Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Rajab al-Sheltami
الكاتب الليبي رجب الشلطامي


رجب الشلطامي

الأحد 9 نوفمبر 2008

باختصار :
دولة القانون.. ودولة "الغـِيطة"!!

رجب الشلطامي

قبل إن نلج في دولة الغيطة فلنعرف” الغيطة” أولا باعتبارها مأثور شعبي عريق وكانت تقام خلال أيام العرس أمام بيت العريس أو العروس دون تمييز وتقام في الغالب بعد صلاة المغرب وقبل دخول صلاة العشاء بمجموعة من رجال الحي وشبابه وأطفاله ( مجانا) يضربون علي طبل كبير أمام الموكب ( كعّابي) بمعني مشيا علي الأقدام لقرب المسافات وصغر الأحياء السكنية في ذلك الزمان ويردد الكبار منهم مجموعة من الأهازيج الشعبية مثل: ( علي البيرة علي البيرمان..علي السمحة ميت سكران.. تبيع وتشري في الدكان.. النظرة منها بالميزان .. الخ) أو أهزوجة أخري تقول: ( يا عرفي سرحني نركب .. نركبلك ع الشنطة البيضاء المدسوسة.. والشنطه فيها الوريقة .. لوريقة سمحة مكتوبة.. الخ).. ولسموّ المأثور الشعبي واحترامه للعرف والمقدسات فكان هؤلاء" الغيـّاطة" عندما يقترب الموكب، الذي تتبعه نساء ليلة الحنّاء أو ليلة الزفة - مشيا- إلي احد المساجد أو الزوايا الصوفية أو مأتم فيغيرون في الحال نغمتهم وأناشيدهم وتتحول إلي ابتهالات ومدح في الرسول ، صلي الله وسلم، أو ثناء علي احد مشايخ الطرق الصوفية وفقا لأتباع الزوايا التي مروا عليها كقولهم: ( اللهم صلي ع النبي .. علي شيخنا ساكن مكناس !!) وهكذا ..
أما اليوم فقد اندثر كثير من المعاني بالتدريج واتسعت المدينة وتغير سكانها وأخذت الغيطة شكل مخالف فهي الآن تقام بعد منتصف الليل بكثير لما في ذلك من إزعاج مقصود وقلة ذوق وهي تقام بأجر " للغيأّاط" الذي أصبح محترفا لهذا الفن فيدفع له في الليلة الواحدة ما يعادل اجر مدير مدرسة خلال شهر.. ويأتي في الغالب مخمورا لا يكاد يري أو يسمع شيئا وتحيط به ثلة من الشباب المتعاطي لحبوب الهلوسة يردد عليهم جملة واحدة لا تتغير بصوت مبحوح كله نشاز مزعج وهي : ( حييه عليكم آهو جاكم.. حييه عليكم آهو جاكم ..) وهم يردون عليه بنفس الجملة دون تغيير دون أن تعرف من الذي جاء ومن الذي ذهب !! وتنتهي السهرة الصباحية في كثير من الأحيان و نتيجة تعاطي حبوب الهلوسة بمجموعة في مركز الشرطة وأخري في مستشفي الحوادث بعد أن تحولت السهرة إلي معركة بالسواطير وأمواس أبو خوصة .. وهكذا تشوّه مأثور شعبي كانت له بهجته ومعانيه ( السامية لما نسمعه اليوم) وأصبحت الغيطة رمزا لكل معاني الفوضى والتسيب وقلة الذوق .. وبعد أن عرفنا الغيطة في السابق واليوم فلندخل في تعريف الفرق بين الدولتين أي دولة القانون ودولة الغِيطة، ولنستهل الموضوع بدولة القانون :

دولة القانون
دون مماحكات أو تقعر لغوي وبتعريف بسيط جدا فان دولة القانون تعرف في كثير من الموسوعات وكتب السياسة بأنها هي الدولة التي تخضع الهيئات الحاكمة فيها لسيادة القانون، بحيث تصدر كل تصرفاتها وفقا لقواعد قانونية عامة سابقة علي الحوادث التي تطبق عليها، ويعبر الغرب عامة والانجليز خاصة عن هذا المبدأ باصطلاح ( مبدأ حكم القانون) ويصور الأمريكيون الحكومة في ظله بأنها حكومة قانون، وليست حكومة رجال، لان الدستور يمثل قمة القواعد القانونية التي تخضع لها السلطات العامة، فأنهم يطلقون علي هذا النظام أحيانا كلمة "الدستورية" وظهر مبدأ الدولة القانونية بعد ما استقر في الفكر السياسي الفصل بين السلطة السياسية والحكام، بحيث أصبح الحكام مجرد مفوضين، عن الشعب صاحب السلطة، في ممارسة الاختصاصات التي يحددها لهم نظام قانوني سابق علي توليهم لمناصبهم. وهذا الخضوع للقانون يشمل السلطات الثلاث: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية. وبذلك يكون لهذه السلطات الثلاث اختصاص مفوض أو مقيد، وإذا كان خضوع الدولة القانونية لا يتعارض مع منح الهيئات العامة بعض السلطات التقديرية. فان الإسراف في منحها مثل تلك السلطات إلي المدي الذي يجعل منها سلطة تحكمية يهدم جوهر نظام الدولة القانونية، واكتسب هذا النظام أهمية كبري بعد التحول السياسي العام نحو الاشتراكية وتدخل الدولة لتحقيق الرخاء العام للمواطنين، إذ احتاجت السلطة العامة إلي مزيد من السلطات التقديرية لتواجه هذه المهمة الجديدة بصورة تعارضت أحيانا مع مقتضيات هذا المبدأ، كما إن مدلول المبدأ وعناصره قد اختلفت بين دول الديمقراطية التقليدية ولدول الديمقراطية الشعبية. وقد خصصت اللجنة الدولية لرجال القانون جانبا من جهدها في السنوات الأخيرة لمعالجة هذه المشكلة في صورتها الجديدة، ويسمي مبدأ خضوع الدولة للقانون كذلك " مبدأ الشرعية"..
وكما قلنا في البداية ببساطة هذا هو التعريف الحالي السائد لدولة القانون دون الولوج لنوعيات وتشبيهات مماثلة كدولة المدينة وهو النظام الذي كان سائدا في بلاد الإغريق والرومان وغيرها..وقد تتغير بعض هذه التعريفات وتدخل عليها تعديلات جديدة لتتلاءم مع مفهوم عصر العولمة وما أدراك ما العولمة !!.
ولأننا قلنا في السابق بان الغِيطة تحولت من فرح شعبي رائع وأصبحت رمزا للفوضى والضياع حتى أصبح بالإمكان أن تستخدم كمصطلح لكل ذلك ، فلندخل مباشرة :

دولة " الغِيطة" السائدة في معظم العالم الثالث والتي يكثر فيها الفساد وينتشر بأسباب غياب القانون وان كان موجودا ورقيا- بمعني علي الورق في الأرفف- فتكون دولة "الغِيطة" في الغالب سببا للتخلف الاقتصادي والتنموي والاجتماعي وأسباب كثيرة قد لا يسمح المجال لذكرها كلها ولكن يظل أولها والأساسي والفعال فيها هو الفساد السياسي الناتج عن غياب دولة القانون وتسود دولة " الغِيطة" بمعني تغيب الحريات العامة و مؤسسات المجتمع المدني وغياب الرقابة الإعلامية كالصحف وما في حكمها.. وتتسبب في هروب الأموال للخارج وارتفاع نسبة البطالة وبالتالي انتشار الفقر .. ودولة " الغِيطة" تتحول إلي ( كل يغني علي ليلاه) وحارة كل من ( ايدو إلو..) و ( البقرة الطايحة تكثر سكاكينها) و( ومد إيدك وألحقها) و ( كلهم هكّي) أي هكذا.. الخ.. وما يصاحب هذا التسيب من سوء الإدارة وغموض التشريعات وتعددها وتناقضها أيضا لدرجة أن هناك قوانين تلغي بقرار إداري أو رسالة عادية بل وفي كثير من الأحيان بمكالمة هاتفيه أو أمر شفهي !! وتظل السلطة المطلقة للفرد أو لمجموعة من الأفراد من اكبر أدوات الفوضى والفساد وهي البيئة الحاضنة والبؤرة الراعية والمفرخة للفساد الشامل ومنها ينتشر ويتوسع ويصبح للمستفيدين شبه حماية قوية وسد يحتمون به في شكل تشريعات وقوانين قابلة للتفسير والتأويل الخاطئ ليتوغل المفسدون ويصبحون قيمون علي إدارة الدولة بكاملها حتى أنهم قد يصلوا إلي إصدار قوانين تحميهم وتسمح لهم بملاحقة أي صوت يحاول الوقوف في وجه تيار الفساد، وبذلك تدخل دولة " الغِيطة" في مرحلة الانهيار الوطني لأنها استقطبت كل ضعاف النفوس المريضة ممن ماتت ضمائرهم لأن قدوتهم نوعية سيئة تتمتع بالحكم المطلق والمسؤولية المطلقة فأصبحوا من ذوي الجاه والنعيم ولأن الظروف المحيطة بهم ساعدتهم فكونوا بيئة خاصة بهم ترتب عنها اهتزاز القيم الوطنية من جرّاء سيطرة أولئك الأشرار الباحثون عن الثراء بكل وسائله يصل إلي درجة السلب والنهب والسرقة واخذ الرشاوى والعمولات وغير ذلك من أدوات الكسب الحرام غير المشروع كاغتصاب الأراضي والممتلكات الخاصة والعامة الخ ...
ويتطور الأمر ويستفحل فيصل إلي المناصب والوظائف ويصبح توزيعها علي ذوي الحظوة والقربى أمر لا غبار عليه ، كما يحدث في العديد من الدول العربية، لتكون قلة من العائلات المتنفذة هي رأس النظام وذيله، تطبل لهم جوقة إعلامية وتمجدهم بحجة أنهم من حرر الوطن والمواطن من ظلم المستعمر وغبنه وكذلك الطابور الخامس وأتباعه، ذلك يحدث وبكل وضوح في اغلب دول العالم المتخلف وهي ما يسمي تجاوزا دول العالم الثالث .

بنغازي في 8/11/2008


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home