Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Sulaiman Abdallah
الكاتب الليبي سليمان عـبدالله

الإثنين 12 اكتوبر 2009

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

عندما يتعالم المجريسي!!! (2)

 

سليمان عـبدالله

رابع هذه الوقفات 

لعل من أخطر ما قرره المجريسي في مقالته قوله {أن أي شيء يعارض مبدأ من مبادئ القرآن يجب عدم تصديقه} وهي دعوة صريحة لالغاء العمل بكثير من الاحاديث الصحيحة – بل والمتواترة – بحجة مخالفتها للقرآن كما فعل بعدم تصديقه لاهتزاز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ مع أنه حديث متواتر كما سيأتي بيانه في الوقفة الخامسة إن شاء الله.

ومن يقرأ نقد المجريسي لحديث الاهتزاز أو إعتراضه الشديد على ما حدث ليهود بني قريظة سوف يلحظ جلياً أنه نقد عقلي صرف ولا علاقة له من قريب أو بعيد بأي منهجية منضبطة وذلك لان عقول الخلق تتفاوت تفاوتاً كبيراً , وتتباين تبياناً عجيباً وهذا أمر بديهي يدركه كل إنسان, ومعاذ الله أن يترك شرعه وأحكامه تبعاً لعقول الناس وأفهامهم يفهمون منها ما شاءوا , ويرفضون منها استعصى على عقولهم ادراكه بل إنه سبحانه وتعالى أرشد عند الاختلاف وحدوث التنازع الى أن نرجع الى كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما قال في سورة النساء {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}. 

ولخطورة إدخال العقل ليكون حاكماً على النص الشرعي بدل أن يكون تابعاً له رأيت أن أفصل قليلاً  في تعرية هذه الدعوى وبيان مصادمتها لشريعة رب الارض والسماء(*) معتمداً على كلام أهل العلم رحمهم الله جميعاً. 

منهج التلقي عند الصحابة

المتابع لحال الناس تجاه الاحتجاج بالسنة يجدهم طوائف عدة فمنهم من لا يحتج بها أصلاً , ومنهم من يقبل المتواتر منها ويرفض الاحتجاج بحديث الآحاد, ومنهم من يقبل منها ما يوافق عقله ويرفض ما عداه , ومنهم غير ذلك , وأسعد الناس من هؤلاء جميعاً هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعيهم بإحسان الذي كان الواحد منهم اذا طرق سمعه حديث صحيح لرسول الله صلى عليه وسلم أن يقول سمعنا وأطعنا فقوله عليه الصلاة والسلام في حياته كقوله بعد مماته وقد الله تعالى } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{ الحجرات وقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}..قال الامام القرطبي في كتابه الجامع لاحكام القران "5/226"عند هذه الاية { أي ردوا ذلك الحكم إلى كتاب الله أو إلى رسوله بالسؤال في حياته ، أو بالنظر في سنته بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ؛ هذا قول مجاهد والاعمش وقتادة ، وهو الصحيح . ومن لم ير هذا اختل إيمانه ؛ لقوله تعالى: إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر. وقيل : المعنى قولوا الله ورسوله أعلم؛ فهذا هو الرد. وهذا كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل} .

ومن يتأمل منهج التلقي عند الصحابة رضوان الله عليهم يجد أن مواقف الناس التي أشرتُ اليها آنفاً لم تكن موجودة أصلاً بل كان همهم الاساسي وشغلهم الشاغل هو تطبيق ما يسمعونه من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يسالوا إن كان متواتراً أو آحاداً أو إن كان يخالف العقل أم لا..كل هذه التقسيمات المحدثة لم تكن حاضرة عندهم إطلاقاً , فإنهم كانوا إذا علموا صدق المخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوقفهم عن العمل بمقتضى الحديث أحد كائناً من كان ولو ترتب على ذلك هجر بعضهم لبعض لمخافتهم أن تحبط أعمالهم لقوله تعالى { فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}..وقد ذكر الامام ابن العربي في كتابه أحكام القرآن " 3/432" عند هذه الاية قصة يحسن بنا تدبرها وفهم معانيها وهي أن رجلاً جاء الى الامام مالك  فقال : يا أبا عبد الله ، من أين أحرم ؟ قال : من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : إني أريد أن أحرم من المسجد . فقال : لا تفعل . قال : إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر . قال : لا تفعل ، فإني أخشى عليك الفتنة . قال : وأي فتنة في هذا ؟ إنما هي أميال أزيدها . قال : وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قَصرَ عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إني سمعت الله " فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ".

والاثار في ذلك كثيرة , وقد ذكر بعضها الامام ابن عبدالبر في جامع بيان العلم وفضله:    

     رأى عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنه بعض أقاربه يخذف، فقال له: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف" وقال: "إنه لا يصيد صيدا ولا ينكأ عدواً" ثم رآه في وقت آخر يخذف، فقال: "أقول إن الرسول نهى عن هذا ثم تخذف، لا كلمتك أبداً". 

     قال ابوالدرداء " من يعذرني من معاوية؟ أحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبرني برايه لا أساكنك بأرض أنت بها". 

     وعن الحارث بن عبدالله بن أوس قال " أتيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه فسالته عن المرأة تطوف بالبيت ثم تحيض؟ قال: ليكن آخر عهدها الطواف بالبيت. قال الحارث: فقلت : كذا أفتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمر: تبت يداك- أو ثكلتك يداك – سألتني عما سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم كيما أخالفه؟؟. 

     وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال عروة: نهى أبوبكر وعمر عن المتعة. فقال: ابن عباس: ما يقول عرية؟ قال : يقول: نهى أبوبكر وعمر عن المتعة, فقال: أراهم سيهلكون أقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون : قال أبوبكر وعمر؟. 

     وقال بلال بن عبدالله بن عمر بن الخطاب أن أباه عبدالله بن عمر قال يوما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد" فقلتُ أنا: أما أنا فسأمنع أهلي فمن شاء فليسرح أهله, فالتفت إليّ وقال : لعنك الله لعنك الله  لعنك الله  تسمعني أقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ألا يمنعنّ..وقام مغضباً.  

     وقد روى الخطيب في كتابه الكفاية في علم الرواية" 1/48 "{ أن عمران بن حصين كان جالسا ومعه أصحابه فقال رجل من القوم لا تحدثونا إلا بالقرآن قال: فقال له: أدنه فدنا فقال: أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تجد فيه صلاة الظهر أربعا وصلاة العصر أربعا والمغرب ثلاثا تقرأ في اثنتين أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تجد الطواف بالبيت سبعا والطواف بالصفا والمروة ثم قال: أي قوم خذوا عنا فإنكم والله إن لا تفعلوا لتضلنّ}. 

ولهذا اشتد نكير الائمة على من قال لا نأخذ الا ما وجدناه بالقران حتى أن ابن حزم رحمه الله نقل الاجماع على تكفير معتقد ذلك..يقول في كتابه الاحكام في أصول الاحكام" 2/79-80 "{ ولو أن امرءاً قال لا نأخذ الا ما وجدنا في القرآن لكان كافرًا بإجماع الأمة، ولكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلي غسق الليل، وأخري عند الفجر لأن ذلك هو أقل ما يقع عليه اسم صلاة، ولا حد للأكثر في ذلك، وقائل هذا كافر مشرك حلال الدم والمال، وإنما ذهب إلي هذا بعض غالية الرافضة ممن قد اجتمعت الأمة علي كفرهم}. 

هل تعارض السنة الصحيحة القرآن؟؟

قرر أهل العلم أنه لا يوجد حديث صحيح واحد يخالف آية قرانية اطلاقاً وذلك لان الكتاب والسنة الصحيحة مصدرهما هو الحق سبحانه وتعالى كما قال تعالى{ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}  وقال أيضا { إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً}. 

يقول الامام الشافعي رحمه الله في كتابه الرسالة {إن سنة رسول الله لا تكون مخالفة لكتاب الله بحال , ولكنها مبينة عامة وخاصة}. 

ويقول الامام ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله" 2/ 1190-1191 " تحقيق أبي الاشبال الازهري {وقد أمر الله عز وجل بطاعته واتباعه أمراً مطلقاً مجملاً لم يقيد بشيء ، ولم يقل ما وافق كتاب الله كما قال بعض أهل الزيغ.

 قال عبد الرحمن بن مهدي : الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث  يعني ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : "ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله فإن وافق كتاب الله فأنا قلته وإن خالف كتاب الله فلم أقله أنا وكيف أخالف كتاب الله وبه هداني الله " وهذه الألفاظ لا تصح عنه صلى الله عليه وسلم عندالعلم بصحيح النقل من سقيمه ، وقد عارض هذا الحديث قوم من أهل العلم ، وقالوا : نحن نعرض هذا الحديث على كتاب الله قبل كل شيء ، ونعتمد على ذلك ، قالوا : فلما عرضناه على كتاب الله وجدناه مخالفاً لكتاب الله ؛ لأنا لم نجد في كتاب الله ألاَّ نقبل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما وافق كتاب الله ، بل وجدنا كتاب الله يطلق التأسي به ، والأمر بطاعته ، ويحذر المخالفة عن أمره جملة على كل حال}.  

 ويقول ابن القيم رحمه الله في كتابه الطرق الحكمية في السياسة الشرعية( 103-101){والذي يجب على كل مسلم اعتقاده أنه ليس في سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة سنة واحدة تخالف كتاب الله بل السنن مع كتاب الله على ثلاث منازل:
 

     المنزلة الأولى سنة موافقة شاهدة بنفس ما شهد به الكتاب المنزل 

     المنزلة الثانية سنة تفسر الكتاب وتبين مراد الله منه وتقيد مطلقه 

     المنزلة الثالثة سنة متضمنة لحكم سكت عنه الكتاب فتبينه بيانا مبتدأ


ولا يجوز رد واحدة من هذه الأقسام الثلاثة
,وليس للسنة مع كتاب الله منزلة رابعة, وقد أنكر الإمام أحمد على من قال "السنة تقضي على الكتاب" فقال بل السنة تفسر الكتاب وتبينه.
والذي يشهد الله ورسوله به أنه لم تأت سنة صحيحة واحدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تناقض كتاب الله وتخالفه ألبتة
.
كيف ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبين لكتاب الله وعليه أنزل وبه هداه الله وهو مأمور باتباعه وهو أعلم الخلق بتأويله ومراده
,  ولو ساغ رد سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فهمه الرجل من ظاهر الكتاب لردت بذلك أكثر السنن وبطلت بالكلية فما من أحد يحتج عليه بسنة صحيحة تخالف مذهبه ونحلته إلا ويمكنه أن يتشبت بعموم آية أو إطلاقها ويقول هذه السنة مخالفة لهذا العموم والإطلاق فلا تقبل...... وما مِن أحد رد سنَّة بما فهمه من ظاهر القرآن إلا وقد قبل أضعافها مع كونها كذلك ..... وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على من رد سنته التي لم تذكر في القرآن ولم يدع معارضة القرآن لها فكيف يكون إنكاره على من ادعى أن سنته تخالف القرآن وتعارضه؟.{ 

هل يمكن أن  يتعارض النقل مع العقل ..ومن يقدم؟؟

أولى الاسلام العقل اهتماماً خاصاً ورفعه مكاناً عالياً فجعله أساس التكليف، ومناط الأهلية لكن جعل له حدوداً لا يتجاوزها والا أصبح وبالاً على صاحبه كما حدث مع ابليس عندما قاس بعقله فاعتقد أنه خير من آدم لمجرد أنه خلق من نار فكانت عاقبته الخسران الدائم والطرد من رحمة الله الى يوم الدين..فالعقل كما يقول الشاطبي  في كتابه الاعتصام "2/840 "– لا يُجعل حاكما بإطلاق لانه قد ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو الشرع ويضيف{ بل الواجب عليه أن يقدم ما حقه التقديم - وهو الشرع - ويؤخر ما حقه التأخير - وهو نظر العقل - لأنه لا يصح تقديم الناقص حاكما على الكامل ، لأنه خلاف المعقول والمنقول ، بل ضد القضية هو الموافق للأدلة فلا معدل عنه ، ولذلك قال : اجعل الشرع في يمينك والعقل في يسارك ، تنبيها على تقدم الشرع على العقل}. 

والحق أن العقل والنقل – أي الكتاب والسنة- لا يمكن أن يتعارضا, بل لا يتصور حدوث ذلك اطلاقاً , وقد قرر أهل العلم أن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح, ..يقول شيخ الاسلام في سفره الضخم در تعارض العقل والنقل" 1/96 " {المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط ، وقد تأملت ما تنازع فيه الناس ، فوجدت ما خالف النصوص الصريحة شبهات فاسدة يُعلم بالعقل بطلانها ، بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للشرع ، وهذا تأملته في مسائل الأصول الكبار ، كمسائل التوحيد والصفات ، ومسائل القدر ، والنبوات ، والمعاد ، وغير ذلك . ووجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه السمع ، والذي يقال إِنه يخالفه : إِما حديثٌ موضوعٌ ، أو دلالةٌ ضعيفةٌ ، فلا يصلح أن يكون دليلًا لو تجرد عن معارضة العقل الصريح ، فكيف إِذا خالفه صريح المعقول ! ونحن نعلم أن الرسل لا يُخبِرون بمحالات العقول ، بل بمحارات العقول ، فلا يخبرون بما يعلم العقل انتفاءه ، بل يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته}. 

وقد رأيت لاحدهم تقريراً في غاية النفاسة والمتانة لجملة من القواعد المتعلقة بتقديم العقل على الشرع , وهي درر تكتب بماء الذهب الخصها في النقاط التالي: 

        القاعدة الاولى:

الثقة المطلقة ، بكتاب الله تعالى ، وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، والاعتقاد الجازم أن فيهما الهدى والرشاد ، وأن في الخروج عنهما البغي والضلال .  

        القاعدة الثانية :
الإيمان الحق يستلزم التسليم المطلق لله ، ولرسوله صلى الله عليه وسلم . فيجب التسليم المطلق وأن لا يعارض الشرع برأي ولا هوى ، بل يؤمن إيمانا ً جازما ً به ، ويطيع كل ما أمر به الشرع وأوجبه ، وينتهي عن ما حذر منه الشرع ونهى منه. 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة {اتفق أهل العلم أهل الكتاب والسنة على أن كل شخص سوى الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يؤخذ من قوله ويترك إلا الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإنه يجب تصديقه في كل ما أخبر ، وطاعته في كل ما أمر ، فإنه المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى }. 

        القاعدة الثالثة:
إن الرسل عليهم الصلاة والسلام جاؤوا بما يعجز العقل عن إدراكه ؛ فأخبروا عن الغيب المطلق الذي تعجز العقول عن معرفته . وإن كانت لا تحيله أبدا ً فهم عليهم الصلاة والسلام قد أخبروا بمحارات العقول ولم يخبروا بمحالاتها.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله  {الرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه ، لم تأت بما يعلم العقل امتناعه ، لكن المسرفون فيه قضوا بوجوب أشياء وجوازها واقتناعها لحجج عقلية بزعمهم اعتقدوها حقا ً ، وهي باطل ، وعارضوا بها النبوات وما جاءت به ، والمعرضون عنه صدقوا بأشياء باطلة ، ودخلوا في أحوال وأعمال فاسدة ، وخرجوا عن التمييز الذي فضل الله به بني آدم على غيرهم }. 

        القاعدة الرابعة:
أن يقال : لو تعارض الشرع والعقل لوجب تقديم الشرع ، لأن العقل قد صدق الشرع ، ومن ضرورة تصديقه له قبول خبره.  

        القاعدة الخامسة:
أن المسائل التي يقال إنه قد تعارض فيها العقل والشرع ، جميعها مما اضطربت فيه العقلاء ولم يتفقوا فيها على أن موجب العقل كذا ، بل من يقول إن العقل أثبت أو أوجب أو سوغ كذا ، يقول الآخر : إن العقل ينفي ويبطل ولا يستسيغ هذا بل قد آل الأمر بينهم إلى التنازع فيما يقولون إنه من العلوم الضرورية .  

فلو قيل بتقديم العقل على الشرع ـ وليست العقول شيئا واحدا ً بيّنا ً بنفسه ، ولا عليه دليل معلوم للناس، بل فيها هذا الاختلاف والاضطراب ـ لوجب أن يحال الناس على شيء لا سبيل إلى ثبوته ومعرفته ولا اتفاق الناس عليه ، أما الشرع فهو في نفسه قول الصادق ، وهذه صفة لازمة ، لا تختلف باختلاف أحوال الناس ، والعلم بذلك ممكن ، ورد الناس إليه ممكن ، وقد جاء الشرع برد الناس عند التنازع إلى الكتاب والسنة لا إلى آراء الرجال ومقاييسهم ، كما قال الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}. 

        القاعدة السادسة:

أن يعارض دليلهم بنظير ما قالوه ، فيقال : إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل ، لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين ، ورفعهما رفع للنقيضين ، وتقديم العقل ممتنع ، لأن العقل قد دل على صحة السمع ووجوب قبول ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلو أبطلنا النقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل ، وإذا أبطلنا دلالة العقل لم يصح أن يكون معارضا ً للنقل ؛ لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة شيء من الأشياء ، فصار تقديم العقل على النقل قدحا ً في العقل بانتفاء لوازمه ومدلوله ، وإذا كان تقديمه على النقل يستلزم القدح فيه ، والقدح فيه يمنع دلالته ، والقدح في دلالته يقدح في معارضته ، كان تقديمه عن المعارضة مبطلا ً للمعارضة(1) .


ثم أشار الكاتب الى جملة من الآثار الخطيرة المترتبة على تقديم العقل على الشرع وهي:

     أن في هذا قدح في وحي الله تعالى ، لأن لازمه أن يكون الله تعالى قد أوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وحيا ً لا يفيد اليقين ، بل يفيد الظن والظلال ـ على مذهبهم ـ ، فكان ترك الناس في الجاهلية أفضل لهم من رسالة لا تفيد اليقين ولا تأتي إلا بالحيرة والشك

      أن في هذا المذهب قدح في بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبليغيه الوحي عن الله ، حيث جاء بما يخالف العقل، وظاهر ما أخبر به عن ربه عز وجل يلزم منه الكفر .  

      أن هذا المذهب يؤدي إلى اسقاط حرمة النصوص الشرعية عن الكتاب والسنة ، ويذهب هيبتها من قلوب الناس ، وإذا سقطت هذه الهيبة لن تعظم النصوص ، ولن يعمل بها ، زد على هذا إذا كانت ظنية فلن يحتج بها أحد ، ولن يتحاكم الناس إليها ، ولن يحكم بشرع الله ، ويلزم من هذا تسويغ الحكم بغير ما أنزل الله ، وتقديم الدساتير والأنظمة الوضعية على الوحي الإلهي والشرعية المحمدية .  

      إن هذا المذهب يؤدي إلى فتح الطريق أمام كل زنديق ومنافق ليطعن في شرع الله تعالى ، فلا يحتج عليه ، فلو احتجيت من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم للجأ إلى هذا الطاغوت الذي أسقط به المتكلمون حجية صحيح المنقول .  

     ومن لوازم هذا المذهب الباطل ألا يكون فيما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى ، وملائكته ، وكتبه، ورسله ، واليوم الآخر ، علم ولا هدى ، بل إنه يمرض ولا يشفي ، ويضل ولا يهدي ، ويضر ولا ينفع ، ويفسد ولا يصلح , وبهذا تنسف أصول الإيمان نسفا ً ، وينكر الغيب أيضا ً بهذا المنهج ، فلا يؤمن بالملائكة ولا عذاب القبر ، ولا بالجنة والنار، فلا يعبد الله تعالى ولا يستعد ليوم حسابه ، ويصبح أتباع هذا المنهج الخبيث من عامتهم لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه .  

      مآل هذا المذهب إلى تعطيل الله سبحانه وتعالى من أسماءه وصفاته ، وهذا المعطل قبل أن يعطل شبّه الله بخلقه لأنه لما توهم المشابهة قام بالتعطيل فالمشبه بعد صنما ، والمعطل يعبد عدما . 

      أن مآل هذا المذهب أيضا ً التفويض ، وجعْلُ بعض نصوص الشريعة ألغازا ً لا يفهم معناها (2). 

وأختم بكلمة جميلة للامام الشاطبي وكأنه يصف زماننا ..فيقول رحمه الله في كتابه الاعتصام متحدثاً عمن يقدم عقله عن النقل{وهو ردهم للأحاديث التى جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم , ويدعون أنها مخالفة للمعقول وغير جارية على مقتضى الدليل , فيجب ردها كالمنكرين لعذاب القبر والصراط والميزان ورؤية الله عز وجل في الآخرة , وكذلك حديث الذباب وقتله وان في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء وأنه يقدم الذي فيه الداء , وحديث الذي أخذ أخاه بطنه فأمر النبى صلى الله عليه وسلم بسقيه العسل وما أشبه ذلك من الأحاديث الصحيحة المنقولة نقل العدول.

ربما قدحوا في الرواة من الصحابة والتابعين رضى الله تعالى عنهم - وحاشاهم - وفيمن اتفق الأئمة من المحدثين على عدالتهم وإمامتهم كل ذلك ليردوا به على من خالفهم في المذهب وربما ردوا فتاويهم وقبحوها في أسماع العامة لينفروا الأمة عن اتباع السنة وأهلها .....قد جعلوا القول بإثبات الصراط والميزان والحوض قولا بما لا يعقل.

وقد سئل بعضهم:
هل يكفر من قال بروية البارى في الآخرة فقال: لا يكفر لأنه قال ما لا يعقل ومن قال ما لا يعقل فليس بكافر.

وذهبت طائفة إلى نفى أخبار الآحاد جملة , والاقتصار على ما استحسنته عقولهم في فهم القرآن حتى أباحوا الخمر بقوله "ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا" الآية ..ففي هؤلاء وأمثالهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت أو نهيت عنه, فيقول: لا ادرى ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه" وهذا وعيد شديد تضمنه النهى لا حق بمن ارتكب رد السنة} الاعتصام "2/294-295 ". 

ويضيف في موضع أخر {لا ينبغي للعقل أن يتقدم بين يدي الشرع ، فإنه من التقدم بين يدي الله ورسوله ، بل يكون ملبيا من وراء وراء . ثم نقول : إن هذا هو المذهب للصحابة - رضي الله عنهم - وعليه دأبوا ، وإياه اتخذوا طريقا إلى الجنة فوصلوا }الاعتصام "2/845 ". 

يتبع الحلقة الثالثة(حادثة بني قريظة في الميزان) إن شاء الله. 

سليمان عبدالله

soliman-abdalla@hotmail.com

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showpost.php?p=764820&postcount=8

(2)المصدر السابق

 (*)فائدة:

أنصح بالاطلاع على كتاب :كتابات أعداء الإسلام حول السنة ومناقشتها - عماد السيد الشربيني –  حيث استعرض المؤلف أقوال أعداء السنة النبوية وشبههم، ورد عليها بالدليل القاطع والبرهان الساطع. ولما كان من أهل الحديث النبوي الشريف، مكنه هذا من إيراد الدليل من كتب السنة المطهرة، ، وقد كان له نفس طويل في تتبع ما قيل عن السنة النبوية من أعدائها، ودراية بتناقل افتراءاتهم، مما مكنه من إبراز تاريخ الشبهة ثم دحضها. http://www.saaid.net/book/7/1115.zip

 

وهنا ملف من الردود المميزة على المواضيع التي يتكرر طرحها من منكري السنة

http://www.eltwhed.com/vb/showthread.php?t=14794

 

تصحيح:

أوردت في الحلقة الماضية بيت شعر من قصيدة أبي البقاء الرندي المشهورة في رثاء الاندلس, ولم أنتبه أنني لم أكتبه بالطريقة الصحيحة الا بعد ارسال المقالة ..وهذا هو البيت الصحيح : 

لمثل هذا يذوبُ القلبُ مـن  كمـد

ٍإن كان في القلب إسـلامٌ وإيمـانُ

 


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home