطوا بأي إجراء احترازي. ومرة أخرى يبرز عامل انعدام الثقة بين الجيش والحكومة.

وبدون شك فإن الركيزة الأمنية الرئيسية في داخل الجيش هي "جهاز الاستخبارات العسكري" ،غير أن رئاسة الأركان لم تول هذا الجهاز الأهمية المناسبة، ولم تكن مهامة الداخلية واضحة ومحددة، ولم تكن عناصره تتميز بكفاءة خاصة، ناهيك عن التأكد من ولائها للوضع القائم. وبالرغم من ذلك فقد تمكنت الاستخبارات العسكرية من اكتشاف أمر المجموعة الانقلابية، وكانت التقارير والمعلومات واضحة ولا تدع مجالاً للشك في وجود مؤامرة لقلب نظام الحكم، غير أن ضابط الاستخبارات المسئول عن هذه المعلومات – كان ينتمي إلى تنظيم آخر يسعى لقلب النظام – قام بالتقليل من شأن هذه التقارير، وربما يكون قد أخفى بعضها، وتطوع بإبلاغ الانقلابيين بأمر هذه التقارير ونصحهم بالاحتياط، بل إنه سعى إلى ضمهم إلى مجموعته أو الاتفاق معهم.

علاوة على ذلك فقد كانت "سياسة نشر الوحدات" تفتقر إلى التخطيط الاستراتيجي، ففي مدينة بنغازي لم تتمركز أية وحدة قتالية، وظل معسكر "رأس عبيدة" خالياً بعد أن نقلت منه كتيبة عمر المختار. هذا جعل في إمكان القوة الصغيرة في معسكر "قريونس" من أن تصبح القوة الوحيدة في بنغازي، مما مكّنها من السيطرة على المدينة بكل سهولة. وبدون شك فقد كانت بنغازي مسرح التحرك الرئيسي للانقلاب ومفتاح نجاحه.

ويوم الانقلاب كانت القوة الرئيسية لكتيبة المشاة السادسة في حالة حركة، متنقلة من معسكرها في مدينة الزاوية إلى مقر جديد، وعند الضحى كان رتل الكتيبة يخترق مدينة طرابلس، ولم يكن لدى آمر الرتل أىّ علم بحدوث الانقلاب إلا بعد أن أخطرته بعض عناصر الانضباط العسكري التي كانت تسيطر على أحد المفترقات. ولقد كان في إمكان هذه القوة أن تحدث فارقاً جوهرياً لو كانت بمعسكر الزاوية على مسافة 50 كيلومترا غربي طرابلس، كما كان في إمكان رتلها ذاك أن يحدث خللاً في ترتيبات الانقلابيين، خاصة وأنه لم يكن لديهم علم بحركة هذا الرتل. ولا يُعلم ما هي الأسباب التي دفعت قائد الرتل أن يتخلّى عن رتله دون حتى أن يعرف هوية القائمين بالانقلاب!!!.

حماية المنشآت الحيوية

ولعلّ "خلو المنشآت الحيوية" من أية صور الحماية كان له أكبر الأثر في تمكين الانقلابيين من الاستيلاء عليها دون أي جهد، فلقد كان مقر ولي العهد خالياً من أية حماية، ومع هذا فقد فشلت المجموعة المكلفة بإحتلاله والتي كان يقودها "الخويلدي الحميدي" من أداء المهمة، وتمكنت مجموعة أخرى بقيادة "عمر الحريري" من السيطرة على المقر واعتقال ولي العهد عن طريق الصدفة وحدها. وما يقال عن مقر ولي العهد ينطبق على كافة المقرات الحكومية الأخرى بما فيها رئاسة الأركان العامة للجيش وآمريات اللواءين (الأول والثاني). ومقرات قيادات الشرطة، بل إن "مقر الإذاعة" في مدينة بنغازي كان يقع في شارع عام، ولا يحرسه سوى جنديان من الشرطة وكل ما لديهما من سلاح بندقيتين، وكانت الهوائيات الرئيسية للإذاعة الواقعة في منطقة رأس عبيدة / بن يونس هي الأخرى دون حراسة على الإطلاق. وبدون شك فإن الاستيلاء على الإذاعة قد مكن الانقلابيين من تحقيق الخطوة الأساس في نجاح انقلابهم.

خاتمة :

...وبعد، فهذه المقالة ليست سوى إطلالة سريعة على أحداث وظروف سبقت أو تزامنت مع انقلاب سبتمبر في محاولة للإجابة على التساؤلات التي تحيط بانقلاب سبتمبر. ولا أدعي أن المقالة تكفلت بالإجابة على كل التساؤلات، لكن حسبي أنها تضع جملة من الحقائق والمعلومات بعيداً عن ادعاءات الانقلابيين وأكاذيبهم التي ما زالت للأسف الشديد تجد من يصدقها غفلة أو طمعاً.

إن الإحاطة بكل الجوانب التي صنعت انقلاب سبتمبر وإظهار حقائقها، كفيل بأن يكشف الأبعاد الكاملة للمخطط الذي استهدف ليبيا وشعبها وخيراتها، كما يؤدي بالكشف عن الأطراف التي وقفت ومازالت تقف خلف هذا المخطط الذي لم تكتمل حلقاته بعد. وبدون شك فلم يعد يخفى على أحد –سوى المكابرين والمعاندين- أن اتقلاب سبتمبر لم يكن سوى نتاجاً للغفلة والخيانة والتآمر:

• غفلة أبناء ليبيا عما كانوا يملكون، وعما كان يحيط بهم من أطماع، وعن حجم المخططات التي كانت تستهدفهم.

• وخيانة عدد من أبناء ليبيا سلمت لهم أمانة فخانوها وضيعوها، وكانوا مطية أهواء ونزعات جعلتهم مجرد أدوات لمخطط مرسوم.

• ومؤامرة خططت لها قوى أجنبية تحقيقاً لأطماعاها وتوسيعاً لمصالحها، وساهمت فيها أطراف إقليمية، ونفذها من نفذها مدفوعاً بأهوائه وأطماعه.
________________________

* نشر هذا المقال التحليلي على حلقتين في جريدة الحياة التي تصدر في لندن، وأعيد نشره في مجلة الإنقاذ وفي عدة مواقع على الشبكة. ومنذ نشر المقال تكشفت حقائق كثيرة تؤكد ما جاء في هذا المقال.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home