Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Rajab al-Sheltami
الكاتب الليبي رجب الشلطامي


رجب الشلطامي

السبت 19 ديسمبر 2009

قصة قصيرة

وسقطت بيافرا ذات يوم *

رجب الشلطامي

كانت الريح تعصف بكتلة الزنك التي تشكل صالة كبيرة تستعمل لاستقبال القادمين والمسافرين وكان التراب يتسلل عبر الثقوب وقد اخترقتها أيضاً أشعة الشمس فصارت وكأنها خيوط أضواء كشافة منطلقة وسط منطقة مراقبة.. وكانت البقع الشمسية تنام على الأرض المبلطة بالاسمنت فبدت كقطع معدنية متناثرة.. ومجموعة من الناس وقد وقف كل واحد بالقرب من الأشياء الخاصة به.. وكوم من الأكياس حجز مساحة كبيرة ومجموعة أخرى من الحقائب وضعت دون مراعاة للحد الأدنى من التنسيق.. عدة لغات تسمع اثناء اللغط ..

وفي الخارج كانت أصوات محركات الطائرة تطغى على صوت الريح.. كانت ممرات المطار عموماً من النوع الذي لا يُرى إلا في المطارات المؤقتة المخدومة على عجل فالطرق غير مرصوفة بالشكل المعتاد.. وكانت بعض الإطارات المحروقة متناثرة على جانبي الممرات لتقوم بإرشاد القادمين ليلاً إذا ما كتبت لهن النجاة من المدافع المضادة.. كان كل واحد في صالة الزنك يريد أن تكون له أولوية السفر نتيجة ظروف الحرب التي تعيشها تلك المنطقة.. وكان كل واحد منهم يحاول قدر الإمكان التقيد بالتعليمات حتى لا يرتكب خطأ يكون سبباً في تعطليه فالأمتعة قليلة وواضحة وغير معقدة الترتيب ولم يفكر أحد من المسافرين في أخذ أكثر من حاجياته الضرورية ومنهم من ترك أشياءه التذكارية لمن بقى من الأصدقاء..

كان كل واحد يتقدم بأوراقه التي تجيز له السفر وكذلك إقرار بما تحتويه حقائبه.. ولكن الشيء الذي لم يكن يخطر ببال الشاب الواقف في الطابور والذي كانت قائمة الإقرار التي بيده لا تحوي شيئاً سوى مجموعة من الكتب التي أحضرها معه قبل نشوب الحرب، أنه قد ارتكب جرماً، فعندما قدم أوراقه سأله موظف الاستقبال:
• والإقرار أين؟
• هذا هو الإقرار.. لا شيء سوى كتب.
• ولو اقرأ الأسماء.

وأخذ الشاب يتلو الأسماء على الموظف الذي انشغل في ختم الأوراق الأخرى وتكديسها في درج وكان منظره يدل على عدم الاهتمام بصوت الواقف أمامه.. كان الشاب ينظر إليه بين كل اسم وآخر في انتظار رأي الموظف الذي لم يزد على هز رأسه بحركة آلية وهو مستمر في ختم الأوراق.. ثم فجأة انتبه:

• ماذا السلم؟
• نعم والسلم.
• ماذا تعني
• انها رواية باسم الحرب والسلم ..
• وما دخلك بالسلم؟
• لا دخل لي به.
• من طلب منك أن تتحدث عن السلم.. أنت جئت هنا على أنك خبير فقط.
• أعرف ذلك ولكني أحضرت معي مجموعة من الكتب لمطالعتها.. أهذا مخالف للقانون؟
• بكل تأكيد.. بل جريمة.. كيف تؤلف عنا الكتب ثم تخرج بها تحت أبصارنا؟
• يا سيد أنا لست مؤلفاً.
• أنتم هكذا أيها الخبراء الأنجاس تأتون باسم الخبرة أو السياحة ثم تأخذون في البحث عن عيوبنا ..
• عيوبكم؟
• أجل.. أنتم دائماً في الأحياء الشعبية تلتقطون صور الأطفال وهو يلعقون أنوفهم..هذه الصور أجدها في طيات ثيابكم كأنها أوراق عملة ..
• ولكنك ترى أنه ليس معي آلة تصوير.
• قد تكون رساماً.
• ولا رساماً.
• إذن تكتب ملاحظات في مفكرة خاصة.. أين هي؟
• وليست معي مفكرة.. لدي كتب فقط.
• ولماذا كتبت الحرب والسلم؟
• لم أكتبها أيضاً.
• أنت الذي قلت هذا.. أليس هذا إقرارك.. ألم توقع عليه؟
• نعم ولكني لم أقل بأنني ألفت كتباً.. قلت معي كتب.
• سنعرف كل شيء بعد قليل.
• التفت الموظف نحو أحد الحراس وأشار إليه بيده.. فتقدم الحارس نحو الشاب ولكزه
بمؤخرة البندقية .
• أمامي.. تحرك...
• إلى أين؟
• حجرة التوقيف.. تقدم.. أين أمتعتك؟
• هنا وسط هذه الحقائب.
• أخرجها.
• وحدي؟
• ومن تتوقع أن يساعد الخونة.
• تكلم بأدب من فضلك.
• ستعرف الأدب بعد قليل أيها الأجنبي القذر.

أخذ الشاب ينظر إلى جبل الأمتعة وهو يحاول التعرف على حقيبته.. ثم بدأ يزيح بعض الأكياس وعندما رأى الحقيبة جذبها بقوة حتى تخلخلت وأخرجها.. وتقدم بها للموظف الذي لم ينظر إليه.. بل خاطب الحارس رأسا بغلظة:

• قلت لك احمله لحجرة التوقيف.
• حاضر.

ولكز الحارس الشاب مرة أخرى بمؤخرة البندقية ثم ضرب الحقيبة بقدمه:

• أمامي أيها النجس.

وتحرك الشاب حاملاً حقيبته والحرس يتبعه.. ثم رفع الموظف سماعة الهاتف وأخذ يدير ذراعاً صغيراً.. لحظات.. ثم أجابه الطرف الآخر:

• ابعثوا إلينا بسيارة التحقيق حالاً.. لقد ضبطنا شاباً آخر
• ........
• نعم.. لا لم نجد لديه صوراً.. لم نقم بتفتيشه بعد.
• ........
• يبدو عليه كذلك.. حجزته في الحجرة.
• ........
• لا تقلق.. لن نرحم أحداً.
• ........
• حاضر.. بكل تأكيد إنه منهم بلا شك.. لا.. لا ليس من المهربين.. يبدو عليه منهم ربما هو مؤلف.. إنه يتحدث بلغة تختلف عن الآخرين.. مع السلامة..

كانت الحجرة أيضاً مبنية من الصفيح.. وكانت صغيرة بها منضدة متهالكة وكرسي واحد.. دلف الشاب إليها محملاً بحقيبته.. بعد أن أمره الحارس بالوقوف في الزاوية تماماً..

وأخذ ينتظر.. وبعد ربع الساعة تقريباً دخل المحقق وبرفقته حارسان بالسلاح.. ونظر إلى الشاب ثم إلى الحقيبة.. ورمى الغلاف الذي في يده على المنضدة.. ثم جلس وهو يتكلم:

• إنه شيء متعب.. هؤلاء الأجانب القذرون.. ما أن أسلم واحد لإدارة السجن أجدهم قد ضبطوا أخر.. أية لعنة هذه ؟.

وأخذ يتصفح الأوراق المطوية داخل الغلاف.. ونظر إلى الشاب الواقف.. ثم خاطبه:

• ماذا حاولت أن تهرب؟
• لا شيء.. لا شيء على الإطلاق.
• سوف أرى.. قيل أنك لم تحمل صوراً للأطفال العراة
• نعم
• ولكنك كتبت كتاباً تقترح فيه السلم
• لم أكتب شيئا.. أنا لست مؤلفاً
• لقد اعترفت بذلك لموظف الاستقبال
• لم أعترف بشيء.. قلت إنني لا أحمل شيئاً إلا كتباً وقدمت له قائمة بذلك.. كان من بينها كتاب اسمه الحرب والسلم .
• متى ألفته؟ أنت تعرف أننا في حالة حرب.. وليس من حقك أن تكتب شيئا عن ذلك..
• يا سيدي أنا لم أكتب شيئاً.. لقد جئت للعمل كخبير ولم أستطع البقاء للظروف
التي تعيشها المنطقة وها أنا أريد أن اخرج ..
• بلا عودة.. ولكن بعد أن نقتص منك
• علام؟
• على تدخلك فيما لا يعنيك.. أخبرني أولاً كتبك اللعينة هذه من اطلع عليها من المواطنين ؟..
• لا أحد.
• كيف؟
• لأنني لم أتعرف على أحد من المواطنين.. لقد جئت أخيراً.
• تترفع عن معرفة المواطنين أليس كذلك.. هذه هي الحقيقة.
• أنت تنسى أنكم تمنعونهم من ذلك خشية أن يتلوثوا بأفكارنا، في اعتقادكم، والغريب ايضاً أنكم في حاجة إلى خبراتنا.. أليس هذا شيئاً مضحكاً.. مضحكاً لدرجة الموت.
• اصمت. تكلم متى يطلب منك.. أنت في تحقيق..
• أنا لا أدري لماذا التحقيق أمن أجل كتاب فقط؟
• من أجل تأليفك الكتاب.
• للمرة المليون أقول أنا لست مؤلفاً.. هذا الكتاب جئت به مع مجموعة أخرى لقراءتها وقت الفراغ ... • سوف نعرف عندما تصل السجن.
• السجن؟
• لا دار الضيافة المعدة للمشاغبين.. أعتقد أنها تسمية أخف وطأة.. أليس كذلك؟ ولكن قبل ذلك أريني مسودة الكتب.
• غريب.. إنه شيء غريب فعلاً.. قلت لك لم أكتب شيئاً.. إن ما معي رواية كاتبها مؤلف روسي شهير.
• وروسي أيضاً.. عليك اللعنة.. تريد أن تنشر أفكاراً هدامة في بلادنا أيها الأجنبي القذر.. هات الكتاب.

واقترب الشاب من حقيبته ثم فتحها وأخذ يخرج الكتب حتى وصل إلى الكتاب الذي أثار له كل تلك التهم وأثناء ذلك كان المحقق يقلب الكتب واحداً تلو الآخر..

• تفضل هذا هو الكتاب.. إنه عدة أجزاء..

وأخذ المحقق ينظر إلى الكتاب.. إنه عدة أجزاء فعلاً.. وكذلك مطبوع.. والصورة التي ظهرت في الخلف كانت لرجل كبير بلحية بيضاء.. بينما الواقف أمامه شاب.. وبدأ إحساس بالخيبة يتسلل نحو تلذذ المحقق بتعذيب المتهم..واخذ يحدث نفسه.. إنه فعلاً ليس من تأليفه على الأقل لا توجد في المنطقة آلات طابعة تظهر أعمالاً أنيقة بهذا الشكل.. إذن مــا العمل؟..

• حسناً.. يبدو فعلاً أنه ليس من تأليفك.. ولكن كيف دخلت به؟
• لقد جئت به مع هذه المجموعة وقد سمحتم لي بذلك.
• حسناً.. أين مذكراتك الشخصية؟
• لم أسجل مذكرات.
• إذاً سأكتفي بحجز كل ما لديك من كتب حتى تتفادى ذهابك لدار الضيافة.. أعتقد أنها صفقة رابحة لصالحك !!..
• لكنها كتبي ملكي.. كيف تحجزها بدون مبرر.. أنا خارج والأحسن لكم ما دام الأمر كذلك أن أخرج بها حتى لا تلوثكم بأفكارها الطيبة أليس كذلك؟
• لا سنبقيها هنا مع بقية الصور المحجوزة.. لقد ضبطنا العديد من أمثالك معهم أفلام كاملة عن قرانا.. أنا لا أدري لماذا لا يحلو لكم إلا تصوير الأطفال العراة والذباب يلعب حول عيونهم أنا لا أدري لماذا؟
• ولا أدري لماذا تحجز كتبي وأنا خارج بها.. لماذا؟
• كفى كلاماً.. إذا كانت لك أشياء أخرى اسحبها من الحقائب واخرج..
• وعندما أجابه الشاب بأنه لا يريد أخذ شيء أمر المحقق الحراس بإخراجه لإنهاء إجراءات سفره..

وعبر الشاب الممر حيث استلم بقية أوراقه وهو يحس بأن جزءاً منه قد سلب عنوة ثم صعد سلم الطائرة فيما كانت الريح المحملة بالأتربة الحمراء تعصف.. وأرخى نفسه على المقعد.. ولم يهتم بأي شيء حوله.. وأخذت الطائرة تنزلق على المدرج.. مرت على لافتة وسط الخلاء استطاع أن يرى كلمة "مرحباً بكم في بلادنا".. وهو يمسح الغبار المختلط بالعرق من على وجهه بينما جاره ينبهه إلى ربط حزامه حول وسطه، وعندما ارتفعت الطائرة بالحد الذي يذهب الاضطراب ويعيد إلى النفس شيئاً من راحتها ويسمح للركاب بالحركة داخلها التقطت يده النشرة الإعلانية التي كانت المضيفة قد أخذت في توزيعها على الركاب عوضاً عن الجرائد.. وكانت الحروف الكبير البارزة في الإعلان تقول: "تمتعوا بقراءة روائع الفكر الإنساني".

رجب الشلطامي
بنغازي في 10/10/1970
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذه القصة في صحيفة قورينا / بنغازي ـ 15/12/2009 العدد 592


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home