Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Rajab al-Sheltami
الكاتب الليبي رجب الشلطامي


رجب الشلطامي

الجمعة 3 يوليو 2009

قصة قصيرة

النتيجـة؟ (*)

رجب الشلطامي

كانت حجرات المكاتب نظيفة ، وهذا شيء مخالف للعادة ، وكانت مضاءة أيضاً . . والمراوح تلعب في كل اتجاه ، ورائحة مبيد الحشرات المعطر تخترق الأنوف ، والفراشون في حالة انتباه تام ، والإدارة عموماً في وضع استعداد لم يسبق لها أن عايشته ، والموظفون يتساءلون عن كل هذا الاهتمام بزجاج النوافذ الذي يكاد الغبار المتراكم عليه يحجب الرؤية . . ونتيجة لذلك لم يترك أي موظف مقعده، الكل نبت في مكانه، وإن كان التساؤل قد ألح على أفكارهم. . لقد انتهى عصر الزيارات . . ولم تدم فترة الأسئلة التي كانت تدور في الأذهان، فقد قطعها صوت رئيس القسم عندما طلب من أحد الموظفين الذهاب فوراً ليحلق ذقنه. .

• سوف تأتي لجنة لمتابعة الموظفين وتقييم وظائفهم.
• وما دخل هذا بذاك ؟
• المظهر. . المظهر اللائق يدل على حرص الموظف . .
• غريبة . . هي لجنة متابعة . . أم لجنة تفتيش على نظافة الأظافر ؟

وانتشر الخبر كما ينتشر نبأ أي وباء، وبدأت مجموعة من الموظفين تظهر السجلات والملفات المدفونة في الأدراج وتكدسها على المناضد. . وأخذت الأوراق المدسوسة منذ فترة ترى النور من جديد. . بعضها فوق بعض وكأن العمل جار بها. . وقد امتلأت السلة المكتوب عليها " أعمال منجزة " . واختفت فناجين القهوة . . وأخذ كل واحد يفكر ويستعد لاستقبال الأسئلة ويعد الإجابة . . وإن كان شبح الخوف قد سيطر على بقية الاحتمـالات . . ربما وجدت اللجنة أن هذه الوظائف لا داعي لها . . وعليه فإن تسوية أوضاع شاغليها وتسريحهم سيكون هو القرار النهائي . . كانت الأيدي تمسك بالقلم لتخطط على الورق الأبيض أشكالاً وتعاريج توحي بالاضطراب الذي أخذ يعيشه كل واحد. . ولم تنجز أعمال ولكن الرسومات للتوترات الداخلية هي التي كانت تسود الورق الأبيض والذي كان يتحول رأساً نحو السلة فيملأ جوفها الخالي . .

الساعة قاربت العاشرة وكل شيء هادئ . . عدا الأعصاب . . الفراش جالس على كرسيه في طاعة عمياء للجرس الثابت في الحائط . . والزيارات بين المكاتب توقفت رغم حسن العلاقات . . وصبي المقهى لم يعد يتطاير بين الحجرات والممر كما كان . . ثم بدأت الحركة . ووقف الفراش في استعداد . . لقد شاهد مجموعة من الناس الذين يبدو الاهتمام البالغ بمقدمهم . وسرى الخبر .. اللجنة جاءت . . كانت مكونة من أربعة أشخاص باستثناء الكتبة . . احتلت مكتب الرئيس . . الذي كان يوزع ابتسامته بالمجان منذ أن سمع بالخبر . . ومر وقت زادت خلاله درجة الحرارة شيئاً من الارتفاع . . ثم شرعت اللجنة تستعد للقيام بعملها . . مجموعة من الاستمارات تحوي عدة استفسارات. . ثم عدة أسطر فراغ تدون بها الملاحظات التي تكون صالحة للتدوين .

نودي على الفراش الذي اتخذ فيما بعد دور الحاجب . . كان يصرخ بأعلى صوته باسم الموظف الذي يأتي دوره للمثول . . ودخل الموظف الأول . . ووقف في مواجهة اللجنة . . كان كالتلميذ تماماً . . يداه خلف ظهره . . ورأسه منكس ينظر إلى مقدمة حذائه .. وعيناه تتابع رسومات السجادة التي يقف عليها . . وشيء من العرق كان يلمع على جبهته . .

• أهلاً . . اسمك . . وعمرك . . وتاريخ خدمتك .. ومؤهلاتك .
وشرع في الإجابة . . في أول الأمر أحس بصوته يتقطع . . ثم شعر بعد فترة بقليل من الراحة بعد أن أزاح حمل الإجابة عن كاهله .
• هذه اللجنة تريد أن ترى رأيك في الإدارة .
• إدارة . . إدارة . . حسنة . . ومديرها أحسن .
• ورئيسك ؟
• إنه أخ وصديق . . إنه أحسن ما في هذه المصلحة. . .
• حسناً . . ماذا يضايقك ؟
• تأخير الترقيات فقط . . إنه شيء يذهب راحة البال ويقلل من الرغبة في الإنتاج .
• شكراً . .

وعندما خرج صرخ الحاجب من جديد بالاسم الثاني ، الذي قفز من فوق مكتبه وقبل أن يطرق الباب حاول أن يستفسر من زميله السابق ولكنه لم يعرف بالضبط ماذا كان يقول له . .

• أهلاً . . هذه اللجنة تريد أن تأخذ رأيك في الإدارة . .
• الحقيقة أنها كأي إدارة أخرى مثقلة بالروتين . . وبكل شيء يثير الأعصاب .
• مثل ماذا ؟ .
• بصراحة . . كـل شيء .. مثلاً سجل الحضور .. طريقة المخاطبة . . التهديد بالخصم . . كل شيء .
• حسناً . . شكراً .

ونودي على الثالث . . وعندما دخل أخذ ينظر في وجوه الأعضاء .. وشاهد الاستمارات قد وضع على بعضها فناجين القهوة وأكواب المياه المثلجة . . وكان رئيس القسم . . يقف بالقرب من الحائط وهو يبتسم للقادم . .

• ما رأيك في الإدارة ؟ .
• في أي شيء . . أعني من أي ناحية ؟ .
• طريقة العمل المتبع بها . . معاملة المسئولين . . أي شيء تراه . .
• بيروقراطية جداً جداً . .
• ماذا . . كلمة أجنبية ؟
• تعني التعفن الإداري . . التعفن في كل شيء . .
• ماذا يضايقك . . رئيسك مثلاً ؟
• إنه موظف يجيد توجيه اللوم أكثر من دفة العمل .. وكذلك المكاتب إنها قديمة متداعية . . إنها أشبه بزنزانات . . واللون الغامق من الأزوقة . . والأدراج القديمة . . الموروثة من عهد الأتراك . . كل شيء يبعث على السأم . . ليس هناك شيء مبهج على الإطلاق .. حتى اللوائح التي تحدد لنا معالم طريق السير قديمة . . والمعاملات مصبوغة بعدم الثقة . . لا شيء مريح على الإطلاق . .
• حسناً . . شكراً . .

وعندما خرج . . أراد الرئيس أن يعطي اللجنة شيئاً من الإيضاح . .

• إنه فنان . . يقول بأنه يهوى الفن . . وهو دائماً يصبغ الأشياء باللون الفني . . يريد أثاثاً مريحاً . وأزوقه مبهجة . . ومكتباً واسعاً . . حتى يرتاح نفسياً ثم ينتج . . غريبة .
• يبدو كذلك . . إنه نوع طريف من الموظفين الجدد .
• ثم جاء دور الرابع . . تقدم نحو المكتب الذي أخذ منه البيانات .
• أهلاً.. هذه اللجنة تعطيك الحرية في أن تقول رأيك بصراحة.. دون خوف.. هل لك رغبة في الانتقال ؟
• إلى أين ؟ .
• هنا بنفس المكان في قسم ثان .
• اعتقدت رغبة النقل لمكان آخر . .
• لا . . أجابه رئيس اللجنة .
• لا ليس لي رغبة .
• ما رأيك في أصدقائك الموظفين ؟
• كل منهم يعطي ما يستطيع . . بقدر العناية التي توليه إياها المصلحة .
• ورئيسك .. ما رأيك فيه ؟
• لا بأس . . يستطيع أن يقول كل شيء عدا الكلمة الطيبة .
• حسناً . . شكراً . .

ودخل الخامس . . ولم يلاحظ أي شيء باستثناء كتابة البيانات أما بقية الأوراق المطروحة فقد كانت خانة الملاحظات خالية من أي تدوين . . وبدأ يخامره إحساس بأن العملية تكاد تكون إيجاد عمل لأعضاء اللجنة أكثر من مضمونها . . أو هكذا خيل له . .

• أهلاً . . هذه اللجنة تعطيك الحرية في أن تقول رأيك بكل صراحة . .
• شيء جميل . . أرجو ذلك . .
• أولاً لا تعتبرنا من المسؤلين . . اعتبرنا أشخاصاً عاديين . . وقل لنا رأيك فيما تراه.
• الحقيقية يبدو أن العملية إحراج أكثر منها متابعة أو تقص . . فإذا قلت مثلاً أن الإدارة ممتازة . . فستقولون منافق . . وإذا قلت عكس ذلك قلتم حاقد . . لهذا أعتذر عن الإجابة . . هل من حقي ذلك ؟
• ورئيسك . . وطريقة العمل . .
• الأول يجيد كتابة رسائل الخصم والاستماع للأقاويل . . وإعطاء الدرجات الضعيفة .. أما طريقة العمل .. فهي طريقة هزيلة ومريضة موروثة عن عصر الأتراك . . كل شيء يأخذ تسلسلاً روتينياً وتعقيداً شكلياً بدون فائدة . . والمجاملات لها جذور في عمق النفط .
• أترغب في النقل إلى قسم آخر ؟
• جحيم بجحيم هنا أحسن . . على الأقل تعودت على لون الجدران الكئيب . . وأدمنت تهديدات الفصل . . وحفظت اللوائح البالية .
• لك ملاحظات أخرى ؟ .
• وهل كتبتم كل شيء مما قلت .
• هذا ليس مهماً .. نحن نعرف خلاصة الأقوال ونحفظها . .
• أعتقد لو وجهتم هذه الأسئلة في رسائل في شبه استفتاء وأعطيتم حرية الإجابة حسب رغبة كل موظف ربما كان ذلك أجدى . . أما الإحراج بهذا الشكل . . فأعتقد أن طريقتكم هذه خطأ كما يبدو لي . .
• حسناً . . شكراً . .
• وخرجت اللجنة بعد أن جمعت بعض الأوراق المنشورة على المنضدة . . وكان رئيس القسم يتبعها وهو يربت على كتف أكبر الأعضاء سناً . .
• ألم أقل لكم من الأول . . أن أغلبهم مشاغب . . إنهم تعودوا الكسل . . والخصم والعقاب لم يعد يجدي معهم . . الفصل . . هو وحده أحسن علاج .. لقد تعبنا وكافحنا من أجل الوصول .. ثم يقف الواحد هنا ويقول أن الرئيس يجيد كتابة رسائل الخصم فقط . .

لقد نسوا زمن كفاحنا .. إيه . . إنه زمن العجائب . .
وأخذ يتتبع أفراد اللجنة حتى دخلوا القسم الثاني .
وعاد وفي عينه . . وعيد .
ولم يعرف أحد من الموظفين موجهاً لمن . . ولكنهم سرعان ما يعرفون .

رجب الشلطامي
بنغازي في 29/8/1970
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذه القصة في جريدة قورينا / بنغازي ـ 29/6/2009 ـ العدد 472


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home