Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ibrahim Abdelaziz Sahad
الكاتب الليبي ابراهيم عبدالعزيز صهد


ابراهيم صهد

الأربعاء 2 يوليو 2008

       
             

من الذاكرة

حرب يونيو/ حزيران 1967 (9)

ابراهيم عـبدالعـزيز صهّد

باستثناء دول المواجهة، فقد كانت ليبيا من أكثر الدول تضررا وبصورة مباشرة من نتائج حرب حزيران/ يونيو، هذا الضرر لحق كيان الدولة ولحق الحكومة، بل إنه طال نظام الحكم بأكمله. وكان أحد مظاهر هذا الضرر ومسبباته في نفس الوقت هو إنكار كل الأطراف لدور ليبيا الإيجابي الذي تجاوز في الواقع حدود وإمكانات الدولة، وعاد هذا التجاوز بالضرر على المصلحة الوطنية العليا وبتحالفاتها الاستراتيجية. لم ينحصر إنكار دور ليبيا الإيجابي والتقليل منه في أوساط الحكم الناصري فحسب، ولكن شمل أيضا الشارع الليبي الذي كان يقاد يومها من قبل شخصيات تدور في الفلك الناصري. توافق هذا مع اشتداد حالة اهتزاز الثقة –إن لم نقل انعدامها- في كل الخطوات التي قامت بها الحكومة آنذاك.

ولم تكد إرهاصات الحرب تبدو في الأفق حتى وجدت الحكومة الليبية نفسها واقعة تحت ضغوط انصبت عليها من كل جانب، ضغوط داخلية وخارجية. وقد تمثلت الضغوط الداخلية في تحركات شعبية لم تعرف سقفا ولا حدا للمطالب التي ترفعها، ولم تراعى في هذه المطالب المصلحة الوطنية العليا، ولم تحسب حسابا لمحدودية القدرات الليبية عامة وقدرات الحكومة خاصة. كان يطلب من الحكومة الليبية أن تتخذ من الإجراءات والمواقف فوق قدرات ليبيا، وما لم تتخذه أية دولة عربية أخرى.

إن مراجعة للإصدارات والمطالب التي صدرت عن التجمعات التي برزت يومها، لا تبرز هذه الحقيقة فحسب، ولكنها تؤكد أيضا مدى الانفصام الكامل بين هذه التجمعات والحكومة بل وبين هذه التجمعات والمصلحة الوطنية العليا، وتبرز كذلك أن كل خطوات الحكومة الليبية لم تحظ بالتأييد والدعم بدرجة تتناسب مع حجم الضغوطات التي شكلتها هذه التجمعات، أوتتناسب أيضا مع حجم ما بذلته الحكومة الليبية آنذاك، وضاعت كلمات التنويه والشكر القليلة المتناثرة هنا وهناك في خضم ضجيج المطالب التي لم تتوقف.

كانت المعادلة جائرة ومختلة: فإجراءات الحكومة -مهما بلغت- فسرت على أنها ردود فعل ليس إلا، ونظر إليها على أنها ما زالت أقل مما يجب، وتضاءلت مبادرات الحكومة أمام المطالب التي لا تعرف سقفا. كل ذلك كان يتم في وقت كانت الآلة الدعائية الناصرية تبطل كل ما عداها، وتصمت كل صوت، وكانت الحكومة الليبية تمارس قصورا واضحا في إبراز ما تقوم به من مبادرات عجزت دول عربية أخرى أن تجاريها أو حتى تقترب منها.

أدى كل ذلك إلى تضاعف حالة الاحتقان الشعبي، وبرز الانفصام بين مكونات الدولة الليبية، وخاصة في صفوف الجيش الذي كان حقلا خصبا للشائعات، وكان الشعور طاغيا في صفوف الضباط بأن الحكومة لم تكن جادة في المشاركة القتالية في المعارك، وكان كثير من الضباط يعبرون صراحة وعلنا عن تشككهم في كل خطوات الحكومة، وسخريتهم من قراراتها. لم يتبادر إلى ذهن أحد –آنذاك- أن السلطات المصرية هي التي لم تسمح للقوات الليبية بالدخول إلى أراضيها، كما اتضح لاحقا.

لم يصدق أحد أن مصر لم تسمح بدخول القوات الليبية لثلاثة أسباب:

أولها: أن الحكومة الليبية لم تفدم أية توضيحات بالخصوص خاصة في أوساط الجيش حول الموقف المصري، وفي اعتقادي أن أية توضيحات للحكومة لن تقابل بالتصديق وذلك لنجاح الدعاية الناصرية في إبطال ما عداها، ولحالة الانفصام السائدة التي أشرنا إليها.

ثانيها: وهذا هو الأهم، فإن الدعاية الناصرية استمرت أثناء فترة الحرب بإعطاء انطباعات صريحة أحيانا بأن الحكومة الليبية لم تفعل مايجب عليها فعله، مع استمرار التحريض المعلن من إذاعة صوت العرب لليبيين بمهاجمة القواعد العسكرية والمصالح الغربية في البلاد. وقد استمر هذا الموقف المصري إلى ما بعد انتهاء الحرب وعلى الأخص كان واضحا في خطاب "التنحي" الذي ألقاه الرئيس المصري.

ثالثها: أن مصر فد سمحت للقوات الجزائرية القادمة عبر الأراضي الليبية بالدخول إلى الأراضي المصرية، ما يعزز أمام الرأي العام الليبي على الخصوص أن عدم المشاركة الليبية هي بقرار ليبي، وليس بسبب الرفض المصري... فها هي القوات الجزائرية يرحب بها!!!.

وإذا ما أحسنا الظن، فيمكن أن نرجع القرار المصري إلى عدد من العوامل، منها:

أولا: أن المعركة قد جرى حسمها منذ الساعات الأولى، ولم يعد هناك أية حاجة حقيقية للقوات. وحتى القوات الجزائرية التي سمحت السلطات المصرية بدخولها -والتي مرت عبر الأراضي الليبية- وصلت متأخرة وبعد قرار وقف إطلاق النار، ولم تشارك في المعارك.

ثانيا: مع تطور المعركة على كافة الجبهات، ومنذ الساعات الأولى، كان واضحا أن ما تحتاجه القوات العربية هو غطاء جوي قادر على التصدي للسيطرة الجوية الإسرائيلية وكسر حدتها أو التخفيف منها، وليبيا لم تكن آنذاك تمتلك سلاحا جويا يمكنه أن يقوم بما عجزت الأسلحة الجوية لثلاث دول عربية عن القيام به، ولا تمتلك سلاحا للدفاع الجوي يمكنه أن يقدم دعما دفاعيا يكسر سيطرة السلاح الجوي الإسرائيلي .

ثالثا: أن تسليح القوات الليبية يعتمد على الأسلحة الغربية، بينما أسلحة القوات المصرية سوفياتية الصنع، ما يصعب معه دمج أي تشكيل ليبي ضمن القوات المصرية، ويرتب خطوط إمداد معقدة وقد لا تكون مناسبة وتضاعف من الإشكاليات الإدارية (اللوجستية)، وقد يشكل هذا العامل فارقا بين القوات الليبية والجزائرية حيث أن تسليح الأخيرة سوفياتي.

هذا إذا ما أحسنا الظن بالنوايا المصرية، غير أن السلطات المصرية لديها أسباب سياسية أخرى، مؤسسة على الموقف الناصري من الحكم الملكي في ليبيا، وعلى الرغبة في إسقاط هذا الحكم أو إضعافه بما يجعله خاضعا للنفوذ الناصري، كذلك فلم يكن سرا رغبة السلطات المصرية –التي كانت سابقة حتى على الاستقلال، وحتى على الثورة المصرية- في بسط نفوذها على ليبيا وجعلها دولة تابعة تدور في الفلك المصري. كل هذه المقاصد كانت تدعو إلى استمرار المساعي لتفكيك الوضع القائم في ليبيا وإضعافه وإرهاقه. من ناحية أخرى، فكيف يمكن للدعاوى المصرية بتدخل القواعد العسكرية الأجنبية في ليبيا في المعارك، كيف لهذه الدعاوى أن تجد شيئا من القبول أو الصدقية في الشارع الليبي والعربي إذا ما كانت القوات الليبية تشارك بشكل ما في المعارك؟!!. ولهذا فإن عدم السماح للقوات الليبية قد شكل الخيار الأفضل لتعزيز الادعاءات المصرية، ولهذا أيضا فقد حرص عبد الناصر في خطاب التنحي بتوجيه الشكر إلى كل الدول العربية بالاسم واستثنى ليبيا والسعودية، وربما يفهم ويفسر وقتها لم استثنيت السعودية التي كانت علاقاتها مع مصر في الحضيض بسبب حرب اليمن، والسعودية ربما لم تفعل شيئا حقيقة في ذلك الوقت، لكن عدم تضمين ليبيا لقائمة الدول التي نوه بها عبد الناصر وتجاهل ما قامت به لا يمكن أن يفسر إلا في إطار السياسة الناصرية تجاه ليبيا، وامتدادا للمساعي الرامية إلى خلخلة الحكم القائم في ليبيا، وزعزعة الاستقرار.

لكن اللوم كله لا يمكن أن يوجه إلى النوايا والسياسات والحملات المصرية، ولكن بالتأكيد فإن غياب التوضيحات من رئاسة الأركان ومن الحكومة حول مسالة عدم مشاركة القوات الليبية في المعركة، وموقف العجز في مواجهة الحملات المصرية المركزة قد قادت إلى نتائج مباشرة وفورية في داخل الجيش، كما أدت هذه النتائج المباشرة إلى تداعيات بعيدة المدى على الأوضاع في الجيش الليبي الذي كان يومها يضطرم بشتى التوجهات القومية والناصرية وغيرها، علاوة ما كان يمور فيه من اتجاهات انقلابية، ومن تنظيمات كانت تتكاثر وتنشطر تسعى كلها إلى قلب الحكم(1).

أما النتائج الفورية المباشرة فقد تمثلت في تململ وتذمر في أوساط الجيش، وفي تدني غير مسبوق في الروح المعنوية وفي الانضباط العسكري، ما قاد إلى عدد من الحوادث التي يرقى بعضها إلى درجة التمرد والعصيان العسكري، والتي أكاد أجزم بأن أيا منها ما كان ليحدث، وما كان ليعالج –إن حدث- بهذا القصور والضعف، بدون توافر الأجواء والمناخات الضاغطة التي أفرزتها حرب يونيو.

وقد يكون من المناسب أن أشير إلى أربعة من هذه الحوادث:

أولها: حادثة سحب جميع منتسبي السلاح الجوي والطائرات القليلة التي يمتلكها السلاح من قاعدة الملاحة إلى مطار طرابلس المدني.

كان السلاح الجوي الليبي محدوداً جداً عدداً وعدّة، وقد خصّص للسلاح جزء في قاعدة الملاحة (ويلس)، وكان السلاح يستخدم إمكانات القاعدة (المدارج، وخدمات التوجيه والمراقبة، وحتى الإمدادات وقطع الغيار)، كما كان عدد من الضباط الأمريكان يساعدون في عمليات التدريب.

عند بداية الحرب طلبت الحكومة الليبية من الحكومة الأمريكية إيقاف العمليات في القاعدة بما فيها الطلعات الجوية، واستثنيت طائرات الخدمات (النقل والشحن)، وكلّفت لجنة مشتركة من ضباط سلاح الطيران ومن الضباط الأمريكان لمراقبة تنفيذ ذلك. ولسببٍ ما حدث خلاف في عمل اللجنة، قام على أثره قائد السلاح الجوي الليبي الرائد الهادي الحسومي بإصدار أمرٍ بنقل جميع منتسبي السلاح الجوي والطائرات القليلة التي يمتلكها السلاح إلى المطار المدني (مطار إدريس). هذا الإجراء كان خطأ فادحا من قائد السلاح الجوي لعدة أسباب منها:

1) أنه اتخذ القرار بمفرده دون استشارة رئاسة الأركان، الأمر الذي يوقعه في محظور التمرد والخروج على الأوامر العسكرية الصريحة، وهو الذي يفترض أنه كان مكلفا بتنفيذ سياسة الحكومة ورئاسة الأركان من خلال عمل اللجنة المشتركة بمراقبة القاعدة والتأكد من إيقاف عمليات الطيران الحربي في القاعدة، وإخبار رئاسة الأركان العامة بأية خروقات. ولذلك فهو قد تخلى عن مهمته.

2) لم يثبت حدوث مخالفات تستدعي مثل هذا الإجراء، فقد علمت من عدد من ضباط سلاح الطيران فيما بعد أن الطلعات الجوية للطائرات المقاتلة الأمريكية قد توقفت بالكامل طيلة مدة الحرب وهو ما نص عليه قرار الحكومة الليبية، وأن حركة طائرات النقل والشحن كانت عادية ولم يطرأ عليها سوى تغيير استدعاه قيام سلطات القاعدة بتسفير عدد من العائلات. ولا أذكر أنني وجدت أحدا –ممن تحدثت إليهم- كان يعرف على وجه التحديد السبب الذي دفع الحسومي إلى اتخاذ وتنفيذ قراره.

3) أنه حتى إذا افترضنا بحدوث مخالفات، فإن الانسحاب لم يكن إجراء صحيحا. فعلاوة على ما فيه من مخالفة صريحة للأوامر، وما ترتب عن ذيوعه في الأوساط العسكرية والمدنية من تداعيات، فإنه علاوة على ذلك قد ترك قاعدة الملاحة دون أن يكون بها الرقابة الليبية التي كان يمثلها الضباط الليبيون في اللجنة المشتركة، وإذا كان الانسحاب احتجاجا على مخالفات، فإنه قد ترك الحبل على الغارب أمام القاعدة لمزيد من المخالفات.

وقد سرى خبر هذا الإجراء سريان النار في الهشيم في أوساط الجيش. وبالرغم من خطورة الإجراء كونه يعد تمردا وخروجا على الأوامر في وقت الحرب، إلا أنَّه لا الحكومة ولا رئاسة الأركان قامتا بأيّة توضيحاتٍ أو إجراءاتٍ مناسبة في حينها، وعالجت الأمر بتكتم، الأمر الذي زاد من انتشار الشائعات حول المسبّبات التي دفعت بآمر السلاح الجوي إلى ذلك الإجراء. وبقي الأمر إلى تاريخ 14 يونيو حين أصدرت رئاسة الأركان بيانا جاء فيه:

" وعلى الخصوص فقد تمَّ إنجاز مهمّة الرقابة على قاعدة ويلس من خلال مراقبة مستودعات الذخيرة داخلها، ومن خلال منع دخول وخروج أيّ شيءٍ من هذه المستودعات، وكذلك منع الطائرات الرابضة على أرض القاعدة من الطيران، ولم يجرِ السماح لأيّ طائراتٍ بالتحرّك عدا تلك المكلّفة بمهمّة نقل العائلات وترحيلها."

لكن صدور البيان كان متأخرا ولم يقدم أو يؤخر شيئا في داخل الجيش. وعلى حد علمي لم تتخذ أية إجراءات بالتحقيق في هذا الأمر أو بمعاقبة آمر السلاح الجوي، سوى ما شاع يومها عن إجراءات تعزيرية شفهية –وصفت بأنها كانت عنيفة- قام بها رئيس الأركان، وصدور الأوامر بعودة السلاح الجوي –بطائراته ومنتسبيه- إلى قاعدة الملاحة.

أمَّا الحادثة الثانية، فقد كانت قيام ثلاثة من الضباط (ملازم/أول عمر الواحدي، ملازم/أول خليفة عبد الله، ملازم/أول حسين الكاديكي) بالانطلاق بمدرعتين من طراز صلاح الدين بكامل أطقمهما من منطقة تحشد القوات الليبية في البردي إلى داخل الحدود المصرية. لم تكن المسافة بين منطقة التحشد والحدود كبيرة، ولذلك فقد تمكنت المدرعات من اجتياز نقطة الحدود قبل أن يكون في إمكان القيادة الميدانية في البردي اتخاذ أي إجراء مناسب لوقفها، وقد حاول آمر كتيبة الدروع الثانية (المقدم فتح الله عز الدين) اللحاق بالمدرعات لإعادتها، ولم يتمكّن من ذلك بسبب قيام إحدى المدرعات بإطلاق الرصاص عليه وجرحه في يده، فتبين له أن الاستمرار في المحاولة غير مجدي وقد يتسبب في مزيد من الخسائر خاصة وأنه كان في سيارة غير مصفحة لا يمكنها وقايته ومن معه من الرصاص الذي ينطلق من المدرعات(2).

اقتحمت المدرعتان بوابة الحدود الليبية، وسمحت السلطات المصرية للمدرعتين بالدخول ورحبت بأطقمها، وأذيع الخبر في وسائل الإعلام المصرية. ولم تقم الحكومة الليبية بتقديم أيّة توضيحات (لا معلنة، ولا في الأوساط العسكرية)، ولم يتم اتّخاذ أيّ إجراء من قبل رئاسة الأركان بالخصوص، وترك الأمر للشائعات، وللشائعات أن تعمل عملها. زادت هذه الحادثة من حالة الاحتقان داخل الجيش، فها هي مصر ترحب بالمدرعتين وتثني على الضباط والجنود الذين قاموا بهذا العمل، ما يعزز الانطباع بأن عدم مشاركة القوات الليبية هو قرار ليبي، وليس بسبب رفض السلطات المصرية !!!.

وقد دفعت هذه الحادثة رئيس الوزراء السيد حسين مازق بأن يطلب من رئاسة الأركان بتحريك القوات المحتشدة في البردي إلى الأراضي المصرية وعدم انتظار موافقة السلطات المصرية، وقد علل في حينها هذا الأمر بأنه إن كانت السلطات المصرية قد رحبت بالمدرعتين وأطقمهما، فما الذي يمنع من الترحيب ببقية القوات الليبية، وقد أوضح له رئيس الأركان خطورة الإقدام على هذه الخطوة بدون موافقة السلطات المصرية، وما قد بترتب عن ذلك من تداعيات(3).

الضباط الثلاثة كانوا من وحدات مختلفة، وكانوا بنتمون إلى صنوف مختلفة، وكنت أعرف ثلاثتهم عن قرب:
أقدمهم هو الملازم أول خليفة عبد الله الدرسي، وهو من دفعتي بالكلية (الدفعة الخامسة)، وهو ضابط في إحدى كتائب المشاة. معروف عنه التلقائية والشجاعة لدرجة التهور.
الملازم أول عمر الواحدي، من الدفعة السادسة، وهو الوحيد من بين الثلاثة الذي ينتمي إلى صنف الدروع، وكان بعمل في كتيبة الدروع الثانية، ولذلك فقد كانت المدرعات المستخدمة تتبع للرعيل الذي كان يتولى إمرته، وهو الآخر معروف بالشجاعة والعناد، وقد عرفته بالكلية العسكرية، عندما كان طالبا في الفصيل المستجد، وكنت آنذاك بالفصيل المتقدم. أما الملازم أول حسين الكاديكي فكان يتولى إمرة فصيل مخابرة في إحدى كتائب المشاة، وهو من الدفعة السادسة أيضا، ومعروف بالكفاءة والمثابرة، وعلاوة على معرفتي له بالكلية فقد كان أحد ضباط المخابرة الذين توليت تدريبهم في مدرسة المخابرة، وكان أحد الضباط المشاركين في الدورة التي انفضت يوم اندلاع العمليات الحربية في الخامس من يونيو.

وإذا كان هؤلاء الضياط الثلاثة قاموا بعملهم هذا أثناء سير العمليات العسكرية مدفوعين بالرغبة الشديدة في المشاركة في القتال ظنا منهم بأن حكومتهم لا تريد ان تدفع بوحداتهم إلى أرض المعركة، إلا أن عملية مشابهة قام بها الملازم سليم الحجاجي بعد انتهاء المعارك بفترة طويلة لم تكن مبررة على الإطلاق ودلت على مستوى كبير في التسيب العسكري والأمني. قاد الحجاجي مدرعة عبر الحدود الليبية المصرية دون أن تعترضه أية عقبات.

بعد الحرب بفترة طويلة أعادت السلطات المصرية المدرعات الثلاثة مع الجنود، بينما بقي الضباط في مصر، ولم يعودوا إلا في الأيام الأولى بعد حدوث الانقلاب في سبتمبر(4).

الحادثة الثالثة كانت هروب الملازم أول طيار مفتاح الشارف والملازم أول فتحي بن طاهر بطائرة حربية هبطا بها في أحد المطارات في الأراضي الجزائرية، وطلبا من السلطات الجزائرية أن تسهل لهما الانتقال إلى مصر الأمر الذي لم تستجب له السلطات الجزائرية، وتمت إعادتهما إلى ليبيا(5).

وقد حوكم الضابطان وصدر بحقهما حكم بالسجن، وقد سجنا أولا في أحد المعسكرات بطرابلس، وقد زرتهما في المعسكر وكانت إجراءات الزيارة ميسرة للغاية، ثم نقلا إلى سجن الجديدة، وكان الضباط من مختلف الصنوف يقومون بزيارتهما خاصة أيام الجمع ويقومون بإحضار الطعام ويتناولونه معهما ومع غيرهما من السجناء(6).

فتحي بن طاهر من خريجي الكلية العسكرية الملكية الدفعة الخامسة (من نفس دفعتي)، ثم التحق بعد تخرجه بسلاح الطيران وتلقى تدريبات في الولايات المتحدة على أعمال المساندة والصيانة. أما الشارف فكان من خريجي كلية الطيران الإيطالية، وكان أحد طالبين أوفدا لدراسة الطيران بإيطاليا، الطالب الآخر كان فرج البدري الذي توفي في حادث سقوط طائرته أثناء التدريب في إيطاليا(7).

بعد الانقلاب خرج الإثنان من السجن واستمر بن طاهر يعمل في السلاح الجوي لفترة من الوقت، أما الشارف فقد اعتقل ضمن مجموعة الحواز وبقي في السجن إلى عام 1987.

أما الحادثة الرابعة فهي قيام (الرائد أو المقدم)(8) مصطفى القريتلي بارتكاب جريمة بشعة بقتله عددا من اليهود الليبيين، واستخدم في ذلك عددا من الجنود، وارتكبت الجريمة في ميدان الرماية في طرابلس. مصطفى القريتلي مشهور بين ضباط الجيش بغرابة أطواره، وبتلبسه بحالات نفسية بين حين وآخر حيث يصبح خلالها عصبيا ومتهيجا، كما يعرف عنه عدم المبالاة. لكن هذه الجريمة قد كشفت مستوى التسيب الذي بلغته الأوضاع بالجيش، وبأن ضابطا يمكنه بإصدار أوامر عسكرية أن يستخدم جنودا وأسلحة تحت إمرته في ارتكاب جريمة قتل بشعة كتلك التي ارتكبها القريتلى. وقد حوكم القريتلي وصدر بحقه حكم بالسجن، وكانت جريمته غير المسبوقة نقطة سوداء.

علاوة على هذه الأحداث، فقد وفرت الحرب فرصة استغلتها بعض التنظيمات التي كانت تخطط لقلب نظام الحكم، وذلك لتجند عناصر جديدة وضمها إلى تنظيماتها. شكل تحشد قوات اللواء الأول في البردي تجمعا غير مسبوق ومناسبة لالتقاء أعداد كبيرة من الضباط وضباط الصف والجنود، كما استـثمرت هذه التنظيمات حالة الإحباط المترتبة عن الهـزيمة وعن عـدم مشـاركة القوات الليبية في المعركة أيما استغلال. والذي عرفته(9) أن مساعي التجنيد كانت محدودة النجاح ولم تكن فعالة، ولكن الحوارات التي تمت في إطارها عززت حالة الانفصام بين الجيش والحكومة، ووسعت هوة عدم الثقة بين الضباط وقياداتهم المدنية والعسكرية. والذي عرفته أيضا أن الحرب كانت سببا مباشرا في انقسام أهم هذه التنظيمات وأكبرها إلى مجموعات صغيرة، وكان الانقسام بسبب الاختلاف على ما كان يتوجب فعله آنذاك(10). وبالرغم من أنني لم أنتم إلى أي من التنظيمات، ولم أكن ممن يرون أن الانقلابات العسكرية خيارا مشروعا، إلا إنني أعتقد أن ذلك التنظيم كان يشكل أفضل التنظيمات وأقدرها، ويحتوي على شخصيات تتصف بالحكمة والكفاءة، كما كان توزيع أعضائه على الوحدات يتيح إمكانية التدخل والحسم في الظروف المشابهة لما حدث ليلة أول سبتمبر. علاوة على أن هذا الانقسام خلق فراغا وكان عاملا مساعدا في إتاحة مزيد من الفرص أمام تنظيمات أخرى.

هكذا خلفت حرب يونيو 1967 ليبيا، وهكذا كانت آثارها على الجيش الليبي وعلى الشارع الليبي .. هذه النتائج والآثار كانت نتيجة لحالة استلاب الشخصية وضياع الوعي الوطني والانجرار المطلق لما يرد من خلف الحدود. حالة كانت سائدة آنذاك في معظم الأوساط والشرائح الليبية. وكان ثمن هذه الحالة غاليا وكارثيا، خاصة وأن النتائج الوخيمة التي أفرزتها حرب يونيو ظلت كما مهملا ودروسا لم يجر الاستفادة منها، ولم يتم العمل على سد الثغرات في الجدار الوطني الليبي التي كشفت عنها الحرب، ولم يتم معالجة حالة الانفصام التي كانت تنهش جسد الإرادة الوطنية الليبية، وترسخ هوة التباعد بين مكونات الدولة، وتحجب بأستار كثيفة حقائق المواقف بيننا وحولنا، وتبقي الوعي الوطني رهينة للنوايا والمؤامرات الأجنبية.

انتهت
________________________________________________

(1) قد يفسر امتناع الحكومة الليبية عن الرد على الحملات المصرية بأنه متابعة للسياسة التي كانت متبعة لدى كل الحكومات الليبية المتعاقبة بعدم الانجرار إلى المهاترات الإعلامية، وقد يفسر أيضا بأنه من قبيل تجنب الدخول في معركة إعلامية في ظروف الحرب القائمة. وفي يقيني فأن أية معركة إعلامية مع الماكينة الدعائية الناصرية محكوم عليها بالفشل مسبقا، لكن العجز الحقيقي الذي تؤاخذ عليه الحكومة هو عدم تقديم توضيحات حول مسألة عدم سماح السلطات المصرية للقوات الليبية بالدخول إلى أراضيها للانضمام إلى الجبهة المصرية. لقد كانت هذه التوضيحات أكثر من ضرورية ومطلوبة في إطار الجيش الليبي على وجه الخصوص.
(2) لم يكن أمام المقدم فتح الله عز الدين من خيار عندما استخدم سيارة غير مصفحة للحاق بالمدرعات، ويكمن السبب في أن سرعة المدرعات بطيئة بالمقارنة بالسيارة العادية، فهو أراد اللحاق بالمدرعتين اللتين كانتا في الطريق نحو الحدود المصرية، ولم يكن في ظنه أن الأمر سيصل إلى قيام إحدى المدرعات لإطلاق النار عليه، كما لم يكن الوقت متاحا للقيام بأي عمل آخر..
(3) هذه المعلومات كانت قد رشحت في أعقاب الحرب في أوساط الجيش، وتأكدت منها شخصيا في محادثة لي مع بعض ضباط رئاشة الأركان اثناء احدى زياراتي إلى رئاسة الأركان بالبيضاء ، كما أن السيد حسين مازق أشار إلى هذا الأمر في المحاكمة التي مثل أمامها بعد الانقلاب. .وبدون شك فقد كان رئيس الوزراء يشعر بالضغوط في الأوساط الشعبية والعسكرية، وربما كان يريد أن يضع السلطات المصرية أمام أمر واقع تقبله أو ترفضه بما يوضح الموقف في الحالتين، كما أن ذلك يكشف حالة الإحباط التي بلغها رئيس الوزراء من الموقف المصري، ولكن رئاسة الأركان –محقة في ذلك- كانت تدرك ما يترتب عن الزج بقوة تقترب من حجم اللواء من أبعاد تكتيكية ولوجستية وسياسية إن تمت بدون ترتيبات مسبقة مع السلطات المصرية.
(4) لم يبق هؤلاء الضباط بعد عودتهم في عملهم بالجيش إلا لفترة وجيزة، فقد اعتقل كل من عمر الواحدي وخليفة عبد الله وسليم الحجاجي بتهمة المشاركة في المحاولة التي قادها المقدم آدم الحواز، وحكم على الواحدي بالإعدام، ولا يعرف مصيره حتى الآن على وجه الدقة وإن كانت الشواهد تدل على أنه قد قتل في السجن ، أما خليفة عبد الله فقد حكم عليه يالسجن ولم يخرج من السجن إلا عام 1987، وحكم على الحجاجي بالسجن وأطلق سراحه بعد ما يقارب سنتين ثم التجأ في وقت لاحق إلى العراق والتحق بالجيش العراقي وترقى في الرتب حتى رتبة عميد ثم تقاعد. ، أما حسين الكاديكي فقد قتل في الثمانينيات في حادث سيارة يشتبه أنه كان مدبرا.
(5) لست متأكدا مما إذا كانت السلطات الجزائرية لم توافق على تسهيل انتقالهما بقرار منها أو بناء على تشاور مع مصر، أو أنها قد أعادت الضابطين بناء على طلب الحكومة الليبية وبدون موافقتهما، أم أنهما قد طلبا العودة بعد رفض السلطات الجزائرية نقلهما إلى مصر.
(6) وصف كثير من الضباط أيام الجمع بأنها تحولت إلى "زردة" في الجديدة، في ذلك الوقت كان بسجن الجديدة بعض السجناء من المجموعة المعروفة باسم (106)، وهي تابعة لتنظيم القوميين العرب.
(7) فرج البدري كان طالبا معي في نفس الفصل في المدرسة الثانوية في بنغازي، وقد كان فنانا موهوبا ، وكانت رسوماته رائعة ويتم عرضها في المعرض السنوي للمدرسة. وعندما توفي كنت طالبا في الكلية العسكرية حيث كنا (طلاب الكلية) في استقبال الجثمان ضمن مراسم الجنازة العسكرية، وقد نقلت طائرة حربية إيطالية الجثمان إلى مطار بنينة، وكان برفقته وفد عسكري إيطالي قدم لتقديم التعازي، كما كان برفقة الجثمان زميله في الدراسة مفتاح الشارف. وقد دفن في اليوم الثاني في قمينس.، وأجريت له جنازة عسكرية شكل طابورها من بيم طلبة الكلية العسكرية.
(8) لا أتذكر على وجه اليقين رتبته العسكرية.
(9) هذه الاستنتاجات مؤسسة على معلومات استقيتها من كثير من الضباط الذين كانوا ضمن القوات المحتشدة في البردي، ومعظمها كانت عبر حوارات امتدت إلى ما بعد الانقلاب العسكري..
(10) وهو تنظيم كان جل أعضائه من خريجي الكلية العسكرية العراقية، وكان بعض قياداته من خريجي مصر، كما كان عدد من أعضائه من خريجي الكلية العسكرية الملكية. وقد استقيت معلومات الانشقاق من أحد قيادات هذا التنظيم الذي كانت تربطني به علاقة متينة قبل الانقلاب وبعده واستمرت إلى أن انتقل إلى رحمة الله تعالى (أجد حرجا في تقديم مزيد من التفاصيل حول هذه التنظيمات، كما أجد نفس الحرج في الكشف عن اسم الضابط الذي ذكرت والذي أكن له كل تقدير وحب كما رافقته في ظروف غاية في الصعوبة كان خطر الموت فيها على قاب قوسين أو أدنى .. رحمه الله رحمة واسعة )


       
             
Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home