Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim Abobaker Belaid
الكاتب الليبي سليم أبوبكر بالعيد

Saturday, 14 July, 2007

لا تـثريب... فالحقائق والأوهـام : نموذجان

سليم أبوبكر بالعيد

• طالعنا الأستاذ المجريسي بمقال يتدلى من علياء الحكمة -كالعادة - يتناول أزمة المعارضة، في شقّه الأول ترويج لحكايات فقدت قيمتها، وفي مثالب شقه الآخر قلب للموازين في ديباجة معروفة في كلام يمشي عليه عمد، أي فارغ تقفز فيه الفكرة مثل القط من مكان إلى مكان آخر.
تسترسل تلك المقالة في إيقاع من الكياسة والعبقرية وفقر الحجة وثرثرة اللسان، بدا فيها كذاك الأستاذ المفوّه القدير والناقد المتفرد بالحكمة، ولم يتردد في استعمال كلمات قاسية أقرب إلى الشتيمة، في إدعاء أنه أراد في هذا المقال المنفلت من عقاله التأكيد على شيئين وحسب :( أولا، أن المعارضة الليبية ليست المعارضة الوحيدة التي أخفقت في تحقيق هدفها الأساسي.
ثانيا، الرد على التحامل الرخيص الذي يصدر عن أقوام لم يقدموا شيئا للعمل الوطني غير ثرثرتهم المتواصلة...)
• وعند الاسترسال مع ماخطّه هذا اليراع المثرثر نجده قد زاغ وانحرف عن مقاصده لكي يتحول وبقفزة بهلوانية إلى مهاجم متمعن في الهجوم على طرفين من أطراف المعارضة أحدهما بدا لنا في عالم المجهول الاستنباطي، أما الطرف الآخر فهو بيِّن يشار إليه بالجيل الجديد من المهاجرين، هذا وقد سارع ينهال عليهما نهشًا وطعنًا وكرهًا، مستندًا إلى أوهام وأمان معتقدًا فيها اليقين و"الحقائق" كان قد استعارها من طواحين الهواء في محاولة خبيثة للطعن في ولاء الناس لأوطانهم. لامحالة فالغيظ كان يملأ صدره، كذا وقد اتسم به. وعند التدقيق أكثر يقف المرء أمام صاحب المقال وقد أضحى مقاول الوطنية الأكبر، يهب المجد لمن يشاء وينزعه عمّن يشاء عبر عملية ذهنية لاتخلو من سذاجة في النقد وسطحية في التحليل يبقى من السهل على الأحداث والوقائع ذاتها تفنيدها ودحضها. فالمقال تسيطر عليه نزعة انفعالية، ويعاني من فقر نظري، ويتبع نمط الذهنية العسكرية، كما أنه يقع في أسر الغضب الجامح الذي قاده - دفعا - إلى نفي الآخر، كما وقد اتسم بتغليب التملق على الحقائق وحجب الواقع بكثير من الدهاء، وسد أبواب الكلمة ببراعة فائقة، فكان يعاني من الارهاصات النفسية في البحث عن التمييز بين "الحقائق والأوهام" تتداخل فيه الأوهام بالاوهام.
• في هذه الاجواء من الصخب والانفعال والثرثرة الزائدة كان أن ظهر المقال قاسيًا مع الجيل الجديد وأقرب للعداء والاستفزاز منه للتحليل الواقعي، وذلك عندما قام باستهجان من يختلف معهم قائلا بأنهم لم يقدموا شيئا للقضية الوطنية غير الظهور في المواقع الالكترونية سعيا (للشفاء النفسي). والظاهر أنَّ، وفي جانبه المتملق، أراد صاحب المقال أن يرفع من شأن تنظيمه السياسي السّابق المتعدّد المواهب والقارات، فقام برفع شأنه ضالعًا في حرب تستهدف طرفًا سياسيًا آخرًا تمّ إقحامحه إقحاما تعسفيًّا جائرًا جعلنا ندخل في عالم من التكهنات والتخمينات إذ جاء في مقاله عن ذاك الطرف : (لايمكن لمعارضة في وزن الانقاذ في الثمانينات، والتي كانت تملك مكاتبًا وفروعًا في أربع قارات، أن تتحالف مع تنظيم كل رأسماله آلة كاتبة وصندوق بريد، أو تترك تصوراتها... وتتبنى تصورًا من تنظيم هزيل).
• هنا على وجه التحديد تظهر القوة الداخلية المتأزمة التي تلغي الزمن والمسافات علّها تعيد الأشياء إلى لحظة مجدها الأول الزائف انطلاقًا من صور كلامية تكشف عن تفرد المقال وبإمتياز عن غيره في مجال الخرافة. فنحن لانعرف على وجه الدقة هوية هذا التنظيم "الهزيل"، ولكننا نعرف أن تصورات هذا التنظيم ذو الوزن الثقيل المحمّل باجتهادات أعضائه، وعندما فوجئت بغير المتوقع قد إندثرت بعد أن إزدادت هامشية عبر السنين حتى تلاشت بتلاشي مشروعاتها وبرامجها، وهدأت حتى خمدت من تلقاء ذاتها إلى أن انجزت فشلها في تحقيق أهدافها.
• غير أنّ هذا الهجوم على ذلك التنظيم "الهزيل" لم يكن إلا حجابًا شرع صاحب المقال يلوذ به لكي يحجب ازمته مع ذاته والتي تجعله يقف عاجزًا على أنْ يخفي عقليته العشائرية البارعة في إزدراء ومصادرة حق الآخرين إضافة إلى تمويه الحقائق وطمس الواقع سيما حين وجد نفسه معلقًا في الفراغ حرصًا منه على التشبث بالسراب. ولاسبيل إلى الشك، فإذا ضاقت المقاعد الوثيرة بالذي فوقها، فلابد أن يقع شيء ما، فلابد أن يبقى في الذات ندم مفزوع. ولكن الأحداث أتت ببرهان مضاد، وهذا يعني أن مقال المجريسي يعاني أزمة، وأزمته تكمن في التالي :
• يعترف المتفتِّق حكمة بأنّ المعارضة متأزمة ولكنه أشاح بقلمه عن البحث بالتحليل في مكامن هذا التأزم والاخفاق، وطفق يجوب داخل غشاوة سرده السطحي، محملاً فشله وفشل معارضته لمن ليس في عشيرته، موصدًا الابواب في وجه الجيل الجديد، مُبجلاً حتى القداسة ذلك الذي تربّع في اربع قارات مدهوش الرأس بلغة يقطر منها الندم و الإحساس بالذنب محاولاً تهميش اسهامات الآخرين بلغة تقرأ فيها العدم والحقد والاستفزاز دع عنك الانقلاب على الواقع وحجب الحقائق.
• تعامل صاحب المقال مع الآخرين بانتقائية مزاجية ممزوجة بالكراهية تضميدًا لجرح نرجسي، وهذا شأنه الخاص الذي لاينازعه فيه احد، ونصب نفسه - وهذا من عنده - منظرًا عارفًا ومعلمًا بارعًا وهذا أيضا له فيه ماشاء ولاتثريب في ذلك أيضا، ولكنّه ليس بموقع يؤهله أن يقوم -جزافًا- بتقييم الناس وفرزهم كما يحلوله إرضاء للذات النرجسية.
• يبدو أنّ آمال صاحب المقال العريضة التي تداخلت مع نفسه العالمة طوال هذا العدد من السنين فوق مكتبه الوثير سرعان ما انقلبت إلى خيبة مرة دفعت به إلى التحريف وخداع الذات متسترا بتنظيمه القديم بعملية تعويضية بهلوانية لأسباب جلية ولمهمة ازدرائية تافهة خالية من النبالة والكياسة.
• لايكفي أن يقوم صاحب المقال بالهمز والغمز والتلون خلف الكلمات المتناثرة المتنقلة في صورها بين الكبرياء و الزيف، ولاينبغي أن يتركنا هكذا من دون بيّنة كحال الألغاز دائمًا، فكان عليه أن يفتح بصرنا وبصيرتنا ويكشف لنا الحُجب معلنًا مقاصده حتى نحظى بمعرفة اسم ذلك التنظيم " الهزيل" على الأقل من باب المعرفة ومن باب أن يطّلع الجيل الجديد على هوية المقصود بالتصغير لاسيما أنّ الجيل الجديد تعوزه الحكمة والفراسة التي يحظى بها المتفتق حكمة.
• في تقديري، لا أحديتذكر إن كان هناك أية تنظيم في الثمانينات طلب من الانقاذ التحالف معه، بل لايزال يتذكر بعضنا بأن تنظيم القارات - وعلى عكس مما يفتريه صاحب المقال - كان قد طلب من الجميع أن يتخلوا عن تنظيماتهم لاجل الانضمام تحت لوائه والانصياع لبرنامجه النظالي المعلق فوق الرؤوس، وتحت عَلَمِه الأزرق والأصفر، وإتباع دستوره المقدس "المشروع الحضاري"، والسير على سبيل ديموقراطيته الرشيدة والصياح خلفه لترديد نشيده "الله أكبر" - الذي طالما أنشده في القاعات الواسعة - ومن ليس بالمتحالف فهو كافر وملحد وشيوعي وبعثي وقومي واشتراكي أو ماتجود به قريحة تنظيم الأربع قارات.
• في قطعه للمسافات وبعد أنْ هجع على الجنب الذي يريحه يقول صاحب المقال إنه :( لايوجد فصيل معارض ليبي إلا و ارتكب أخطاء، بعضها كان جسيما وخطيرا، ولكن ليس بينها عدم تبني الدستور الليبي). ولكن الواقع يبقى أكثر بينة وجاذبية من الكلمات، ومهما خادع صاحب المقال وتفنَّن، ومهما حاول أن يُقنع نفسه وغيره عبر هذا المخزون الهائل من السطحية، فإن أسماء الفصائل تدلّل على ذاتها وعلى عدم صدق مقولته.
• هذا اللباس التنكري خلف عبارة(لايوجد فصيل)، يزجّ بنا في حلبة صراع الفصاحة والاقناع الاعتباطي ويرمي بصاحبه في عوالم النسيان والتناسي، بله فكان قد تخطفه النقص فأضحى مطروحًا مرة واحدة وإلى الأبد عاجزًا عن مصارحة الذات والاعتراف بالحق، حق الآخرين. وعند هذه النقطة بالذات لاتثريب فالأستاذ حكيم وليس على الحكيم من حرج، بل ونلتمس كل الاعذار لهذه النرجسية في تحقيق هذا السبق المهم.
• لاريب فلقد انتهت محاولته إلى الفشل، وانطفأ هذا الخيال الجامح، أما فقدان الذاكرة ثمّ استعادتها في وقت متأخر وقد ظهرت في فوضى من التناقضات والتبجيل فهي دلالة للقحط ولذا لا أحد يطالبه بأن يغيّر أقواله وقناعاته المليئة بالمرارة فعليه أن يسكنها مع هذه الأسئلة :
1. كيف يمكن لتنظيم لم يكن رأسماله سوى آلة حاسبة وصندوق بريد أن يُربك صاحب المقال ويقضي مضجعه ويجعله يهلوس ويرفس إلى هذا الحد ؟ فكيف يمكن لتنظيم "هزيل" وفي ذاك الحجم أن يجعل من صاحب المقال يفرد جُلّ مقاصده تهجمًا على هذا التنظيم ؟ بل كيف يمكن لتنظيم " هزيل" أن يذهب بعقل إنسان إلى هذا الحد ويفقده توازنه ويجعله يبلبل بلبلة الحيران ؟ هل على المرء أنْ يبكي طويلاً حتى يكفِّر عن الضحك ؟
2. هل كان صاحب المقال يبحث عن ذاته أم كان يسعي للثرثرة (علاجًا لنرجسيته)؟ كيف اطلق العنان لقلمه المتشرد وغدا كما يفعل الطغاة يصف البعض بأنهم (لا يكتبون إلا لعلاج امراضهم النفسية)، أو لكي (يكونوا في أضواء المواقع الاليكترونية)؟ فمن أعطى له الحق وسلطة تشخيص كتابات الناس بهذه العنجهية وهذا الأرق الذي يعكس مدى عمق "مرضه النفسي" وخوائه الفكري؟ كيف يمكن للمرء أن يتغير إلى الدرجة التي يفقد فيها صلته بما كان عليه وبالواقع؟ وكيف يقوى على ذلك دون أن يفقد جزءًا من ذاته؟

سليم أبو بكر بالعيد


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home