Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Rajab Mahmoud Derbi
الكاتب الليبي رجب محمود دربي

السبت 27 نوفمبر 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة

مرايا السحائب (4)

رجب محمود دربي

هذه مرآة من مرايا سحائب أخرى ستأتي لاحقاَ عددها في علم الغيم، ليست بقصص و إنّما كلمات تطلع في كروم من العبارات المعلقة على شرفات مدينة كانت نصف مسحورة اعتلت وجه القمر وعبر عناقيدها ترى ما لا يراه الا القلب وبنصفها الآخر كانت تصبو الى الضوء. كانت مفاتنها بساتين معلقة في ساحة الأفق في ثياب من حرير المسك وفي صدرها رواق مفتوح على النجوم ونافذة المطر. وفي احدى المرات الغيبية ازدانت المدينة بالذبول وشرعت السحائب ترسل لها هوج الرياح القادمة من اقاصي البحار وعسف الزمان. مدينة كانت سحائبها عناقيد عطر تنسج قداستها المخملية للمطر وكان على عينها يرسم البحر للصيف دفلة بيضاء. أبعث هذه المرايا الى ذاتي في عرش الثّريا.. والدي.


4ـ "من سرّه زمنٌ..."

كانت في درنة ... روح الطّين

غيثٌ من لجّة الشوق يهوي على غابٍ من نسيم ليلٍ في مدينة تستريح على جبين المساء،يملأ الغدران الراكدة حللاً مشجّرة وبشاشة من رائحة القطر،هكذا، ناحتِ الريح وابتسمت لأغانيه الخمرية،يتلبّد عشب الباستين بالغيم،ما مرّت غمامة بالباستين إلا وازهرت ايكةً عطرها هجيناً مترعاً بالدفء، ومن قطرٍ الى قطرٍ شرع الغيث ينثر ماء الغسق على بستان معلق تحت سماء تداعبها ريح مفتونة بلثم ضوء شبابيك "الجبيلة" المزهوة بمناجاة رعد السماء وقد حفرفي نتوء جبلٍ نشيد حانةٍ مشرقة الوجه على الطرقات الوضيئة باجنحة فراش تهز القلب من خمرها و تتفتح ابواب الزوايا ،بستان يتألق غسقاً فغسقاً تسامره الغيوم الوسنى ما بين زقاق الزروق وبين أعراش درب الفنار، يكتسي بغبارالنجوم وخصل السحائب ، الطرقات البعيدة ترقص من الطرب وتدور حول صوت الغيم، وقرب مدامع السّواقي ينوح جذع نخلة نبيذاً مستقطراً ينداح من عرش العرائش، شاحذاً جسد الطين بالروح.

الغيم طائر يغسل اسوار المدينة ويرقص في طربٍ، غيم منتشٍ باعترافات القلوب، يبدومن وراء هذيانه الهائج يمّ " دلهيس بوعزة" وهماً متطايراً، اوراق البستان المخضرة يغمرها مع الفرح الفضي النعاس الوديع ، تمتلئ سواقي حيّ " المغار" بعطر السحائب الريّانة بالضوء، أم البطاح الناحلة فتتهجّ بادمُعها المتعبة أحرف همهمات عشب الكلام وشقشقة عصافير الوادي، وعلى ارض الزقاق الرطبة "فرصٌ" أسود يتخطر ببطءٍ مجلّل بذهول الأفق، تفرح الأرض من نبش حوافره بطينها بينما رياح التلوين تلقي بغديرٍفي مرآة الماء و تخطو عدواً قبله، سرجه مغطى برداء الربيع، يزهو كاسراب الطيور المعلقة خلف ستائر الهواء ، يتوغل في دربٍ تعطره سحابة تفوح نرجسةً وتمضي، ومع الغيث المنعش تشتعل في المدينة مياه شهيّة، ومع ذاكرة النخيل يقود الغيم للمساء عيوناً لا تشبه العيون.

احتجبت النجوم، واشتهت طيور السليوة عذوبة رائحة ثلاث فاتناتٍ كانت الريح المطرّزة بالماء تمزج شهواتهنّ النّدية بالعشق والخمر، وكانت يمامة بنية مثل شهوة البنّ تستحم مستسلمة وجلة تخشى من الغرق في اجفانهنّ فرحة متعجبة، وكان طيف ليلٍ ينام تحت جدائلهنّ ويحلم، والخمر الذاهل قابع في الحانة يثرثر بلهجة مرحة، وكان اطفال يحلقون حول الفاتنات ، يدورون ويركضون كالريح ، يتنادون باصوات الفرح بمسرةِ نغمٍ راقص تحت ضوء خافت تبلله انامل الغيث ، وكان القطر تجتاحه ساعات من الجنون ممتزجة ببهجة الصّخب ، وكان الناس رغم الغيث يمشون في عالم من الغدران، وكان الغيث ينهمر في الظلمة العنيدة برعد يفيض ببرق كفجر ابيض، وكان البستان كالمساء ليس نائماً ولا مستيقظاً، وكان هواء الغيم يلعب مستأنساً بشعر صبية، وكانت الريح ترتجف مزدهرة في حافة الطريق يستقبلها الصبية والدّراويش على الدّوام، وكانت السحائب شغوفة بقراءة عطر ما وراء الأكمات .

وما كان الغيم في الفضاء المتطاير الا كقطرة ماء في سحائب الكون يبحث عن وردة امتلأت بخمرة الأصيل، تشمّ الفاتنات شذاها بزفيف انفاس بهيجة ، فاتنات يضربن في مآقي الريح، قائمات في ثياب البرد و"القبلي"، لهنّ من الزمن الواسع المزهر نصيبٌ ومن دفء القمر نجمة تولد من جدائل الأفق الفضية ، يبتسمن عند كل مساء لصبيّةٍ من حيّ "الجبيلة" تروغ بين اقدامهم الحافية "كرة الشخشير" عند عتبات سيقانهنّ الفارعة، يخفين اوجاعهنّ عن الخيول المسنة كما عن الحقول المزهرة، تغفو جوفنهنّ بلا وجع ، تطل النجوم على نوافذهنّ، تكرع من راح خمرهنّ ، تشطف رشفة عشق ناعمة من عيونهنّ، يرسلن بسوالفهنّ على ابواب الضوء الليّن المنسدل على شرفات لها نكهة البراءة وعلى النظرات الجائعة، تميل معهنّ اجنحة طيور السليوة وهنّ يغسلن آفاق الرياح ساعات المقيل، يستقبلن تحت نوافذهنّ الوسيعة الدّروايش، والسكارى والعشاق والعذارى، وعلى صدورهنّ يثب المطر من مزنه الشجيّ متلذذًاً بلسع شوكهنّ ونار صقيعهنّ، ممتلئاتٍ بالندى وبعطر بستان نديّ الثرى، فارعاتٍ ، مجدلياتٍ،سافراتٍ، يستقبلن جمرحنين السواقي الدافق من افراح السحائب، يرتعشن لسماع اغاني العاشقات الشاردة، يبتسمن لرقص الطرقات الثملة بالمساء، يترنمن مع عبير الشتاء ، متعانقات تحت زخات المطر وتحت زفير البرد، متلحفات بديجور رياح "القبلي"، يدعن لريح الربيع المرتعشة أن تداعب سيقانهنّ، يمشطن سوالفهن ساعات نقاء هفيف الصيف، ومع الدّجى يغنين لهديل الحانات، يختفي في حنايا سعفهنّ الأخضر موج كلام السكارى وهمس العاشقات، في عبير احتراقهنّ تنغرس عتمة الليل،و مع صهيل الخيل يفتحن للفراديس نعمة الوعد حتى مطلع فجر العاشقين، واذا ابرق في العتم برق رقصن مع غضب الرعد الفرح بصليل السراديب المعتمة ، واذا ما فاح شاي الظّهيرة يسترقن السمع لشذى الكلم الطيب وينسجن للرحيق لسعته الخبيئة.

بستانٌ يجاورهنّ شغفاً، يفور بحبهنّ، يستغيث بهنّ يطلب قطرة، "انقيطة" ماء من شدو "زرافة" تدفع القطر يسرةً ثم يمنى مع خفقة الرعد تطوف بها صبيات الحي، تنادي عنها من سماء تكسوالطرقات بنسماتٍ سكرى،فاتنات تحوم على نواصيهنّ عصافير لا تعرف الإنطفاء، وسحابات لاتكفّ عن مشاكسة الدّراويش ولا عن لثم الزعفران، مجدليات ينثرن على ريش الغمام أهازيج المساء.

يتباهى بهنّ الدراويش، يتبرك بهنّ نخيل البساتين المجاورة الكثيف، تسرّ تحتهنّ صبايا المدينة العاشقات كلامهنّ الأول في الهوى، يكتمن السرّ ثمّ يتخفين في افئدة النبيذ بعد أن يُنزلِن فيه دوح شعرٍ مغمورٍ بتنهدات جمر نوافذٍ على البساتين العطشى مفتوحة. لا تأخذهنّ غفلة عن راحلٍ ولا عن سحاب خدعه في محراب الصبّ رعد، يسكبن على ليل المهج اشراقة الإصباح، ومع النخل في المهبِّ الفسيح يغرسن مشاتل العطرشان المشع بالريحان فوق روابي ماء الينابيع الهائمة على وجهها ، يضمهنّ وشاح واحد يرفرف عند الدّجى بشروق اترفه المطر المبهج، تحت اقدامهنّ يعزف عندليب السموات القادم من جزر المراعي بمزماره الغرد، يجلس في عباءته ساكناً في سكون الليل، و"الثلاث نخلات"، قائماتٍ يتلقفن القطرببهجة الرغائب في صمت كسير، "ثّلاث نخلات"، هي في الجبيلة كالبدر في الظلماء، وفي درنة كالروح في الطين، وفي المغار كالعطر في الورد.

القطرُ غيثٌ معفر بفورة ماء قادمة من بطن البيد المفتوح للسحائب، يندي بأنامله الباردة تراب شارع "الكركوك" المضرج بمهابةٍ من أهداب عتمة ليلٍ تفتح ذراعيها لأفق يرنو الى حكايا المسرات ويسرق السمع لمواويل العشق المنفية عن شواطئها، يركض هكذا القطر بنثارريشه كالمجنون ، يغسل سطوح بيوتٍ وطئتها اشراقة احلام زمنٍ غدا بعد حينٍ الى فوج افراخ جرادٍ قدمت من حمّى العواصف المهذارة ومن أنواء ملغمة بسيف المشانق، افراخ جرادٍ قدمت من رماد الغبار، من أبوابٍ عمياء ، من زمهرير الشراك المسمومة، تحمل العبق الوثني في راحتيها، بينما الريح تردّد لهاث جدران يخدع الأحلام، انشق الليل وابتلع القحط آخر الكائنات الجميلة، وكانت "النخلات" تحب النسمات الباردة، وكان "باز" الشيخ محمود الزروق، و"مزمار" سي منصورالزروق و"طبلة" سي علي بالليل و"بندير" سي عمران الزليطني أواخر الأحلام ، وكانت دفوف " العيساوية" أول القطر، وكان في اذكارها يمرح اطفال العالم وكان الشتاء ابيضاً كالنجمة وكان البحر فستاناً مزهراً، وكنّ النسوة تختلج حقولهنّ بالتفاح.

أمام قوافي المساء يختال القطر بزوراقه بين امواج السحائب وكروم البيوت، وعلى تراب الشارع تسري دهشة كلام قادم من صقيع ترفِ ماء زهرالحاجة "شمسة" يهيّىء موطئاً لإستنفار الأحلام تأهباً لخطفها من خلف زجاج غيم الصمت ساعة دنان خمر الحانات من راحتها كأبراق هبّت فخفّت فانسلت من الشبابيك، ثمّ عبرت حدقات نوافذ الليل فاشعلت في مآقيها نيران الوجد الدافيء .

وهذه طيورالسليوة تحلق في جفون ظلال الأفق ، تزهوشامخةً ، تبتعد ، تتعقب موج الغيث، تودع بقية النهار، تشاكس صبيّة الحيّ، تعود لتلمّ ما تبقى من الشفق المنثور على هامات النخيل ، تسكب في اقداح معابد المدينة القديمة من ضوئيه المتوهج في الأجفان خمرةً عتّقتها فضة الشمس، طيور لاتشتكي ولا تئنّ، شاردة تعشق الشجر الشجيّ والقطر البارد ولا تخشى البلل، تهدأ مع حرقات الليل المطيرة، وتحتجب في النسيم الذي يبرد الآن ، وتنسج من صخب الليل والساهرين غيمة كروعة النجوى، يغمرها رذاذ غيم مسحور يمنح السّواقي صورة البحر، ويزرع في مآقي الّليلك هديل البحر.

وها هو " رؤوف الداراني" يتلمس طريقه نحو الحانة والأنس ينقرعلى ابواب خفق قلبه المزدان بأعراس النخيل، يعزف الأنس في قلبه بنشوةٍ من نسل مرايا السموات والأرض نداء المغيب، يغني الأنس لنجومٍ غابت في غفوة الحقول، في رطب النخيل المتساقط ،يبتسم الغيم احياناً، يزهرهذا الأنس في جنة الليل بحسنه عند اقدام صبية تركض مع القطر فيشرق في صحراء المدينة قمراً يسري بنوره في احقاب الأزقة، القطر ينثر بهجته فتخرج عصفوراً تتدفق من مزماره غرغرةً في لحنها حنين ودعاء.

الصبية تقذف عيني رؤوف بهسهاسات فضية من عينيها "السّود" تضيء الروح وتقتحم الحصون المنيعة، يلف جسد الصبية الرشيق "قفطان" أسود مطرز بدم الغزال، هزت الريح أطرافه، وعلى خارطته سرت شرارة تضيء اغصان الجسد المبلول بالقطر والضوء، تمايلت النخلات في غنجهنّ السحري ، ومن عيون سوداء هبت نظرة بغنجها رفرف صمت غناء الحصى، تحلّت ثم تجلّت ثم نفخت من شهدها في النّاي وسط اطياف المساء، تركت في البذر أيكة من الحنطة، وفي شرفات البيوت رجفات عابرة.

في ساحة قلب "رؤوف" نشوة من طيب قطر الغيث، يزيد من خطوه، تمشي به الخطى، مشاها ، يكاد يقترب من "سواني" الركروك، وفي خطوه رنينٌ يبسط الأرض بستاناً ، الغيم يتوارى تحت تضاريس الليل، يلامس الغيم الأعراش المبللة بالنبيذ المعتق ويسري نحو خفايا دفينة لريح ينابيعها كروم بستان يسكنه نخيل مهيب ، ريح طواها السكون، تنهدت في دم الصبية عاصفة من الصمت ثمّ صعدت نحو الثّريا عطرة النّسمة، ونزل البرد في غيمة عابرة، و"الفرص" ينهر الطين بآنية اللّهب.

تهز الريح ابواب الشرفات وتقتحم زوايا الأزقة، تندف السماء بالقطرالمتطائرندفاً رقراقاً، هدأة النخل في سواني "الركروك" تفتح ذراعيها لمملكة السحائب و تستقبل رهافة الريح الزاحفة من مرفأ الأمواج البعيدة، تحتفي بسفائن الغيوم وتشتعل ابتهاجاً بجمر الحانات في اقداحها، ومن حروف الغيث تنسج مرايا في مجرة القطرِ، تمضي مقتحمة سكون الليل تستقي من قدحها الأولى غبطة الخمرالمنسكبة من زفير اللهف في جوانح الظمأ، وعلى ابواب الحانة السكرى قفل الحجيج وغدا القطر فراشاً تائهاً بين اجنحة الطيور.

تعوّد "رؤوف " الذهاب الى حانة " سي القريتلي" كلّ ليلة، يرمي بخطاه اليها طائراً يمد أجنحة تطوي ليل المحال وتسقي كؤوس السمّار من الأنس وحشتها ،ترميه الطريق بخطوها الأليف الى بساط الندامى ، لا صحراء أمامه ولا خباء، لا عراء من بين يديه ،لا رمال من خلفه ولا خلاء من أمامه ، يتهادى فوق طين الحدائق نشوان ويشرب من نبعها في آنية متلهفة لخمرةِ المُتبتلِ ، يتنشق رَوْح النعناع ونجوى الحبق الهائم في فضاء الغيوم، يقتحم نيران الغيم، يملأ اهداب الفاتنات بالضوء والعشق، يتوكّأ عكازة الطيوب ونثار الياسمين، يصحبه الحصان الشامخ على رواق الطين ، رفيق مبلل بخمرة الأثير، واذا المزن على اكتافه تتفتح عنه سماء جليلة، يضع "الفرص" كأسه على مائدة الليل الأزلي ويسكر ، واذا الصبح لم يلُحِ باحكام المظاهر فماذا إن ذاب في ثغر المدام سلسالٌ وطار "الفرص" وجلاً بحثاً عن أستار الروح، يدخل رؤوف الحانة، وعلى الباب تمتد السحائب شاخصة .

يتمدد صوت ريح السحائب مترنماً بدفق ضوء نجوم الليل المبحرة في فوضى لجج الغيم، هائماً برفيف اجنحة نواقيس الهوى وهي تعدو تسابق تهاليل أودية الجوانح المسهدة، يسابق رؤوف لجج الغيم في نور الظلام المضيء بنجوم عيون الصبية، يسابق الغيم رؤوف ، يسقي جدران الحانة ستراً من سحابٍ مُنْهَلّ الغدق، تستأنف الحانة ليلتها في زهوٍ والغيمة السكرى ترنو الطريق بصبوات قريرة، خلت الطر يق من الناس الا القليل، بعد قلائل وصل رؤوف الى الحانة، الأرض تحت قدميه طين طري يغمره البلل، الليل يزحف بعيونه، وانوار الطريق الخفيفة ترهف رهافة حسحسة قطط الليل، تتراقص انوار الضوء المرتجفة وهي تلامس سرج الفرس لتكشف عن وجه البريق في معصميه، وعند باب الحانة تتأرجح الأحداق تحت مناهل الكأس المترعة بنعمة الوعد .

" رؤوف " يمرّ عبر الزمن، وعبر السحائب، عبر زمان المدارات وعبر رؤى الحجب، عبر الغيوم حيث لا أمن ولا خوف، يقترب من الحانة في منتهى بواكير المواجد، ترانيم من شفيف القطرِالأنيق تغزل بصوتها الوردي موجةً زرقاء تتهامس في العتمة ترميه برذاذها المياد فتحمل أنغامها ريح مكتظة بينابيع الغروب الزاخرة بماء النرجس الدافق ترتطم بموجة عطرٍ بثلاث نخلاتٍ شامخاتٍ في علو مزهري تطوف بهنّ غيمة تضيء من تحت النجوم المختبئة وراء اعالي السحائب ، ومن حولها تزحف الظلمة قادمة من سموات الغيم ترسم أغاني الأقداح وهي تتلومن مقاماتها المبتهلة مزاميرلعلعة الرعد الهتون على مسامع السمّار، تفتح الحانة ابوابها ، يعبر العابرين بين ماء وماء، والغيث ضارب في الأزقة بجدائلٍ تغمر الّلهب .

الليل يعدو في ثياب الخريف بأقدامه الحافية عبر الطرقات ليحرسها ولا أحد يدري ماذا به الشّوق صانع، ترتعش"الثلاث النخلات" القاصرات الطرف بهباتٍ من أنفاس الريح الفرحة، الهواء البارد المنعش يتطائر فوق الجدران، ثلاثُ نخلاتٍ كثلاث سيدات ذوات بهاء سحري يهرع اليهنّ القطر مجذوباً بالأشواق، كل نخلة توأم براقة تشمخ باحلامها وتستعير من مرايا السحائب بهجة رؤيا بالحسنِ أمستِ، فيلتقي عندها السكارى والتائهين في محراب بساتين السراب المندثر، الى أن ينسى صهيل الخيل وصايا المجرات وروافد همسات الخيال، ينسى عطر الجبال حتى تطفح السواقي بالنبيذ، وتتخلى الحسناوات مثل الفاتنات عن البراقع وتتفتح التخوم أمام بهجة المزامير، ويرسم الأطفال على الغسق غبار الخيول الوحشية.

يمضي رؤوف نحو الحانة شبراً شبراً، يتذوق رعشة "النبيذ" من كأس ناضبة قبل أن يصل الحانة، يملأ رئتيه بعطر سواني "الركروك" الممتدة من حوض الفاتنات الى بوابة "شارع الفنار"، الحانة تمتلىء بالدخان والثرثرة والسكر،أما "جنان الركروك" فقد جاده صب من المزن، يزهو أول الليل بالكروم والنخيل والتين والتوت، وفي آخرالليل ينسحب من التعب بحضرة النعناع الهائم في وجه الريح ويلوذ بالنخلات والعابرين، الليل يرجع من هجرته بغيومه للأرصفة ، الحانة ريانة بالدفء والخمر والحكايات والأساطير والخرافات، الحانة من دفئها ينبثق جدول رقراق يرغب في عناق الفجر، ويمتلىء القطر علماَ بالهوى، وعلماً بزفير القدح، على الطريق اقدام تعبر غير مكترثة وضباب يزحف ويرفل ويتوارى في ظل الغيوم .

دلف رؤوف مسرعاً الى الحانة ، الكؤوس مليئة بالبروق والخمر، الحانة تحسو الكؤوس الغارقة في النشوى، المدينة تتموج في بحرها السحري، يسدل الغيث على ضوئها الشاحب شلال اسراره العتيقة، لا حرف، لا عبارة، لا كلمة، لا علامة، ولا سمة، جلس في مقعده المعتاد ، جلس وأقداح الحانة مترعة بالنبيذ والخمر المعتق، مُسكِ الخمر يملأ الرؤوس والأقداح ، التفّ من حوله الرفاق، يثرثرون ، يدندنون، يرشفون كؤوساً لا تعرف أن تتوقف عن الإفصاح المبين.

تغزو الأقداح اروقة الصمت من شدّة شذاها، تثمل كؤوس المدامة من شمائل نشوتها ، احتسى كأساً ثمّ كأساً وكأساً آخراً جلب من الغيم المسرات، انذهل الرفاق السكارى من سحر حديثه كالمرات السابقة ، كل حكاية من حكاياته تتعتق داخل أرواحهم كنبيذ التمر، لا يسكر ولا يتلعثم ولا يترنح، حديثه يحلق كطيور السليوة الخرافية فوق امواج السحائب التي تتهادى بعزٍ يستقي احرفه من الشموس البعيدة، حلّقت في سموات الحانة انغام الحان قديمة تعتّقت في قعر الأقداح. علّم الشوق مقلة الحانة سهر الليالي، وازاح باباريق التمني الظلمة.

تنقر الريح الماطرة على جبين زجاج شبابيك الحانة نقراً يعبر نافذة شهوة الكأس ، الكؤوس تدور، يرفّ في العتمة ضياء البروق ، يصهل جواد أسود خارج الحانة بكبرياء ويحفر الطين جذلاً، يخلو الشارع من اقدام تجوب آخر الليل، ارتوت الحانة وثملت، رفعت الغيوم حصارها، ابتسمت الأرصفة العطشى بلا مبالاة، اقدام السكارى تغوص في طين الأزقة الضيقة، خرج من الحانة ، برقت عينيه ببهجة ناسك ساعة أن رأى قبالته أخاه والجواد الأسود ينتظرانه. صهل الجواد مترنماً وأقبل يمسح رأسه بكتف "رؤوف".

نجمة من خلف الغيوم تمر أمام الحانة ، دخلت من باب الصمت الى الحانة، النبيذ المعتق الساري في دم الروح سلطانٌ على ذاك الفرح المنسي بعد الليل، الجواد الأسود يفرك الأرض برقصة مرنحة يزفها الليل بين جوانحه الرمادية، ساروا معاً الجواد الأسود و" رؤوف" وأخيه، اقتربوا من الثلاث نخلات، تحت النخلات يقف أحد دراويش المدينة ساكناً ينتظر "رؤوف" كما اعتاد كلّ آخر الليل، درويش عباءته مئذنة، وعكازه مزمار واسمه يسكن في هذيان الروح.

توقف الجواد امام قدمي الدرويش،لم تلبث الريح إن بدأت تنصت،تركت النجمة الحانة ودنت تلقي السمع وهي ثملة، سأل الدرويش رؤوف: كيف كانت الحكايات هذه المرة؟ ابتسم رؤوف، خفق الصمت، ليس للسحائب حارس إلا النيازك، تعطل الكلم، هدهد ابتهاج النخلات أجنحة الجواد، الجواد يغمره الفرح، أجاب "رؤوف" في حضرة الدرويش: كما تعرف وكما عادتها وكما بلّغتني فقدحك كان يفيض وكنت أسكرو أرتجل،وكنت أنت تحدّث الحانةعن كرى اللهو وسواكنه، وعن كلّ كلمة تتألق في الجبة، وكنت أسمع.

وقبل أن يختبيء الدرويش في لمح البصر في حدقة الفجر على بساط البرق قال لرؤوف : أما في المرة القادمة فحدثهم عن قول الذي قال: " من سرّه زمنٌ ساءته أزمانٌ" .

طار الجواد الى الأسطبل وسبق سيده،اشتهى جنان "الركروك" صهيل الخيول والأفق المشحون بغبار الفجر، قفل "رؤوف" راجعاً لحوشه في صحبة أخيه، أغمض الجنان عينيه فرأى كلام الدرويش بقلبه، تيقن الجنان أنّ ما ألقى السمع اليه في المرة السابقة لم يسمعه هذه المرة، تيقن" إنّ السّراب ببطن البيد ختال"، وتيقن أنّ لا أحد يحصي أقداحأ تُسكر الليل، وتيقن أن الدرويش لن يعود ،سيهيم في براري الكون ويطوف حول مجرات النيازك ، وأنّ " الدّاراني" سيرحل عن المدينة ويغيب في الجداول وفي الأشياء وفي المدائن والقرى وأنّ "الرّي" سيتغرّب عن شجر البلاد، والجراد قادم، وكلما هبت الريح القى الغيم السمع لمزمار الدرويش في الغياب والحضرة وتزدهر وردة في حوش الدّارني ثم تغرق عند باب الشّوق .

استعدت النخلات الفاتنات الى آخرِ ليلٍ آخر وإلى درويش آخرمن دراويش المدينة "حتى مطلع الفجر".

رجب محمود دربي


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home