Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Rajab al-Sheltami
الكاتب الليبي رجب الشلطامي


رجب الشلطامي

الإربعاء 15 سبتمبر 2010

قصة قصيرة

الشيء المفقود *

رجب الشلطامي

سمع طرقات خفيفة على باب الحجرة ، كانت شبه استئذان رفع بصره فالتقت نظراته بامرأة شعر بسخونة سرت في جسده ، أنه يعرفها، فهذه جارته في الشقة المقابلة ، وقبل أن يتساءل مع نفسه عن سبب مجيئها ، كانت قد ابتسمت وهي ترفع إصبعها نحو جهاز التليفون .. فعرف أنها تريد أن تتصل بمكان ما .. وقف في ارتباك .. وهو يشير إليها بالتفضل .. فاتجهت نحو الجهاز .. وعندما أمسكت بالسماعة رمت بنفسها على الكرسي المجاور للمنضدة ووضعت رجلاً فوق الأخرى . ثم أخذت تدير قرص الأرقام .

كانت امرأة رشيقة ترتدي فستاناً يلف جسدها في إغراء .. خصوصاً إذا ما تبعها وهي تصعد السلم .. لقد كان كلما رآها أو شاءت الصدفة أن يسير خلفها وهي تصعد إلى شقتها ، شعر بشيء في داخله يحرقه . يلدغه كالثعبان .. فهي رغم الكبر الذي يبدو على ملامحها ، جذابة بشكل لا يقاوم ، شعرها الفضي القصير يبعث في نفسه دفئاً لذيذاً .. ولكم تمنى مراراً لو داعبته أنامله .

أثناء حديثها كانت تهز رجلها في إيقاع مع الكلمات ، مما زاده شعوراً بأن حرارته غير طبيعية ، وبأن شيئاً في داخله يتحرك .. كعبها الذهبي الذي يعكس أشعة الشمس المتسللة عبر النافذة ، هو الأخر زاده نوعاً من الذهول .. ترى هل تفعل ذلك عفواً ؟ أم بقصد ؟ ! .. لقد كانت تبادله تحية الصباح كلما التقى بها .. وكان يعرف بأنها تقيم بمفردها في الشقة فقد سأل عنها البواب الذي يقوم بخدمة السكان .. أنه لا ينكر بأنه تبعها ذات مرة عندما خرجت .. يراقبها من بعيد ، وهو مقتنع تماماً بأنه لم يفعل ذلك عفواً فكان يعجبه ذلك الإغراء المنبعث من خلال مشيتها الراقصة ، ومع ذلك فلم يفكر يوماً بمحاولة التقرب منها .. لا يدري لماذا ؟ ربما تردده هذا مرجعه الخوف من الناس .. وربما لعدم الشجاعة في مخاطبة امرأة غريبة عنه .. كانت مسترسلة في حوارها بلغتها الصعبة الفهم ، وتطلق ضحكة خفيفة بين لحظة وأخرى .. وعندما أخذت تفتح حقيبتها بيد بينما الأخرى ممسكة بالسماعة .. أخرجت علبة السجائر ، فأخرج ولاعته .. وضغط عليها فاندفع اللهب فجأة .. قلل من ارتفاعه .. ووقف منحنياً على المنضدة التي تفصلهما ، وأشارت له بيدها شاكرة .. وابتسم برد هامس وحمرة تعلو وجهه وأحس من جديد بأن حرارته مرتفعة .. وعندما جلس على الكرسي أخذ يفكر .. ترى كيف سيبدأ معها الحديث وعاد فتذكر مشكلة أخرى لو حدثت .. فماذا لو قدم أحد الأصدقاء .. أنه سيفسد عليه خطته ..

فكر بأن يقوم ويغلق الباب حتى إذا ما قدم احد اعتقد بأن المكتب مازال مغلقا .. لا .. ربما يقف القادم بالباب ، وعندها فإن سوء النية متوفر لدى الجميع !! حديثها لم ينته .. انتهت سيجارتها وأخذت تغرسها وسط المنفضة وقد علقت بها أثار لون أحمر .. مرت لحظات .. أخرج خلالها علبة سجائره سحب منها واحدة ثم مد يده بالعلبة نحوها .. أخذت منها واحدة دون أن تنظر إليه .. أنه لشيء رائع ! .. امتدت يده بالولاعة . نامت يدها على يده لحظات .. شعر بأن دمه يغلي كأنه في مقلاة .. وجسده يرتعش في حمى غريبة .. كل أطرافه تتوتر .. أخذ جلده ينضح بالعرق .. فمد يده نحو ياقة قميصه أحس بأن عنقه قد زاد حجمه.. ورائحة غريبة في فمه .. كانت كطعم النحاس الصدئ ريقه جف تماماً .. لم يستطع أن يلعق شفتيه .. السيجارة اللعينة التصقت بشفتيه .. فعندما سحبها لدغته جمرتها .. أخذ ينفض يده وهو يتحسس أصابعه .. حديثها ما زال مستمراً .. ليتها تستمر حتى يتعود على وجودها معه .. ويهدأ فيمكنه بذلك أن يتحدث معها .. فقط لو تخف حرارته.. وتساءل في نفسه هل ينفع الاسبرو ؟ .. أنه لا يدري . وقف متجهاً نحو الحجرة الأخرى فأمسك بزجاجة الماء المثلج .. كفاها على فمه .. شرب أكثر من نصفها أحس كأنه جمرة قذفت في الماء ... شيء غريب .. وعندما أمسك بباب الثلاجة ليغلقها وهو ينظر إلى طابور الزجاجات الواقفة والنائمة فوق الأرفف وقد اختلطت فوقها بعض العلب المحفوظة وأشياء أخرى .. بدأت صورة أخرى تطفو من الماضي .

فقد كانت صورة للثلاجة التي في بيته .. كأنه يقف هناك .. في حجرة المطبخ حيث تعد زوجته وباستمرار منذ أكثر من ثلاثين سنة وجبات لطعام لا تتغير .. فسوف يأتي الأولاد .. أنهم ليسوا أولاداً أنهم رجال .. سيغادرون أعمالهم ويعودون للغداء .. كل منهم يصرخ وهو يرمي بسترته على سريره .. أنه لا يحب هذا الطعام المكرر .. والأخر ينادي أنه طعام لذيذ .. أريد صحناً أخر .. بينما أمهم تحثهم على الزواج .. فهي امرأة لم يعد في مقدورها خدمتهم جميعاً .. لقد أصبحت امرأة عجوزاً هرمة ، لم ترزق بصبية تحمل عنها بعض الأعباء .. لقد زحفت أجيال على ثدييها .. امتصت منها الحياة وتركتها كيساً من الجلد الفارغة .. لقد تزوجها عندما كان عمره ثمانية عشر عاماً .. أنها رغبة والده .. لم يكن في ذلك الوقت يملك إمكانية الحياة بمفرده .. لم تكن زوجته غريبة عنه فهي ابنة عمه .. حافظ والده على أن ينفذ وصية شقيقه بتزويجه من ابنته .. نفذ الوصية على حسابه .. أنه لصعب أن يعيد المرء ذكرى سنوات بعيدة .. لم يستطع أن يفعل أكثر من أن يمارس معها الحب بنفس الشكل منذ أن كان صبياً .. على الحصيرة القديمة .. كانت حريصة على أن تعطي والده حفيداً في نهاية كل سنة .. وهو لا يملك أن يرفض أو يقبل .. ما دام والده هو الذي يتكفل بالنفقة عليه وعلى القادمين.. كان عليّ أن أصنع وهو يربي .. منه رأس المال ومني الصناعة المقبولة .. ليست بالجيدة تماماً ..يتحدث مع نفسه ..

طوال هذه السنوات البالغة الفراغ والقسوة .. عاش كما يعيش أغلب الناس .. لا هدف .. لا أمل .. ولا شيء على الإطلاق .. كل ما يمكنه القيام به هو الأكل والسهر والإنجاب بقدر الإمكان ودون أن يكون لذلك هدف ما غير أنه الآن بعد أن وصل هذه المرحلة من العمر بدأ يشعر بأن هناك شيئاً مفقوداً في حياته .. مفقوداً لديه منذ الأزل .. وما يقلقه أحياناً أن هذا الشيء لم تتحدد معالمه بعد .. لم يستطع أن يلمس رأس الخيط ليسير معه .. أنه مقتنع بذلك تماماً .. لقد بدأ يحس بأن كل شيء يتغير في داخله لقد بدأ يعرف بعض الأشياء ... ولا يستطيع أن يذكر بأن هناك شيئاً أخر غير الأكل والسيارة يجب أن يتوفر في حياة المرء .. ولكن ما هو ؟ لا يدري أنه الآن أكثر هدوءاً من قبل .. لقد أطفأت زجاجة الماء لظى عطشه. شيء غريب .. وهو يتحسس جبهته ليمسح العرق متجها إلى مكانه . وعندما جلس كانت قد أنهت حديثها ووضعت السماعة .. ثم صوبت نظرها نحوه :

• شكراً .. ولكنني مضطرة للانتظار عدة دقائق في انتظار مكالمة .

• تحت أمرك المكان والتليفون و.. وأنا أيضاً ..

• شكراً ..

أين الكلمات ..؟ لم يعد قادراً على مواصلة الحديث .. حلقه يجف مرة أخرى فيمد يده بالعلبة من جديد ابتسمت في شكر بينما أخذت تنظر إليه ، ومد يده المرتعشة بالولاعة .. وفي هذه المرة كانت قد سبقته بإخراج علبة الكبريت وأصرت على أن يولع سيجارته منها .. وعندما جلست بدأت تتحدث :

• شيء غريب .. الإنسان هنا يضيع بين الخير والشر .

• إنه بلد مضياف كريم لا يبخل على أحد ..

أحست كأن سهماً اخترقها بهذه الكلمات فلم تخف نوعاً من العصبية التي لاحت على حركات يدها وهي تشير مستنكرة .:

• ليس هذا ما يهمني .. وليست قضيتي أن يكون مضيافاً أو بخيلاً .

وشعر بدوار كأن كلماتها رصاصة عبرت رأسه فتناثر .. ما مناسبة الكرم والبخل الآن .. لعنة الله عليك أيها الارتباك اللعين .. ولكنه أعطاها سيجارتين في ربع ساعة أو أكثر .. أنه منتهى الكرم في بلدها .. لا .. لا أنه فقط مرتبك وعندما يرتبك الإنسان يكون كلامه أقرب إلى الهذيان وبعد أن أخذت نفساً عميقاً من سيجارتها أكملت حديثها :

• لقد كنت اتصل بالصديق الذي كان السبب في مجيئي هنا للعمل .. أريده أن يعمل على إنهاء إجراءات عقدي لكي أسافر .

• لماذا ؟ ! ..

• لم أعد أطيق البقاء في مكان يعتقد الرجال فيه بأن كل امرأة موجودة هنا من حقهم أن يتمتعوا بها .. أنهم يطاردونني باستمرار وكأني مومس تعيش تحت أعمدة المصابيح .. في كل مكان أذهب إليه أرى الجوع في العيون التي تكاد تلتهمني دون خجل .. حتى تصرفاتي الخاصة لم أجد راحتي في ممارستها .. حتى مجلاتي وكتبي التي أفضل قراءتها لم أجدها .. إنها ممنوعة .. تصور .. والاسطوانات التي احبها لم أعرف من أي مكان يمكنني أن ابتاعها.. ولكن كان يجب أن أعرف من الأول بأني متجهة للبقاء في مكان تقيد فيه حتى حرية الزواج .. أنت لا تستطيع أن تقترن بامرأة من خارج حدودك أليس هذا عجيباً ؟ّ.. لقد شعرت خلال مدة بقائي هذه بأن شيئاً قد فقدته .. وأصبحت الآن أبحث عنه .. تصور .. حتى خفير العمارة يطاردني وكأني أحدى الجواري التي يرغبها ..

• حقاً .. أنه شيء غريب . ولكن ..

وقبل أن ينهي كلماته رن جرس التليفون .. والتقت نظراتهما في سؤال لمن .. ولكنه أشار إليها بالرد ... وفعلاً فقد كان لها .. وبدأت عملية حوار جديدة .. وأخذت ترفع حاجبيها بين لحظة وأخرى ثم تنقر على المنضدة بأظافرها ..

ولم يدر ما يفعل .. هل سيدخل معها في نقاش .. ربما تعدل عن فكرة السفر .. ووضعت السماعة .. ثم وقفت ومدت يدها مصافحة :

• شكراً لقد انتهى كل شيء سأسافر بعد ثلاثة أيام .

• و .. ولكن .. العمل هنا مربح .. والحصول عليه فرصة لا تعوض ..

• شكراً على التليفون ... النقود ليست كل شيء ..

وعندما خرجت .. رفع يده المبلولة بالعرق وهو يشم رائحة العطر الذي تركت أثاره على كفه .

رجب الشلطامي
بنغازي في 5/7/1969
_________________________

(*) سبق لي نشر هذه القصة بصحيفة قورينا 23/8/2010 العدد 826


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home