Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Rajab al-Sheltami
الكاتب الليبي رجب الشلطامي


رجب الشلطامي

الأثنين 17 نوفمبر 2008

الديمـقراطية أولاً...
للمرة الثانـيـة؟!!
(*)

رجب الشلطامي


جريدة "الحقيقة" ـ 16 نوفمبر 1969م

إذا ما أراد المرء أن يبحث في كتب التاريخ الموجودة حاليا ، والتي كتبها بعض الملتحمين بالنظام السابق ، فإننا نجدهم قد زيفوا حقائق التاريخ الليبي ونسبوا لأنصار العهد السابق كل الفضل والبطولة، ونجدهم بكل وضوح قد حرموا كل المناضلين الحقيقيين الشرفاء الذين سقطوا في أرض ليبيا وروا ترابها بدمائهم الزكية ، حرموهم حتى من ذكر أسمائهن ولنرجع قليلا إلي الوراء .. ونحن في هذا المجال لا نريد أن نخوض غمار التاريخ منذ بدء الحركة الوطنية .. أي منذ عهد الاستعمار ، فذلك نرجو أن يتكفل به مؤرخون شرفاء ممن عاصروا تلك الفترة وبحثوا فيها ، ولكننا نريد البدء من العهد الذي بدأت أذهاننا تتفتح علي حوادثه ..
استطاع شعبنا الطيب المؤمن وبفضل الحركات الوطنية المخلصة في تلك الفترة أن ينهض بأفكار وطنية ومبادئ شريفة في أحد سنوات الحرب العالمية الثانية .. فأخذ يسير خلــف القيادة الوطنية الشريفة الموجودة بالداخل بخطي ثابتة علي طريق الحرية .. وكان من الممكــن جدا أن يكون لهذه القيادات الشريفة أمر تسيير الأمور في البلاد ..
ولكن ما حدث كان بداية لعهد مظلم .. فلقد تآمر المستعمر علي هذا الشعب المناضل وجند كل أفكاره الاستعمارية في إبعاد الشرفاء عن تسيير دفة أمور البلاد.. وأقام المستعمر نظاما رجعيـا متخلفا ليكون له الأمر والنهي.. وليكون هذا النظام ملجأ للعملاء .. وهكذا تسلط ذلك الحكم الذي ورث عن خيانة كل الأساليب الوحشية .. وأخذ العملاء يبنون نظاما رجعيا يرتكز علي الدعم الأجنبي والي حماية القبائل التي كانت بمثابة الحارس الأمين .. والواقع انه حتى القبائل لم تجد غايتها كاملة في ذلك النظام نظرا لأن النظام كان قد ركز اهتمامه علي شخصيات معينة ورثت كل الامتيازات حتى أصبح الحكم وكأنه وقف علي عدة أشخاص..واستمر الحكم في تدعيمه لهذا النوع من النظام أي النظام القبلي والمجتمع القبلي بكل ما فيه من شراسة وتخلف، ولم يكن يهدف من ذلك سوي أن يفكك الشعب حتى لا يمكنه أن يجتمع حول رأي واحد.. وبالتالي يكون الشعب محروما من أية قيادة وطنية نظيفة .. ومن أجل ذلك فهو لم يكتـف بهذا فحسب بل استطاع أن يصنع أكبر قوة بوليسية في تاريخ الشعوب .. لتكون بمثابة قوة حراسة تحمي امتيازات العملاء والخونة معا ...
أولئك العملاء الذين تسلطوا علي الحكم فأخذوا يحكمون الشعب حكما مطلقا حتى أن المرء يستطيع أن يصفه بأنه كان امتدادا للعهود الاستعمارية الفاشستية التي اختلفت علي الوطن العربي ..
كانت القوة البوليسية هي الحارس الأمين لذلك النظام لأنها تولت بكل إخلاص وبأفكار غربية مهمة إسكات الشعب وضرب كل الحركات الداعية للتحرر من نير الاستبداد.
أما عن الجهاز الإداري فأن الحديث يطول .. ويطول .. إن أقل وصف يمكن أن يطلق علي ذلك الجهاز المتهرئ انه جهاز متخلف جاهل ، ونستطيع أن نقول بأنه كان امتدادا للحكم الإداري العثماني!! وأكثر من ذلك فانه كان ينفذ وبإخلاص أيضا كل مطالب وأغراض الاستعمار .
والشئ الأخر والأساسي.. المؤسسات الديمقراطية .. فالمرء في هذا الخصوص لا يجد شيئا أكثر صدقا مما قاله المرحوم احمد رفيق في قصيدته " إلي قومي" تلك المؤسسات لم تكن تمثل بالمعني الحقيقي مهمتها بل كانت مسارح تمثل علي خشبتها مسرحيات هزلية فكاهية .. ألفها وأخرجها وجاء بالممثلين لها ذلك النظام البائد لتكون بديلا لأية مؤسسات ديمقراطية حقيقة تمثل رأي الشعب المناضل .
وكانت هذه المؤسسات الممسرحة تجد الحماية الكافية من القوة البوليسية التي تتولي أيضا حماية القوات الأجنبية المتمثلة في القواعد والاستثمارات الأجنبية وغيرها .. ومن لا يتذكر تلك الاعتقالات التي جرت في فترات الانتخابات والتي كان المسئول عنها بفخر بكل وقاحة بأنه كان ذات يوم يقوم بقص أذان المجاهدين لتسليمها إلي سلطات الاحتلال الايطالي وكان يفخر – أقصد المسئول عن الاعتقالات – بأنه كان قد قتل كل الرجال الشرفاء منذ زمن وان البلاد قد أعقمت .. ولم يعد فيها رجال ..ومن لا يتذكر النواب الذين وضح تزييف تمثيلهم أمام الرأي العام .. بل وأكثر من ذلك أخذهم لمبالغ خيالية لإعادة ترشيح أنفسهم في الدورات الانتخابية الاخري.. هذا فيما يخص المؤسسات الديمقراطية والتي كان الشعب يطلق عليها اسم المؤسسات المسرحية ..
ولقد طوق شعبنا بستار أكثر من حديدي .. وعزل بدقة متناهية عن قضايا الشعوب العربية وأيضا قضايا العالم الأخر.. ويستطيع المرء أن يذكر أولئك الشهداء الذين سقطوا في بنغازي والزاوية وفي جميع أنحاء المدن والقرى سقطوا لا لشئ إلا لأنهم أرادوا اظهارتأييدهم للقضايا العربية .. وهناك العديد من الشباب المثقف سجن وعذب وشرد لان مطالبه كانت ذات يوم توحيد البلاد من نير الولايات والحكم المتخلف والمطالبة بالتفتح علي العالم المتحرر .
هذا الشعب المناضل إمعانا في التنكيل به أقاموا له مؤسسات إعلامية للإسهام في تزييف الحقائق وليتكون بوقا ينفخ من خلاله ذلك النظام المعادي للشعب وللحريات والديمقراطية ...
وكانت هذه المؤسسات الإعلامية بمختلف أنواعها يحميها دستور فرض علي الشعب دون أخذ رأيه وحرم الشعب من جميع حقوقه وذلك بتقييده بعدة قوانين أخري.. ويستطيع المرء منا أن يتذكر العديد من الصحف الشريفة التي خنقت في المهد لا لشئ إلا لأنها رفضت أن تكون بوقا للنظام تطبل له وتزمر .. تلك المؤسسات الإعلامية التي استطاعت أن تأتي بكل الأفكار الشيطانية لتخدير الشعب..استطاعت أن تأتي بأكبر مجموعة من الأقلام والتي مع الأسف الشديد كانت من بينها أقلام تحولت إلي أقلام انتهازية تبرر كل موقف من مواقف النظام وتجد له من الأعذار ما يكفي لطمس كل الحقائق الموجودة في الدنيا .. وأخذت بعض هذه الأقلام تقوم بدور الخيانة بدقة متناهية.. بل ويستطيع المرء أن يقول أن بعض هذه الأقلام تحولت إلي " بوليس سري" تحمل في تقارير واضحة كل افكارواهداف وتفسيرات الكتاب الشرفاء ..
بل وهناك من هذه الأقلام من جعل نفسه وصيا علي الأدب والفكر يلونون من يشئون بشتى الألوان .. ومنهم من طالب بإقامة محاكم للفكر والمفكرين .. أليس ذلك غاية العجب !! بل منتهي المسخ !! والمرء أحيانا لا يريد أن يسرد كل تلك الافتتاحيات وتلك الملفات التي كتبت في معاداة الاشتراكية .. بل ومعاداة الديمقراطية أيضا .. هذه الأقلام نجدها ألان تريد أن تلتصق بكل وقاحة ودون خجل وهي تدعي الجهاد الاشتراكي والنضال الاشتراكي والكفاح الاشتراكي..
ليتنا فقط نجد أبسط الأدلة علي ذلك ؟ وليست مهمة المرء في هذا المجال الحديث عن مغابــن الماضي وعن أولئك الذين زيفوا الحقائق وكتبوا في التاريخ كتبا عديدة ومداخل في الاشادة والتطبيل .. وليس من مهمة المرء في هذا المجال أن يذكر تلك الأصوات التي كانت تتغني بتخليد ذلك العهد.
ولذلك جاءت الثورة وقد تعبأت بكل هذه الحقائق الرهيبة .. جاءت لتضع حدا لذلك النظام السابق .. ولتكون امتدادا للنضال الوطني الشريف .. هذه الثورة جاءت لتضع الشعب أمام مسؤولياته علي الطريق المنشود .. طريق يرصفه شعبنا بكل شرف وأمانة ليصل وحــده إلي الخير دون معاونة من الذين سلبوه كل مقوماته الحياتية .
ولذلك فمن حق شعبنا المناضل أن يعرف كل كبيرة وصغيرة.. لأنه صاحب الحـق ومن حقه أن يعرف معني الثورة ليسير معها .. فالثورة لا تعني بشكل من الأشكال الإطاحة بالنظام السابق فقط ، رغم أهمية ذلك ، بل الثورة تعني القضاء المبرم علي محتوي النظام السابق بكل جذوره نهائيا .. وهذا القضاء هو المسألة التي يجب أن تكون البداية .. فالثورة تعني بالدرجة الأولي الديمقراطية المطلقة للشعب لأنه صاحب الحق وعليه أن يمارس سيادته من خلال مؤسسات شعبية حرة .. هذه الديمقراطية التي حرم الشعب من ممارستها بشكلها الحقيقي زمنا طويلا.. والثورة تعني أن الشعب سيتولى بناء اقتصاده علي أسس علمية جديدة تسير به نحو طريق الرفاهية والعدالة الاجتماعية الحقيقية ..
والثورة تعني أن الشعب هو الذي سيتولى الدفاع عنها بإعداد احتياطي من الشباب المخلص والاجتهاد والاحترام المتبادل الخالي من التسلط أو توجيه بوليسي ..
الثورة تعني أن علي الشعب أن يحترس من تلك الوجوه التي حاولت أن تزيف له واقعه طيلة ثمانية عشر سنة والتي تريد أن تتسلق ألان من جديد ..
وبشئ من الاختصار فأن الثورة تعني بأنه يجب أن تتاح للشعب فرصة بناء بــلاده بنفسه لتكوين دولة حديثة تعاضد بجدية حقيقية نضال الشعب العربي ويكون لها دورها الطليعي في نضال شعوب العالم الثالث من أجل خلق علاقات جديدة بين شعوب العالم .
فالثورة تعني أن البلاد حرة ترفض التسلط الاستعماري ولها أن تختار جيلا جديدا ديمقراطيا يؤمن بالديمقراطية أولا .. وأخيرا ...والسؤال اليوم ما الذي تغير بعد مرور كل هذا الزمن الطويل جدا جدا ؟!!

رجب الشلطامي
________________________________________________

(*) هذا الموضوع نشر في جريدة الحقيقة بالعدد رقم 1257 بتاريخ 16 /11/ 1969 (الصفحة الأخيرة بعنوان كلمة وكاتب ) .. .. ونشرته للمرة الثانية (بعد 39 سنة) بصحيفة قورينا بتاريخ 16 /11/ 2008، وتوافق تاريخ اليوم كان بمحض الصدفة!


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home