Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Sulaiman Abdallah
الكاتب الليبي سليمان عـبدالله

Tuesday, 26 June, 2007

تعـقيبات وتعـليقات...
وحقيقة الخلاف مع الدكتور عـبدالحكيم الفيتوري


سليمان عـبدالله

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى .. اما بعد..

فقد كنت وعدتُ في مقالتي السابقة (من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب)(1) بوجود تكملة لها اذا أمد الله في العمر وسهل في الامر..غير أن هذه التكملة قد اتجهت الى جهة لم تكن مقصودة وقتها ولله الامر من قبل ومن بعد , ومرد ذلك هو وصول بعض التعليقات حول المقالة من بعض الاخوة الاحباب ممن لا يُرد طلبهم , ولا يُستغنى عن رايهم , والتي في مجملها وغالبها الاعم مرحبة ومؤيدة , وبعضهم نقل ملاحظات سلبية لقراء اخرين , فرأيت أن تكون هذه المقالة في بيان بعض الامور التي أراها مهمة مع الاجابة عن التساؤلات المثارة ..وتتلخص تلك الانتقادات في النقاط التالية:

• إن المرء اذا أراد أن يتنقد الاخرين فلابد أن يكتب باسمه الحقيقي حتى يعرف الطرف الاخر صاحبه ويقرر وقتها أن يرد أو لا.

• أن النقد لابد أن يكون باسلوب علمي بعيد عن تصفية الحسابات الشخصية, والطعن في النيات, ولا يحمل أي تهجم أو قدح أو تحقير.

• انك ذكرت عبارة غامضة وحمالة لمعاني كثيرة وربما يحملها البعض على أسواء المعاني , والعبارة المقصودة هي(وختاما أعلم – يا أبا سلمان – أن سجل التاريخ كتاب مفتوح لمن يريد قراءته , وأن أحداث الامس لازال شهودها احياء يرزقون فلا تحاول أن تتنصل من تاريخك الحركي , و تدعي الحكمة بأثر رجعي , وتلبس ثياب المفكر الحاذق والعالم المجتهد وأنت الذي شهد لك من عاشرك و خالطك بالتقلب السريع والانتقال من الفكرة ونقيضها في أوقات متقاربة...ولو أردت لفصلنا لك وأوضحنا لكل من لا يعرفك اضطرابك الفكري وتخبطك الشرعي.).

وللرد على ما مضى أقول مستعينا بالله:

أولا:

لقد تقرر أن الحق لا يُعرف بالرجال، ولكن الرجال هم الذين يُعرفون بالحق – كما يروى عن على رضي الله عنه - وأن الحق ينبغي ان يُقبَل من أي كان ولو كان يهوديا أو نصرانيا بل وشيطانا كما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصته مع الشيطان الذي علّمه قراءة آية الكرسي إذا أوى إلى فراشه، وأنه سوف يكون محفوظاً من الله ولا يقربه شيطانٌ حتى يصبح، فاخبر أبوهريرة النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال (أما إنه قد صدقك وهو كذوب).
يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله في تعليقه على هذا الحديث (وفي الحديث من الفوائد: أن الحكمة قد يتلقاها الفاجر فلا ينتفع بها؛ وتُؤخذ عنه فيُنتفع بها؛ وأن الكافر قد يصدق ببعض ما يصدق به المؤمن ولا يكون بذلك مؤمنا)ا.هــ ويقول الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي في شرحه لكتاب الاعتقاد لابن الفراء ( فدل على أن الحق يقبل ممن جاء به، إذا جاء بالحق شيطان قبلناه، إذا جاء بالحق كافر قبلناه، إذا جاء بالحق فاسق قبلناه، وإذا جاء بالباطل شخص حتى ولو كان مسلم جاء بالباطل نرد الباطل؛ الباطل مردود حتى ولو كان شخص مستقيم غلط وجاء بالباطل نقول: أنت أخونا ومستقيم لكن هذا الباطل نرده عليك، ومن جاء بالحق قبلناه منه ولو كان من اليهود ولو كان من الفساق ولو كان من الشياطين نقبله).ا.هــ

وتأمل بعين الانصاف – كما ذكر ذلك ابن حزم رحمه الله في كتابه الإحكام في أصول الأحكام - وصية ابن مسعود رضي الله عنه لرجل طلب منه ان يوصيه بكلمات جوامع...فقال له ابن مسعود ( اعبد الله ولا تشرك به شيئا ، وزل مع القرآن حيث زال ، ومن أتاك بحق فاقبل منه ، وإن كان بعيدا بغيضا ، ومن أتاك بالباطل فاردده ، وإن كان قريبا حبيبا ) ا.هــ

ويبقى السؤال المهم الذي يحتاج الى اجابة واضحة وصريحة منا جميعا لاسيما معشر الاسلاميين..منذ متى كان معيار قبول الحق والاذعان له والتسليم به مرهون بمعرفة قائله, وموقوف على تحديد اسمه؟؟

ثانيا:

إن هذا العلم دين ولابد أن يؤخذ عن اهله ,و يفهم كما فهمه الاولون, وأن هذه الأمة لن يصلح آخرها الا بما صلح به أولها وما لم يكن ذلك اليوم دينا فلن يكون اليوم دينا كما روي عن الامام مالك رحمه الله..وأعني بذلك الاصول والقواعد التي أستنبطت من الكتاب والسنة لفهمهما, أما الفقه ومسائله المتجددة فلاشك أن لعاملي الزمان والمكان دورهما الكبير في فتوى الفقيه كما حدث للشافعي رحمه الله عند انتقاله الى مصر.

ان أخطر ما نعانيه اليوم في واقعنا المعاصر هو أن طائفة من بني قومنا, يتكلمون بألسنتنا, ويعيشون بين أظهرنا قد أخطأوا الطريق, وتنكبوا السبيل, وسعوا الى فهم ثوابت الدين ونصوص الكتاب والسنة بمعزل عن اهل العلم , وبعيدا عن منهج الاستدلال والنظر, فضلوا وأضلوا , وشوشوا على المسلمين دينهم , وشككوهم في سنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم – تحت دعاوى زائفة , وشعارات براقة , وتقسيمات ليس عليها أثرة من علم , أو بقية من نور.

والادهى من ذلك أن البعض – من حيث لا يدري أحيانا – يجامل هؤلاء ويبرر أخطاءهم الجسيمة, وجراءتهم على فهم دين الله دون أن تاخذه الغيرة على شرع رب الارض والسماء فيأخذ على أيديهم اخذا , وليأطرنهم على الحق أطرا , وليقصرنهم على الحق قصرا .

لا أدري حقيقة لماذا تحمر أنوف, وترعد سيوف, وتنقبض قلوب اذا انُتِقدَ البعض فيما يكتب , وتُعقب فيما يقول, وأسُتدرك عليه فيما يسطر , وكأنه أفضل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كان شعارهم أن الحق أحب الينا من أهلينا واخواننا ومن على الارض جميعا, وأفضل من الذين جاؤا من بعدهم وهم يرددون: فلان حبيبنا ولكن الحق أحب إلينا منه.

روى البخاري رحمه الله في صحيحه عن هزيل بن شرحبيل قال:( سئل أبو موسى الأشعري عن ابنة وابنة ابن وأخت فقال: للابنة النصف وللأخت النصف وأت ابن مسعود فسيتابعني فسئل ابن مسعود فأخبره بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين أقضي فيها بما قضى النبي صلى الله عليه وسلم النصف للبنت ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت , فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم).

لقد كان في إمكان ابن مسعود رضي الله عنه ان يبرر لصاحبه أبي موسى الاشعري – تماما كما يفعل البعض اليوم- لاسيما وأن الموضوع برمته أصبح على روؤس الاشهاد وأمام أعين الملا..لكن ابن مسعود رمى بكل هذه المصالح الموهموة وراء ظهره , فأبان الحق , وأوضح الصواب فيما استفتي فيه...ثم تأمل موقف أباموسى الاشعري بعد ذلك وهو الذي أظهر ابن مسعود خطأه علانية أمام الناس..حيث يصفه بالحِبر..وياليت بعض إخواننا يعيدون قراءة هذا الاثر الصحيح , ويدققون النظر في معانيه , ويستخرجون درره وفوائده !!

ثالثا :

إن الواجب الشرعي تجاه من تطاول على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم , وجعل عقله القاصر وفهمه المحدود حَكَمَا عليها , ومفسرا لها دون ان يلتزم اصول أهل العلم وفهم شراح الاحاديث وقد قال الله تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}, أن يبين له خطأه, ويوضح له غلطه ,ويضرب برأيه عرض الحائط , فان أصر وكابر , وعاند واستكبر فلابد من التحذير الشديد منه وزجره والاغلاظ عليه لئلا يغتر بقوله من لا يعلم , وتتعلق الشبه بقلبه, وذلك حتى يرتدع عن بدعته ,ويرجع الى صوابه , ويؤؤب الى جادة الصواب, ويفئ الى ظلال الكتاب والسنة بفهم أهل العلم ومنارات الهدى.

إن التلطف في العبارة , والتودد في الاسلوب, والتحبب في التعبير قد لا يصلح أحيانا مع هذا الصنف المتعالم وذلك لفداحة الخطأ, وعظم الجرم , وصعوبة التراجع , وقد جُرِبَ هذا الاسلوب من قبل مع بعضهم لكن الواقع أثبت أنه لم يجدِ نفعا , ولم يحقق نتيجة.

وأحمد الله أنني لا آلو جُهدا , ولا أدخر وسعا في الالتزام بآداب الحوار , والبعد عن التجريح الشخصي, والتركيز على المناقشة العلمية للافكار والاراء حتى وان خالف الطرف الاخر هذه الاصول وخرج عنها:

وإن الذي بيني وبين أخي
       وبين بني عمي لمختلف جداً

فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم
       وإن نهشوا عرضي وفرت لهم عرضاً

ولا أحمل الحقد القديم عليهم
       وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا

رابعا:

إن تقويم الرجال في ميزان الاسلام أساسه العدل (كونوا قومين بالقسط) وشروطه التجرد من الهوى , والموازنة بين الفضائل والنواقص , ومراقبة الله تعالى المطلع على خفايا القلوب , وسرائر الصدور , وبواطن الامور , واخلاص العمل له سبحانه وتعالى ..وفي ذلك يقول شيخ الإسلام رحمه الله: (..وهكذا الرد على أهل البدع من الرافضة وغيرهم إن لم يقصد فيه بيان الحق وهدى الخلق ورحمتهم والإحسان إليهم لم يكن عمله صالحا , وإذا غلظ في ذم بدعة ومعصية كان قصده بيان ما فيها من الفساد ليحذرها العباد كما في نصوص الوعيد وغيرها , وقد يُهجر الرجل عقوبة وتعزيزا والمقصود بذلك ردعه وردع أمثاله للرحمة والإحسان لا للتشفي والانتقام) ا.هـ

يقول سعيد ابن المسيب رحمه الله (ظلم لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما تعلم وتكتم خيره) وعليه أقول فإن معرفتي بالدكتور الفيتوري تمتد لفترة من الزمن, وقد عرفته رجلا حسن الخلق ,حلو المعشر ,كريما مضيافا, يألف ويؤلف...وما شهدنا الا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين.

وغني عن البيان ان خلافنا مع الدكتور الفيتوري لم يكن قط متعلقا بشخصه ولا بإخلاقه فذلك له , ولا علاقة لنا به , وقد أُثِرَ عن الامام مالك رحمه الله قوله : إن في هذا المسجد – أي النبوي - ثلاثون رجلا يُستسقى بهم الغمام ولكني لا آخذ من أحدهم حديثا واحدا...والسبب هو قلة ضبطهم , ومظنة اختلاطهم , وضعف تحملهم للرواية, فصلاح الثلاثين رجلا ظاهر وواضح حتى انهم يُستسقى بهم الغمام, ويتنزل بهم المطر...لكن هذا لم يشفع لهم ليكونوا من رواة الحديث.

خلافنا مع الدكتور الفيتوري – كما بينا مرارا وتكرارا - يرجع الى طريقته في التعامل مع نصوص الكتاب والسنة, وإستخراج الاحكام الشرعية منها..ومن الواضح لكل من قرأ مقالات الدكتور وأمعن النظر فيها أنه يسلك طريقا عجيبا وينتحى منتحا غريبا , حتى يصدق عليه وصف " لا السنة نصر , ولا البدعة قمع"...ويكفي الاطلاع على عناوين المقالات لتدرك المحتوى لاسيما عند حديثه عن شيخ الاسلام ابن تيمية والشيخ محمد ابن عبدالوهاب رحمهما الله..وهذه عينة يسيرة منها:

• عـليكم بسنة الخلفاء الراشدين... وإشكالية الفهـم!!
• جدلية النص والتاريخ : مراجعـات في إشكالية فهـم السنة
• الإجماع وإشكالية الفهم
• لا يجتمع في جزيرة العرب دينان .. وإشكالية الفهم
• لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة .. وإشكالية الفهم
• الأئمة من قريش وإشكالية الفهم
• اضطراب مفهوم الحاكمية عند الحركيين
• الفكر الإسلامي وإشكالية فهم السنة
• الإلتباس في مفهوم الفروض الكفائية عند الحركين
• مصطلح الابتلاء عند الحركيين!!
• إشكالية القيمة والذات في الفكر الحركي !!
• نزول المسيح في الكتب السماوية والسنة النبوية
• الخلط بين الدين وأشكال التدين في الفكر الحركي
• ابن تـيمية وقضايا الـتـكفير!!
• ابن عـبدالوهاب.. وتأصيله لمسائل التكفير والقتل !!

ولا يخفى على الليبب الحاذق , والقارئ المطلع أن تلك المواضيع التي هي عند الدكتور الفيتوري اشكالات تحتاج للفهم من جديد , قد ناقشها علماء الاسلام وأشبعوها بحثا وتنقيبا, واراءهم فيها واضحة معروفة كالشمس في رابعة النهار أو كالبدر ليلة التمام..واذا طالعت اشكالات الدكتور فانك لن ترى عند بحثه لاي مسئلة مشكلة عنده أنه ينتهج المنهج العلمي المعروف عند العلماء وذلك بعرض اقوالهم وأدلتهم الخ...بل الدكتور يلجأ الى طريقة محدثة وذلك بالرجوع الى القواعد الكلية المستنبطة من القرآن ومن ثم يرد اليها المسئلة المراد بحثها , ضاربا بنصوص السنة الصحيحة عرض الحائط ولو كانت مما أجمع عليه أهل السنة قاطبة..وهذا ما فعله – على سبيل المثال – في مقالته "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة .. وإشكالية الفهم" حيث نقل أن الاجماع انعقد على ( حرمة تولي المرأة الإمامة العظمى، والاتفاق على عدم ولايتها الولايات العامة كالوزارات وديوان الحسبة والمظالم والقضاء)..أما كيف تعامل الدكتور مع هذا الحديث المروي في الصحيح ..فانظر ماذا يقول:
(وإذا ما أردنا أن ننظر إلى هذا الحديث من خلال المنهج المتبع في سلسلة مقالات السنة هذه، والذي يقوم على ضرورة التمييز بين (إسلام النص، وإسلام التاريخ) وترسيم حدود دائرة (الواجب والمباح)، وفك الاشتباك بين (الشكل والمضمون)، فينبغي علينا أن نتناول هذا الحديث عبر ثلاث نقاط، أولها معرفة مكانة المرأة في القرآن الكريم، وثانيهما أسباب ورود الحديث، وثالثهما مكانة الحديث من الهيكل الجديد لتقسيم السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.) ا.هــــــ

ويخلص الدكتور الى القول (.. ولجملة هذه الاعتبارات وظروف الفتنة التي ورد في سياقها الحديث، يمكن القول بأنها تمهد السبيل إلى فهم هذا الحديث على أساس أنه تنصيص سياسي أكثر منه نص شرعي).

ويضيف (من خلال ذلك يمكن فهم دلالة حديث "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" على أساس أنه حديث إخباري وليس إنشائي، وذلك بالنظر إلى المحتوى التاريخي وعلاقة الفعل السياسي وردوده) ا.هـــــ

أرايتم كيف فهم الدكتور الحديث وأعتبره تنصيصا سياسيا وحديثا اخباريا لا يترتب عليه أي حكم شرعي!!! وكالعادة لم يشر الدكتور – لا من قريب او بعيد – الى من قال بقوله من أهل العلم الثقات, ومن سلفه في هذا الفهم.

ولابأس أن نشير اشارة سريعة الى كيف فهم وتعامل الصحابة رضوان الله عليهم وتابعيهم باحسان مع هذا الحديث..وقد تكفل ابن قدامة رحمه الله بتوضيح ذلك – كما في المغني – فقال ( لم يول النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من خلفائه ولا من بعدهم امرأة قضاء ولا ولاية بلد، فيما بلغنا، ولو جاز ذلك لم يخل منه جميع الزمان غالبا)ا.هــــ

فمن نتبع ياترى؟؟ أالدكتور الفيتوري الذى ألغأ مدلول الحديث الشرعي , وأسقط الاستدلال به بمنهج محدث , وبطريقة عقلانية صرفة...أم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن سار على دربهم من أهل العلم الذين اعملوا الحديث واستدلوا به على عدم جواز تولي المرأة القضاء والوزارة ؟؟؟؟

روى الامام احمد وأبوداود وغيرهما بسند صحيح عن الْعِرْبَاض بْن سَارِيَةَ رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم ، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب . فقال قائل : يا رسول الله ، كأن هذا موعظة مودع ، فماذا تعهد إلينا ؟
فقال : أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشي ، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الامور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة).

وبالمناسبة فاللدكتور راي حول هذا الحديث يتوافق مع منهجه الذي بيناه أنفا ويؤدي الى إسقاط قيمة الحديث الشرعية..حيث يقرر في مقالته " عـليكم بسنة الخلفاء الراشدين... وإشكالية الفهـم!! " (وأحسب أن إشكالية فهم هذا الحديث تكمن في نقاط عدة ، أبرزها مخالفته الصريحة لمقاصد الكلية السياسية في القرآن الكريم، وعدم توافق سلوك الخلفاء الراشدين لفحوى الحديث ، ومناقضة أعمال جمع غفير من الصحابة لدلالته الإلزامية في الاستدلال ، والممارسة التطبيقية في السياسة!!)ا.هـ

وقس على هذا رأيه في الاجماع , وتولية الائمة من قريش, وقتل المرتد الخ ... ولست – والله - أدري الى أين يتجه الدكتور , وما الذي يريد أن يصل اليه ؟؟؟

* * *

خلافنا أيضا مع الدكتور الفيتوري يدور حول قوله بجواز الربا في ديار الحرب هذا عدا بعض الفتاوى الغريبة التي ينقلها بعض الثقات عنه...وقد ترتب على قوله بجواز الربا أن جرِّأ عوام الناس على التعاطي مع المصارف الربوية , وأخذ القروض منها , وشراء البيوت والسيارات الجديدة.

مع ان أقوى دليل أستدل به الدكتور – وهو مرسل مكحول – ضعيف لا يحتج به , وحتى لو صح – كما يقول النووي رحمه الله في المجموع – ( لتأولناه على أن معناه لا يباح الربا في دار الحرب، جمعا بين الأدلة)(2).

يضاف الى هذا أن جماهير اهل العلم مطبقون على حرمة الربا مطلقا سواء كان في ديار الاسلام أو الكفر وذلك لعموم الادلة العامة القاضية بتحريم الربا, وأن دار الكفر ليست ناسخة للمحرمات – كما يقول الدكتور صلاح الصاوي - وأن الحرمة لا تتغير بتغير الأماكن.

واذا كان الدكتور مقتنعا بجواز تعاطي الربا في ديار الحرب..فكيف يسيغ له اخراج هذه الفتوى لعموم المسلمين والعوام والدهماء الذين قد تجد فيهم من يبحث عن الرخص , ويتتبعها حتى قد يصل بهم الحال الى استحلال الربا .. أين حنكة الفقيه ؟ وأين إعمال باب سد الذرائع؟

* * *

خلافنا ايضا مع الدكتور الفيتوري حول اضطرابه الفكري والشرعي, فما عُرِفَ سابقا عن الدكتور ومنهجه الشرعي وإعجابه الكبير بشخصية شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله وكتبه وفكره يختلف تماما مع الذي يدعو إليه اليوم في سائر مقالاته, والغريب أن الدكتور يريد أن يقنعنا أن كلا المنهجين المتناقضين صحيحان ولا وجود لاي تعارض بينهما البتة .وياليت الدكتور يوضح لنا ..هل ما كان يعتقده سابقا هو الخطأ وأن الذي يراه اليوم هو الصواب ام ان العكس هو الصحيح؟؟ لقد كتب الدكتور الفيتوري في اواخر 2003 مقالة مهمة بعنوان " شعائر الله وعلاقتها بالأمن الفكري " نقتطف منها قوله (..ولعل الساحة الإسلامية المعاصرة فيها قائمة من المفكرين والمنظرين المحسوبين على جهة إسلامية معينة قد انسلخوا آخر المطاف عن مذاهبهم الّتي طالما رفعوا لواءها ونادوا بها ودافعوا عنها، والسبب بسيط جداً، وهو أن هؤلاء لم تكن قناعاتهم الفكرية قد انعكست على نفسياتهم ونفذت إلى قلوبهم؛ بل ظلت محصورة ضمن جدران الذهن).

ثم اشار الى شروط المفكر الاسلامي حيث يقول ( إنه لا يمكن للمفكر الإسلامي أن يكون مفكراً إسلامياً بالمعنى الصحيح لمجرد أنّه يحمل أفكاراً إسلامية، ويمتلك رصيداً فكرياً إسلامياً؛ بل لابدّ وأن يكون متعبداً تمام العبودية لله تعالى، وعلى اتّصال قوي به سبحانه، من أجل ألا تبنى تلك الأفكار على فراغ، وألا تظل مجرد أفكار عائمة في الذهن؛ بل تتفاعل مع الروح، وتنطبع في الضمير، وتتجذر في النفس، وبهذا فقط يمكن للأفكار الإسلامية أن تكون رصينة ومحكمة ومؤثرة، وذات حظ كبير من القدرة على مقاومة أعاصير الأفكار المضادة) ا.هــ

ويحق لنا ان نتساءل هنا...بالنظر الى التغير الحاصل في فكر الدكتور..هل نعتبره ممن انسخلوا آخر المطاف عن مذاهبهم التي طالما رفعوا لواءها؟؟؟..اليس هذا الوصف ينطبق عليه تماما؟ ثم ..هو أين من شروط المفكر الاسلامي التي وضعها بنفسه؟؟؟

* * *

خلافنا ايضا مع الدكتور الفيتوري الذي نصب نفسه مجتهدا مطلقا, وناقدا للاحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ولثرات السلف, انه لم يكن امينا في نقله حيث تبين لنا انه قد نسب لنفسه مصطلحات و مفاهيم وحتى نصوص كاملة دون ان يشعر بأدنى حرج بل وبرر فعلته الشنيعة بالقول بأن بعض السلف قد فعلوا ذلك...ومنذ متى كُنتَ تستدل بأقوالهم - ياعبد الله – وتحتج بأفعالهم؟؟؟ (3)

* * *

خلافنا مع الدكتور الفيتوري – لمن يريد أن يعلم - وباختصار شديد يدور حول منهج التلقي , واستصدار الاحكام الشرعية التي تحتاج الى رسوخ في العلم , وتمكن في فهم مقاصد الشريعة, واحاطة بأدلة الاحكام وأقوال أهل العلم فيها.

خامسا:

وأما العبارة التي وردت في المقال السابق(وختاما أعلم – يا أبا سلمان – أن سجل التاريخ الخ ) فكنت أظنها سوف تُفهم في سياقها , ويُعَلم المراد منها..وعلى كل فمقصودي من تلك العبارة هو تذكير الدكتور الفيتوري بأن يكون دقيقا في كتاباته ,وألا يُلبّسَ على القراء في مسائل لا يدركها الا من عاشها واقعا..وللتوضيح سوف أضرب مثالا أرجو أن يكون كافيا في ازالة اللبس الذي حصل:

شن الدكتور حملة شرسة ضد من اسماهم بـ"الحركيين", وكتب عدة مقالات عنهم , وكالعادة ظهر الدكتور بمظهر المفكر الذي يحدد الداء ويصف الدواء , لكن الدكتور لم يخبر قراءه أنه كان حركيا من قمه رأسه وحتى أخمص قدميه وذلك أمر شهدته عيناي , ووعاه قلبي ,وبقي حيا في ذكراتي.

لم يوضح الدكتور كذلك أن ما أنتقده على الحركيين من قصور واخطأء كان هو الاخر واقعا فيها بطريقة أو أخرى, ولولا أن محطات الدكتور الحركية قد يعدها من خصوصياته الشخصية لاوضحت لمعشر القراء تلك المراحل التي تجنب حتى الاشارة اليها أو الاقتراب منها.

سادسا:

لقد سبق القول أن قبول الحق لايشترط أن يعرف قائله , ولا حاجة للتنقيب عن صاحبه سؤاء كتب باسمه الاصلي أو باسم مستعار .. ولا أفهم حقيقة لماذا يشترط البعض شروطا ما أنزل الله بها من سلطان , وأرجو ألا يكون وراء الاكمة ما وراءها.

ومع هذا فاني أحمد الله أن الاسم الذي أكتب به منذ عدة سنوات معروف منذ البداية لدى بعض الاخوة الكرام الذين بدورهم اعلموا به اخرين, ولو كان يهمني اخفاؤه لما علم به أحد اطلاقا, ولكتبت باسم اخر كما يفعل الكثيرون وذلك لدواع امنية أو لتصفية حسابات شخصية أو ربما لسبب اخر أجهله...وأحسب أن الدكتور المعني الاول بهذه المقالة يعرف صاحبها أو على الاقل يستطيع معرفة ذلك لو أراد.. واذا كان ذلك كذلك..فلماذا التشغيب على من هذه حالته؟ أم أنه مطالب أن يضع صورته الملونة و اسمه الرباعي بالاضافة الى رقم كتيب العائلة!!!

واذا كان قبول الحق والرد على قائله مرهون بإعلان اسمه الحقيقي...فلماذا لم نسمع من الدكتور أي رد أو تعليق حيال كتابات بعض الافاضل ممن كتب باسمه الحقيقي وناقشه بكل احترام وتقدير؟؟؟

وختاما..

فان الهدف من هذه المقالة ليس التشهير بالدكتور الفيتوري ومحاولة اسقاطه, ولكن لتذكيره بخطئه, ودعوته للتراجع عن منهجه المبتدع , فان فعل فالحمد لله على فضله واحسانه, والا فاللهم اجرنا في مصيبتنا وثبتنا على دينك , وعندها يطيب لي أن أردد مع ابن القيم رحمه الله:
وتكرار ذا النصـح منـا
       لهم لنعذر فيهم إلى ربنا

فلما استهانـوا بتنبيـهنـا
       رجعنا إلى الله في أمرنا

فعشنا على سنة المصطفى
       وماتوا على تن تنا تن تنا

اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كان فيه يختلفون , اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء الى صراط مستقيم.

وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين.

سليمان عبدالله
________________________

هوامش :
(1) نشرت المقالة بتاريخ 13 يونيو 2007 وهي موجودة على الرابط التالي :
http://www.libya-watanona.com/adab/sabdalla/sa13067a.htm

(2) نظرا لخطورة هذه المسئلة, اخذ الربا في ديار الحرب, فقد وضعت مجموعة من الروابط التي تحتوي على مناقشات وفتاوى لاهل العلم لعل بعض من تلبس بفتوى الدكتور, وتورط في المعاملات الربوية ان يتوب الى ربه, ويؤوب الى الحق:

• تعامل المسلم المقيم في الغرب بالربا
http://www.islamtoday.net/questions/show_question_content.cfm?id=47020

• وقفات هادئة مع فتوى إباحة القروض الربوية لتمويل شراء المساكن في المجتمعات الغربية
http://assawy.zouitni.com/books/ar/alkrod.doc

• هل يجوز للمسلم عقد الربا في بلاد الكفار؟
http://www.h-alali.info/f_open.php?id=5cdd1f1e-dc32-1029-a62a-0010dc91cf69

• حكم بيع الخمر والخنزير لغير المسلمين خارج ديار الإسلام
http://www.amjaonline.com/arabic/headline.asp?Headid=91

• الربا في دار الحرب و دار الإسلام
http://www.islamweb.net/ver2/Fatwa/ShowFatwa.php?lang=A&Id=93371&Option=FatwaId

• اللمعة في الرد على فتوى الدكتور علي جمعة
http://al-forqan.net/printnews.asp?news=2330&ino=379

• حوار هـاديء مع د. عبدالحكيم الفيتوري ـ 3 ـ
http://www.libya-watanona.com/letters/v2007a/v06mar7f.htm

(3) لمعرفة القصة كاملة.. تراجع مقالة: عبد الحكيم الفيتوري : سرقة ام اقتباس :
http://almanara.org/new/index.php?scid=4&nid=4103

ويراجع ايضا : عذر أقبح من الذنب... وقفات مع الفيتوري :
http://www.libya-watanona.com/letters/v2007a/v19jun7f.htm



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home