Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Rajab al-Sheltami
الكاتب الليبي رجب الشلطامي


رجب الشلطامي

الإربعاء 28 اكتوبر 2009

قصة قصيرة

الصورة القديمة *

رجب الشلطامي

كان أبرز شيء في الميدان الساعة الثابتة في البرج العالي.. وكانت متوقفة عن العمل منذ اليوم الثاني لتركيبها.. وبضع سيارات تجوب وسط الساحة.. يبحث أصحابها عن موقف.. بينما جندي المرور يطغى بصفارته على أصوات المحركات وهو يلوح لأصحابها بمغادرة المكان.. وقد اختلط صياح الباعة العارضين لسلعهم تحت الأقواس بالهدير الصادرمن مكبرات الصوت المغروسة على الشرفات ووسط الميدان...

كانت السماء تهتز مع ذبذبات الأصوات النحاسية المدوية بقوة هائلة تخترق الآذان فتحدث بها صفيراً مزعجاً.. كان النشيد المنبعث عبر المكبرات مشهوراً في تلك الأيام كان يتغني للزمن الجديد الذي ستنعم به البلاد.

رغم حرارة الجو فإن المقهى القابع تحت الأقواس كانت فيه نسمات صيفية رائقة.. تلعب بأجنحة القمصان الخفيفة للرواد.. بينما كانت بضع حمامات تتطاير من فوق مئذنة الجامع الذي يتصدر أعرض واجهة في الميدان ثم تحلق فوق أسطح العمارات.. وتعود.. كان المقهى غاصاً بالرواد وقد استحلى مجموعة كبيرة منهم الجلوس على الكراسي المطروحة خارج المبنى مستندين على الأعمدة الرخامية.. ووسط المقهى جلس عدد آخر من الزبائن.. وفي الزاوية القريبة من صندوق الزجاج حيث تظهر بشكل واضح علب السجائر.. جلس رجل أسمر أخفى فكه الأسفل بلحية قصيرة.. وقد دس عينيه خلف نظارة شمس تظهر له الأشياء بلون أخضر داكن.. كان يرفع رأسه في بعض الأحيان متطلعاً إلى سقف المقهى ثم ينحدر بالتدريج عبر الجدران حتى الأرضية.. وكأنه يريد أن يتأكد من أنه لم يطرأ عليها أي جديد بعد مسحه له من وقت قصير.. وبجانبه على بعد خطوات ، جلس ثلاثة شبان يرتدون قمصاناً ملونة خفيفة.. كانوا يحتسون مشروباً وهم يراقبون الحركة خارج المقهى.. وأحياناً كان ينهض أحدهم ويمشي حتى باب المقهى ويقف يتأمل مؤخرة فتاة مرت عبر صفوف الجالسين..

الصبي الذي يقوم بتوصيل طلبات الرواد يكاد يعرفهم جميعاً وحتى يعرف أنواع مشروباتهم ولأنه كذلك فلم يقترب من الرجل ذي اللحية لأنه عادة لا يطلب أي مشروب مباشرة.. ولكنه يختار لحظة معينة فيطلب بعدها قهوة بدون سكر. الحركة باستمرار في تجديد.. مجموعة تغادر أماكنها وأخرى تحتل الكراسي الشاغرة.. والصبي يتحرك بسرعة وسط المنادين والمصفقين..

الرجل ذو اللحية يتحسس جيب سترته ثم يخرج منه ورقة مربعة الشكل.. من طريقة فرجته عليها يعرف المقابل له بأنها صورة. كان يتفحصها بإمعان.. ثم يرمي ببصره نحو الميدان ويبقى لحظات وهو يتأمل العمال المنهمكين وهم يتسلقون السلالم يلصقون مجموعة من الأعلام ولافتات كبيرة.. ثم يعود من جديد يتطلع إلى الصورة.. وعلى شفتيه ظل ابتسامة غير واضحة المعالم.. ثم يهز رأسه وكأنه يطرد فكرة لمعت فجأة وطغت على مخيلته..

وتقوى حركة هز رأسه بقوة وكأن الفكرة قد تجسمت شيئاً فوق رأسه يريد التخلص منه.. ويصك على أسنانه بغيظ وتشنج واضح ويشد عنقه من الخلف بقوة.. وتمضي لحظات على حالته ثم ينهض ويتجه رأساً نحو الرجل الذي يقوم بغلي القهوة وإعداد الطلبات.. ويهتف فيه..

• قهوة.. قهوة..

• حاضر اهدأ.. وستكون جاهزة.. لحظات.

ويمد الرجل ذو اللحية يده نحو الصنبور وبيده الأخرى كوب ويفتح المياه بقوة حتى يطفح الكوب فيما ينظر إليه الرجل الآخر..

• المياه ساخنة... سأعطيك مثلجة.

• لا.. أريدها هكذا.. لقد تعودت عليها.

• استرح وسأحضر لك القهوة..

• أريدها هنا على الإطار..

ويأخذ الرجل في إعداد مقادير القهوة بسرعة ويدلق عليها الماء من الغلاية ثم يدسها عدة مرات داخل رماد الوجاق.. وعندما تفور يسكبها في فنجان صغير..

• تفضل.. قهوة تركية سادة.. عال.. العال..

• تركية.. كل شيء مازال تركياً.. أليس كذلك؟

• أنا لا أفهم في ذلك.. أعرف أن أعد القهوة التركية فقط.. وإن كان صاحب المحل يسميها قهوة عربية.. ولكن الجميع يقولون قهوة تركية..

• صاحب المقهى ينسب القهوة وفقاً لنوعية الزبون.. زمان كان يقول قهوة طليانية.. أنا أعرفه جيداً.. لقد كانت هذه التسمية مبهجة في ذلك الوقت.. كل المدينة كانت فرحة لأنها تشرب القهوة على الطريقة الطليانية.

• من رأيي أن تجلس على كرسيك.. ستحس براحة أحسن.. مياه الصرف المنسابة سوف تلوث ثيابك.

• سأشرب قهوتي هناك. أنا أعرف بأن لديك عملاً.. سأشرب قهوتي هناك..

ويعود فيجلس على كرسيه الذي تركه.. ويضع الفنجان.. ثم يتحسس جيب سترته ليخرج منه علبة السجائر.. وعندما وضع السيجارة في فمه أخذ يبحث عن الكبريت.. واستغرق بحثه لحظات.. وقد لفتت حركة بحثه نظر أقرب الجالسين إليه من الشباب الثلاثة.. فنهض نحوه وقد أخرج ولاعته.. ويدفن الرجل سيجارته ونصف وجهه بين يدي الشاب وتخرج على الفور سحابات متلاحقة من الدخان.. ثم يرفع الرجل يده شاكراً الشاب الذي عاد إلى مكانه.. ويرفع الفنجان ويرتشف منه.. وعندما أعاده كان قد أحس بشيء من الراحة.. وبدا من جديد يتفقد المكان يمسح الجدران بنظراته ولكن بشيء من الهدوء هذه المرة.. ثم أخرج الصورة.. وعاد يتفرج عليها من جديد.. ثم اقترب من الشباب الثلاثة وانحنى على الذي أشعل له السيجارة..

• انظر.. إنها قديمة.. أتعرف هذا المكان؟

• يبدو على المباني الظاهرة فيها أنها لنفس المكان..

• نعم.. إنه الميدان.. هذه الصورة عمرها كبير.. ثلاثون.. خمسة وثلاثون عاماً تقريباً.

أنتم لا تعرفون هذه المدينة.. لم يكن في الميدان ساعة في ذلك الوقت.. لقد كانت هناك مكبرات صوت فقط.. على كل واجهة.. تماماً كهذه.. وأشار بيده نحو مكبر صوت كان مربوطاً بأعلى باب المقهى.. كانت تنبه السكان "اتنسيوني.. اتنسيوني ".

أنتم لا تعرفون معناها.. انتباه.. انتباه.. سيلقي الدوتشي خطبة عصماء "اتنسيوني" على كل السامعين الوقوف وسط الميدان للاستماع والتصفيق إظهاراً للفرحة.

كنتم صغاراً.. لا.. لم تولدوا بعد.. كان الميدان يغص بالجميع في انتظار خطبة الدوتشي الخالدة كان الكل يصفق ويهتف بحماس.. وكانت الأناشيد تعلو على كل صوت.. تماماً.. نفس الشيء.. نعم أنا أذكر ذلك جيداً.. كانوا يحفظوننا الخطب في المدرسة.. إذا لم تحفظها لن تنال إجازة النجاح.. كانت صعبة الفهم.. تمجد الصفوة... الاتحاد.. الرفش.. وكل شيء مقدس يظهر عبر أفكار ومسالك الدوتشي. أنا أذكر ذلك تماماً.. كان الميدان كل يوم يزدحم بشباب "القال" بزيهم الأسود..إنهم شباب" اللوتيوريو"يعني الفاشية العربية المحلية.. يهتفون بالخلود.. بالمجد.. بالنصر للصفوة.. وكان كل واحد في هذه المدينة يطير من الفرح عندما يرى ابنه يردد مع المنشدين.. كان كل واحد يشير لجاره.. انظر.. ذلك ابني.. كان الكل يتسابقون من أجل رضاء الصفوة.. ويهتفون بمن فيهم والدي.. "فيفا.. دود تشي".. كان تماماً.. كما ترون في الصورة! لقد أطعم سكان هذه المدينة الحرب بفلذات أكبادهم. كانت إيطاليا تقاوم بجيش ثلاثة أرباعه رحلوا من هنا.. من هذا الميدان.. لم يقدروا على قول كلمة.. لا.. أنا أعرف ذلك.. لقد رحل عدد كبير من هذا الميدان كالقطيع تماماً. كان كل عتادهم أناشيد المجد للصفوة المختبئة وسط الحصون.. ويوم جاء الدوتشي إلى هذا المكان سجد الميدان تحت قدميه.. وارتدت جدران هذه المباني أحسن أردية حريم وجهاء المدينة.. كان ذلك إظهاراً للحب والإخلاص.. وفرشوا له الأرض بالورود والأكلمة والبسط العجمية.. وقد ركع مفتي المدينة تحت قدمي الدوتشي مقبلاً يده عندما أهداه أول وثيقة مواطنة.. أنا أذكر ذلك.. كنتم صغاراً.. لا.. لم تولدوا بعد.. كان الميدان في ذلك اليوم كما يبدو اليوم وإن كان بدون ساعة.. انظر إنه نفس المكان. نفس الوجوه لم تكبر.. لم تتغير.. نفس الأشخاص الذين رفعوا الرايات البيضاء على أسطح منازلهم قبل وصول الأسطول.. هتفوا بالترحيب قبل أن يروا وجه القادم.. أنا أذكر كل هذا.. تمعنوا في الصورة.. لقد ساوموني عليها.. لم أبعها.. إنها تذكرني بالوجوه التي تحويها.. تماماً.. هي نفس الوجوه التي تدير الحاكي.. وتكتب الأهازيج.. انظروا ألم تعرفوا أحداً في هذه الصورة.. أنا أعرفهم. أعرف كل القاطنين هنا..

وبدأ الشباب الثلاثة يشعرون بشيء من الخوف.. وبشيء من الدهشة.. فقد كان صوت الرجل يرتفع بالتدريج ويبدو مسموعاً لأولئك الذين يترصدون الآخرين.. وكانت الصورة تدور وسطهم يتبادلونها وكل منهم يهز رأسه. وأحياناً كان الرجل يقم ليأخذها من أحدهم مشيراً إلى الوجوه.. ورغم التشقق البادي على سطحها فإن الوجوه كانت واضحة..

وعندما عاد الرجل وجلس على كرسيه وأخذ يشرب بقية القهوة التي تركها.. أخرج سيجارة وأشعلها من بقايا التي مازالت بيده.

في هذا الأثناء انتهز الشباب الثلاثة فرصة انشغاله بإشعال السيجارة ووقفوا بتتابع وهم يلقون نظرة على الرجل ذي النظارة الخضراء. فيما أخذ أحدهم ينظر إلى الواجهات..وهو يقول :

• نعم.. إنه نفس المكان.. لم يتغير.. فقط الساعة الصدئة التي وضعت لتزيين البرج العالي.. وتوقفت في اليوم الثاني.. لقد أكلها الصدأ.. وتكاد عقاربها تسقط ..

ولم يرد عليه أحد كانوا توسطوا الميدان وانشغلوا بالحركة فيه.. إذ كان مزدحماً بالعمال الذين يلصقون الأعلام واللافتات.. ونشيد يصدح وقد أعيد للمرة التاسعة مازال يملأ الأجواء "لو جار عليك الزمن انده علي الأحرار". وجندي المرور يحث الواقفين على التحرك ومغادرة المكان بسياراتهم.. بينما سيارة النظافة كانت مقبلة من أول الشارع ترش الطريق بالمياه.. متجهة نحو ساحة الميدان لتغسله.

رجب الشلطامي
بنغازي 22/8/1970
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذه القصة في صحيفة قورينا / بنغازي ـ 4/11/2009 العدد 565


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home